من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو الفوارس سعد بن محمد بن سعد بن الصيفي المعروف بحيص بيص.
فقيه تبادى وطوّل طرطوره، وحوّل أموره/ وبرز في زيّ العرب في هيئة
منكورة. وكان لا يمشي إلاّ متقلّدا بسيف، ولا يمسي إلاّ مترقّبا لضيف. حمل السيف إلاّ أنّه ما أعمله، والرّمح أنّه ما زاد على أنّه اعتقله. وزعم أنّه من ولد أكثم بن صيفي حكيم العرب، ويكتم من هوى البداوة أيّ أرب. تشبّه بأهل البادية في الحاضرة، وتشبّث بأهداب الأسلاف الغابرة، وكان متمذهبا للإمام الشافعي ﵁، وتفقّه بالريّ على القاضي محمد بن عبد الكريم الوزان، وتكلّم في مسائل الخلاف، وتقدّم بشمائل آداب أرقّ من السلاف، وغلب عليه الأدب لتوفيره على مادّته، واستقامته في جادّته، فإنّه لم يبق إلاّ طالب لإفادته، وسالب إجادة كلّ محسن لإجادته، وله رسائل فصيحة بليغة إلاّ أنّها ما أفرغت في قوالب حسن الصيغة؛ لأنه نحابها منحى القدماء
فجاءت قاسية محكمة الصيغة إلا أنّها كالجبال الراسية. وذكره السمعاني وأثنى عليه، وحدّث ببعض مسموعاته، وأخذ طرفا في الأدب من تنوعاته.
وكان الحيص بيص يحمّق، ويفتح فاه ويتشدّق، ويتقعّر في كلامه ويتعمّق، وكثر عبث الناس به لغرابة أسلوبه، وغلاظة تركيبه، وكان ذا إعجاب يخيط ناظريه، وكبر يريه النجوم تحت مواطئ قدميه؛ لتيه يفرط به الإعظام، ويفرغ رأسه فيما يداس عليه بالأقدام وممّا نطلعه من شعره كواكب لا تأفل، وخمائل في البحر السحائب تكفل، قوله في صفة السحاب:
دان يكاد الوحش يكرع وسطهوتمسّه كفّ الوليد المرضع
وقوله:
يزيد في عزّ الفتى ذلّهحينا وإن كان له آبيا
كسابق قصّر عن غايةفكان بالسوط لها حاويا
/ ومنه قوله:
الخرق يرهب لكنّ الأناة لهاعند التأيّد أضعاف من الرّهب
لا يأمن الدّهر بأس الجمر لامسهوقد يروح سليما لامس اللّهب
وقوله:
شكوا أشمس أنت أم قمرولفرط ذلك أشكل الأمر
فانجاب ليل الشّك حين قضىليل العذار بأنّك البدر
ومنه قوله:
هل المال إلاّ خادم شهوة الفتىوهل شهوة إلاّ لجلب المعاطب
فلا تطلبن منه سوى سدّ خلّةفإن زاد شيئا فليكن للمواهب
منها:
أسود إذا شبّ الخميس ضرامهأسالوا نفوس الأسد فوق الثعالب
منها:
وبي ظمأ لم أرض ناقع حرّهسواك فهل في الكأس فضل لشارب
وقوله:
إذا ما أتاه مجرم وهو قادرتوهّمته عن عفوه غير قادر
وقوله:
شغلته عن وصف [الهوى] ذكر العلىفنضا شعار الشاعر المتغزّل
قضّى شبيبته بمجد مشيبهفإذا المشيب بدا له لم يوجل
منها:
ووراء ليل الحظّ صبح سعادةفارغب بنفسك عن خليقة مهمل
وقوله:
كررت عليه الحلم حتى تبدّلتجرائمه من خجلة بالمعاذر
وقوله:
فبرد الصّبا عندي قشيب وهمّتيقناة وأيام الزمان أماميا
خزائنهم أيدي العفاة لأنّهمرأوها على مرّ الزمان بواقيا
وقوله:
إن شاركوني في قول فلا عجبما حال إبليس في التخليد كالخضر
/ أنازع الملك الطاغي وسادتهويحجبون عن التسليم والنّظر
كأنّني باذل ما جئت أطلبهعند الملوك لفرط العزّ والخطر
منها:
من كلّ مشتمل بالذلّ مضطهديرقّق العيش بين الذلّ والحصر
أضلّه نور فضلي عن مقاصدهوربّما ضلّ ساري الليل بالقمر
منها:
لا تحسبوا شرس الأخلاق منقصةفمرّة الخمر أشهاها إلى البشر
كفى حسودي جهلا أنه رجلمعاند لقضاء الله والقدر
منها:
لا شيء أقتل من حلم يمازجهتيه تشاوس في ألحاظ محتقر
يودّ منه سفيه الحيّ لو ضربتليتاه في موضع الأهواء بالبتر
منها:
فكلّ ليل إلى صبح نهايتهوإن تباعد أولاه عن السّحر
ومنه قوله:
علوت عن تأثير قول الخنافلست أخشى سفه الشاتم
لو رجم النّجم بأيدي الورىلم تدمه قطّ يد الرّاجم
منها:
صيد ومن رائق أخلاقهميشتبه المخدوم بالخادم
وقوله:
إنّما الجود كالحياة ولكنيعتريها السّقام بالميعاد
ومنه قوله:
لا تحسبي مزح الرّجال ظرافةإنّ المزاح هو السّباب الأصغر
قد يحقر الملك المطاع ممازحاويهاب سوقيّ الرجال الأوقر
وقوله:
إذا ما استقاد العاديات إلى الوغىتلون بتصهال لنا سورة الفتح
وقوله:
هجرت الهوى والعمر غضّ نباتهفكيف وقد لاح المشيب بمفرقي
/ منها:
وقافية سيّارة عطّ وخدهابرود الملا ما بين غرب ومشرق
منها:
قشيب رداء العرض لكنّ مالهتمزّقه العافون كلّ ممزّق
وقوله:
يغضل النّار في الحفيظة لكنعنده في الوداد لطف الماء
ومنه قوله:
وأطيع حزمي قبل طاعة عزمتيوالعزم منقصة إذا لم يحزم
وأعاف إدراك الغنى بمذلّةوغنى الذليل عديد فقر المعدم
منها:
وعجبت من مثر إذا سئل النّدىلم يعطه ولقادر لم يحلم
منها:
لبق الشمائل بالنعيم كأنّماأعطافه محفوفة بالأنجم
وقوله:
تنوّرت منه لمعة المجد يانعافها رقت حتى طوّحت بالغياهب
وقوله:
إذا استنّ في الجدوى وجدّ إلى اللّقاتمنّى مقاميه الحيا والمناصل
ومنه قوله:
ومن كقريش في المعارك والنّدىيموت مناويها ويحيا فقيرها
أبرّت معاليها على كلّ ما جدفأولها حاز العلى وأخيرها
منها:
قواف تخطّت عرض كلّ تنوفةيشقّ على أيدي الركاب مسيرها
ومن عجب تغشى البلاد قلائديوتعرض عن زورائكم لا تزورها
منها:
وما الدّهر إلاّ حلية مستعارةجدير بكسب الحمد من يستعيرها
ومنه قوله:
لحى الله مجهود الفؤاد من الأذىإذا هو لم يستخلص العزم شافيا
فما أحرز الآمال مثل مهاجرإليها وفات النّجح من بات ثاويا
/ عصيت إبائي إذ أطعت مطامعيولو كنت شهما ما عصيت إبائيا
منها:
صموت يضيق النّطق عنه وباسمإذا اختبرت حالاته كان باكيا
ومنه قوله:
بين الإباء وبين الصّبر ملحمةوقد غدت بين جفن العين والوسن
منها:
وقد يكون مقال المرء آونةعيّا ويحسب بعض الصمت من لسن
منها:
يحار طرفي وقلبي حين أنظرهما بين إحسانه والمنظر الحسن
ومنه قوله:
ولقد أكتم همّي حازماوهو في القلب كأطراف الأسل
منها:
فإذا ما غضب ساورنيطلع الحبّ عليه فاضمحل
وقوله:
لم يدرّجه إلى منصبهكسواه عمل بعد عمل
إنّما منشؤه حجر العلىفخر الناس جنينا وفضل
وقوله:
ولا تأل جهدا في اصطفائي فإنّنينهوض بآداب الملوك كفيل
فإن لم أكن قلت الذي فيك من علافإنّي بعون الله سوف أقول
وقوله:
وما أطيق لما أوليت محمدةوكيف ينهض من محموله جبل
ومنه قوله يكتب على مقرعة:
لم لا أتيه على الرّماح إذافخرت وتحسدني الظّبا البتر
وإليّ سوق الرّيح حاملةطودا أشمّ وقابضي بحر
وقوله:
إلام يراك المجد في زيّ شاعروقد نحلت شوقا فروع المنابر
/ منها:
ولا خير في فضل تباعد عزّهولو فاق أضواء النجوم الزواهر
وقوله:
حثّ الكريم على النّدى وتقاضهبالوعد وابعثه على الإنجاز
ودع الوثوق بطبعه فلطالمانشط الجواد بشوكة المهماز
ومنه قوله:
تبدّل موقف العزمات حزماوتختلف السجايا بالزمان
وكنت أجيلها متمطّراتفها أنا لا أفرّط في العنان
وقوله:
وجوه لا يحمّرها عتابجدير أن تصفّر بالصّفار
فما دان اللئام لغير بأسولا لان الحديد لغير نار
ومنه قوله:
إن عزّ لقياك وماء النّدىهام فإنّي شاكر عاذر
يسقي السحاب الجدب سحّا ولايجتمع الممطور والماطر
وقوله:
يلين في القول ويحنو علىسامعه وهوله يعصم
كشوكة العقرب في شكلهالها حنوّ وهي لا ترحم
وقوله:
فالحظّ قد غطّى مطالعهبخل الملوك وعزّة النّفس
ولقد شكوت الأمس قبل غدوأتى غد فشكرت للأمس
وقوله:
إذا المرء لم يرزق مع الأيد همّةفلا شرف في الأيد منه ولا فخر
ألم تر أنّ الباز يسمو لصيدهعزيزا ويهوي نحو جيفته النّسر
ومنه قوله في قميص:
/ إذا اشتملت على شمس وبدر دجىيهدى به الرّكب أنّى وجهة سلكوا
فمن دعاني قميصا بات يظلمنيوإنّما أنا لو أنصفتم فلك
وقوله:
عجزت ومالي حيلة في هواكمسوى أنّني أزداد وجدا مع الصدّ
ولو أنّني جاهدت نفسي فيكمسلوت ولكن لا جهاد على العبد
ومنه قوله:
زار الخيال بخيلا مثل مرسلهفما شفاني منه الضمّ والقبل
ما زارني قط إلا كي يواقفنيعلى الرقاد فينفيه ويرتحل
وأجيز:
وما درى أنّ نومي حيلة نصبتلو صله حين أعيا اليقظة الحيل
وقوله:
باغي الصّلاح تقال عثرتهوسواه لا يعفى من الزلّل
قتل الطّبيب فلم يقد بدموالثأر مطلوب من البطل
وقوله:
العزّ والنّشب المجموع بينهماتباين ولو انّ المرء سلطان
فجرّد النّفس نحو العزّ أجمعهلا يرهب السيف إلاّ وهو عريان
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع