من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو الحسن علي بن الحسن بن علي بن أبي الطيب الباخرزي
مؤلف [دمية القصر] كتابا طرّزه بأدبه، وطرّفه بذهبه. وذكر له فى أثنائه درر كلم تنطق بثنائه.
وكان في أوّل حاله فقيها صحب الجويني والد إمام الحرمين صحبة أثمرت أفانينها، وعمرت بالفوائد أحايينها، ثمّ شغل بالأدب ورقم طرزه، ونظم درّه لا خرزه.
ما نسب بالباخرزي إلاّ إلى باخرز، ولا حسب له إلاّ الجوهر، وما هو من ذلك الطّرز.
وباخرز ناحية من نواحي نيسابور أخرجت جماعة من الفضلاء، وما خرّجت جماعة إلاّ بالغلاء. وصادف الهوى قبولا من قابليته انطبع في مرآته،/ وانقطع كلّ سابق عن مجاراته، واحتاج كلّ من يؤثر عنه من هذا الشان إلى مداراته لحسن يحسن في إظهاره، وقبيح يحمل في مواراته توقّعا لما يقوله في الدمية أو توقّيا واتّقاء منه إذ يسم هذا انحطاطا
وهذا ترقّيا، فكم خلّص واحدا من عاب، وأحلّ آخر علياء الشّعاب، وكسى آخر فخرا لا يبلى جديده ولا يقصر مديده، وترك آخر نجابه عرضه منجى الذباب، وخيف ضرره خيفة الوزغ لا الحباب.
وكان ذا ذهن حدّ لا يصدأ صقيله، ولا يهدأ في المباحث صليله، ولا يعرف شرار النار إلاّ أن يكون هو أو سليله، ولا طريق إلى الاختراع إلاّ في شعره وما هو سبيله، ولا رحيق المراشف إلاّ ما أداره لمى غزاله أو سلسبيله ببدائع ما الروض غاداه السّحاب، وهداه السخاب، ومرّ به النسيم مثل الجلباب معتل الهبوب في طفل الشباب، قد أخذت الأرض زينتها وجبلت بكافور القطر الذائب في عنبر الأرض طينتها حتى تسلسل ماؤها وهو مطلق وأطلق فيها النظر وهو موثق، وتجاوبت قيان ورقها الصّوادح، وتطايرت شرارات جلّنارها في كفّ كلّ قادح، وبرزت شقائقها مجامر، وبدت مخاضات أقاحها معابر، وتوردّ وردها بالخجل حياء من مقل النرجس، وطال لسان سوسانها عتابا على المنثور حيث أجلس، وتنمّر البنفسج في ورقه وازرقّ من حنقه، وبان على البان في قضبه، وعلى باقي الزّهر ما فرّ به إلى رؤوس كتبه، إلى غير هذا من محاسن جمعت، وميامن أودعت بأبدع من تلك البدائع، ولا بأبدع من ذلك الفضل الرائع.
وسنورد من بديعه ما يشقّ كتمانه على لسان مذيعه، منه قوله:
وذي زجل والى سهام رهامهوولّى فألقى قوسه في انهزامه
/ ألم تر خدّ الورد مدمى لوقعهاوأنصلها مخضوبة في كمامه
وقوله:
ومطرب صوته وفوهقد جمعا الطيّبات طرّا
لو لم يكن صوته بديعاما ملأ الله فاه درّا
وقوله وقد أصابه مع محبوبه جرب:
لنا جرب بين البنان نحكّهرضينا به والكاشحون غضاب
وكنّا كمثل الماء والخمر صحبةعلاها بطول الامتزاج حباب
وقوله:
وإنّي لأشكو لسع أصداغك التيعقاربها في وجنتيك نجوم
وأبكي لدرّ الثغر منك ولي أبفكيف نديم الضحك وهو يتيم
وقوله في شدّة البرد:
لبس الشتاء من الجليد جلودافالبس فقد برد الزمان برودا
كم مؤمن قرصته أظفار الشتافغدا لسكّان الجحيم حسودا
وترى طيور الماء في وكناتهاتختار حرّ النار والسّفودا
فالرّيق في الأشداق أصبح جامداوالدّمع في الآماق صار برودا
وإذا رميت بفضل كأسك في الهواعادت عليك من العقيق عقودا
يا صاحب العودين لا تهملهماحرّق لنا عودا وحرّك عودا
وقوله من أبيات:
يا فالق الصبح من لألاء غرّتهوجاعل الليل من أصداغه سكنا
بصورة الوثن استعبدتني وبهافتنتني وقديما هجت لي شجنا
لا غرو أن أحرقت نار الهوى كبديفالنار حقّ على من يعبد الوثنا
/ ومنه قوله:
زكاة رؤوس الناس في عيد فطرهمبقول رسول الله صاع من البرّ
ورأسك أغلى قيمة فتصدّقيبفيك علينا فهو صاع من الدرّ
ومنه قوله في معذّر يكتب خطّا مليحا:
قد قلت لمّا فاق خطّ عذارهفي الحسن خطّ يمينه المستملحا
من يكتب الخطّ المليح لغيرهفلنفسه لا شك يكتب أملحا
وقوله:
قالوا التحى ومحا الاله جمالهوكساه ثوب مذلّة ومحاق
كتب الزمان على محاسن خدّههذا جزاء معذّب العشّاق
ومنه قوله:
عجبت من دمعتي وعينيمن قبل بين وبعد بين
قد كان عيني بغير دمعفصار دمعي بغير عين
وقوله:
وشاغل بالنّوى قلبي ليجرحهأمسى جريحا بنزع الروح مشغولا
مشى برجليه عمدا نحو مصرعهليقضي الله أمرا كان مفعولا
ومنه قوله:
إنّي لأعجب من عقارب صدغهسلمت وملعبها خلال حريقه
وتظلّ ترقص فوق وردة خدّهطربا إذا شربت مدامة ريقه
وقوله:
رنا ظبيا، ذكا وردا تثنىقضيبا، ماج دعصا لاح بدرا
يسائل كيف حالك بعد عهديفديتك ما السؤال وأنت أدرى
ومنه قوله:
/ عزاؤك أن حبست وليس عيبافتلك الراح تحبس في الدّنان
وهذا الورد قد يزداد طيباإذا حبسته أطراف البنان
وصبرك إن ضربت فليس عاراكذلك يضرب السيف اليماني
ومنه قوله:
يروقك بشرا وهو جذلان مثلماتخاف شباه وهو غضبان محنق
كذا السيف في أطرافه الموت كامنوفي متنه ضوء يروق ورونق
[ومنه قوله]:
قالت وقد ساءلت عنها كلّ منلاقيته من حاضر أو بادي
أنا في فؤادك فارم طرفك نحوهترني فقلت لها: وأين فؤادي؟
ومنه قوله:
أطلت الحنين وزدت الأنينوأصبحت من سوء حالي بحال
كذاك القسيّ تطيل الأنينإذا كلّفوها فراق النبال
وقوله في مليحة مات أبوها فأفرط بها الجزع عليه:
ودرّة حسن أنفدت حسن صبرهاوفاة أبيها فهي تبكي وتجزع
فقلت اصبري فاليتم زادك قيمةأليس يتيم الدرّ أبهى وأبدع
وقوله في ذمّ الشراب:
لا تسقنيه فإنّي أيّها الساقيأخاف يوم التفاف الساق بالساق
هذا الشراب تهيج الشرّ نشوتهفميّز الشرّ عنه واسقني الباقي
وقوله في عيادة:
لا يروعنّه الذبول فقدماقد حمدنا من القناة الذبولا
ونسيم الرياض لا يكتسي الصّححة إلاّ بأن يهبّ عليلا
/ ومنه قوله:
لا تنكري يا عزّ إن ذلّ الفتىذو الأصل واستغنى لئيم المحتد
إنّ البزاة رؤوسهنّ عواطلوالتاج معقود برأس الهدهد
وله نثر يروع حالية العذارى، وتغور منه الدرّاري غيارى، ويريك السامعين من الطرب سكارى، وما هم بسكارى ولكنّها نشوة استحسان، ونشأة روح وريحان.
منه قوله في خطبة الدمية، وقد حمد الله وأثنى عليه، وانتهى إلى ذكر النبي ﷺ فقال حيث ساق الصلاة والتسليم إليه:
صلاة تكبو بالإضافة في حلبات نسيمها دخن الكباء، وتسرّ باستعارة نفحات سميمها سرر الظباء وما نفجت السحب بذنابها ولألأت الفور بأذنابها، وأقول: إنّي لم أزل قلق التشوّق إلى التفكّه بثمار الأدب الغضّ، صادق الرغبة في أخذ الحظّ من راحه بالغبّ ومن تفّاحه بالعضّ، وارتفع عن مثاقفة المعلمين أمري، وكبر عن تقلّد طوقهم عمري، ثاقب العزيمة كما يلسن في الظلام شواظ النار، نافذ الصّريمة، كما طنّ في العظام ذباب البتّار مغرما بمطالعة الكتب. ألزمها العين شطرا فشطرا، وأكاد أقشرها بمحكّ النّظر سطرا فسطرا، وبلغني أنّ بعضا من جناة ثمرتي ورماة مدرتي، يزعم أنّ عليّا قد أنجب به إزمان والديه، وليس كذا ولا ردّا عليه، ولكن ربّما أخلف وميض المزن الواعد، وكذب صلف تحت الغيم الراعد، وما عندي من هذه الصّناعة إلاّ تكثير سوادها. وإن كنت
فسكل آمادها ولما أضرّ بي طول الجمام،/ وقرمت إلى علك شكيمة اللّجام، خلعت عذاري على الاستنان، ورقصت مرحا في سير العنان، وعهد الصّبا مخيّم ما انتقل، والوجه بالنبت موشم همّ وما بقل، والخطّان المتورّدان من يمينه ويساره لم يتصافحا، والضّدّان المتناقضان من ليله ونهاره لم يتصالحا.
ومنه:
وسرت والمشيّعون يذرّون على الهواء فتات الأكباد، والمودّعون يزرّون لعناق التوديع أعضادهم على الأجياد، فلم يحفل بحمارّة قيظ جوّها محموم ورشحها يحموم، يتوسّد وحشها ظل الأرطاة، وتسجر رمضاؤها وطيس الأفحوص على القطاة، واعتنق على التهاب الضّرام أمرها، والتقط النقاط النعام جمرها، وكفى بالعلم مفخرا، يقدع به أنوف المفاخرين، وبالثّناء الجميل مدّخرا، وهو لسان الصدق في الآخرين.
ومنه:
وقد وليت وجهي شطر الفضلاء والوجاه، وبسطت حجري لالتقاط درر الشّفاه، وتركت اليراعة، التي هي أنبوب من رمح البراعة، يطول انضمامها إلى أناملي سادسة لخامسها، والمداد الذي هو مستسقى أرشية الأقلام منهلا منهلا لخوامسها، لا جرم أحمدت سراي عند الصّباح، ونادى بي داعي الخير: حيّ على الفلاح، وهيّأ الله لي من
أمري رشدا، وثمّر لي من طول معاناة المخض زبدا، وتحقّق لي كلّ ظن بما تجمّع لي من كل فنّ، فكأنّ الأرض ذلّلت لي على امتناع جوانبها، فمشيت في مناكبها، وزويت لي الفضلاء من مشارقها ومغاربها، وكأني في تخليد آثارهم وتجديد الدارس من آثارهم، قبلّي من اللواقح السواحب، ذيولها على الأرض الخاشعة إحياء لمواتها أو ربعي من السوافح النوافخ في صور رعدها على الرّوضة الهائجة إنشارا لنباتها. فلله سلّم فيه ارتقيت وأعيان بهم التقيت، ونجوم بأيّهم اقتديت اهتديت، وإن لم يتيسّر الوصول إليها والفراغ/ منها، إلاّ وقد وخط القتير، وطلع النذير، وانضمّ الخيط الأبيض من الفجر إلى الخيط الأسود من الشّعر، فخلّى الفود مشتعلا والفؤاد مشتغلا، وأضاف الذّود إلى الذود فصارت إبلا.
ومنه في تقريظه لبعض من لقيه:
عهدته بها وبنانه ضرّة المزن في السخاء، ولسانه خليفة السيف في المضاء.
فهؤلاء سادات من عظام الصّدور وصارت صدورهم عظاما، وكبار من هامات الرءوس أطارت رؤوسهم هاما:
ربا حولها أمثالها إن أتيتهاقرينك أشجانا وهنّ سكون
وقد بعثرت من دفائنهم ما تعظم أخطاره عند أولي المروءة، وملكت من خزائنهم ما إنّ مفاتيحه لتنوء بالعصبة أولي القوّة ثم نقف منهم على أطلال الماضين نترسّمها، ولا نكاد نعيّنها إلاّ أواريّ لأيا ما أبيّنها، فنباكي حمام الأيك شجوا، ونصوغ على وزان أسجاعها شدوا.
ومنه
وما أشبّه ذلك الفاضل إلاّ بخصب ورثناه في رحالنا من أمداد سيول غاضت فعشنا في معروفها بعد غيضها، أو بعنبر دسره إلى سواحل أمصارنا أمواج بحور فاضت فتلّهفنا
على فوات فيضها، فأصبح كلّ منهم ممتلئ الصّرة على فراغ الجنان مثنيّ الحقيبة على سكوت اللسان، فهي الرتبة العالية قرّبت درجاتها للمرتقين، والجنة العاجلة أزلفت طيّباتها للمتقين.
ومنه:
وهذا حين أسوق صدر الكتاب إلى العجز، كما يساق الماء إلى الأرض الجرز. وكنت على ألاّ أوارد الثّعالبيّ في يتيمته، ولا أزاحمه في كريمته، إلاّ ما تجذبني شجون الأحاديث إليه، فأفرغ كلامي عليه. ممّن رأيته فكان لقاؤه لعيني كحلا، أو سمعت به فكانت أخباره/ لسمعي نحلا، ولولا تكرار الكؤوس لما استقرّت الأطراب في النفوس، ولا استقلّت صبابة الخمار عن الرءوس، والحياة على حسن مساقها وطيب مذاقها ما جاوزت النّفس إلا ودّت معاده، وحبّها لكلّ من الحيوانات عادة. حتى إنّها لا تملّ إذا كرّرت عليها، ولا تكره إذا ردّت إليها، فإنّ في الزّوايا منهم بقايا، قد أرخي لهم إلى عصرنا هذا طول البقاء، وبقي ممّا أسأرته شفاه الفناء، صبابة في قعر الإناء، وأنا إذا على ذكر شعراء العصر جريدة فريدة، ثم انتهيت إلى مكانهم منها، فأسقطت شذورهم من النّظام، وطفرت إلى من وراءهم طفرة النظّام، لمن آمن أن يقال: هذا رجل ضيق العطن، قصير الشّطن، قليل الثّبات، نزق الوثبات، يتخطّى رقاب الأحياء إلى رفات الأموات والوجه يملكه الحياء، وما يستوي الأموات والأحياء.
ومنه:
وألاّ أستعير من تلك الحقائق حليّا، ولا أن أرعى من تلك الرّياض خليّا، وأقتصر من ذلك الأديم على مقدود من السّير، وأسلو بغثيّ عن ثمين الغير، فالضّرغام على اقتضاض مضجعه من الرّغام، لا يفترش غير إهابه عند المنام، وسينقل إليك من فرائد أشعارهم من جوّد نقلها أو لم يجوّد، ويأتيك بنوادر أخبارهم من زودته أو لم تزوّد. وما كلّ من نشر
أجنحته بلغ الإحاطة، ولا كلّ من نثر كنانته قرطس الحماطة.
وقال بعد الفراغ من الخطبة:
لمّا كان كتابي هذا بين رعايا الكتب أميرا، أمطيته من عروش الإمارة سريرا، وجعلت رأسه بسماء الفخر مظلّلا، وبتاج العزّ مكلّلا.
ثم أخذ يذكر الخليفة القائم بأمر الله، وساق شعرا له في مدحه.
منه قوله:
أليس من عجب أنّي ضحى ارتحلواأوقدت من ماء دمعي في الحشا لهبا
وأن أجفان عيني أمطرت ورقاوأنّ ساحة خدّي أنبتت ذهبا
/ أأن توقد برق من جوانبهمتوقد الشوق في جنبيّ والتهبا؟
كأنّ ما انعقّ عنه من معصفرهقميص يوسف غشّوه دما كذبا
منها:
ومهمه يتراءى آله لججايستغرق الوخد والتّقريب والخببا
تصاحب الريح فيه الغيم لم ينياأن يشركا في كلا حظّيهما عقبا
فالريح ترضع درّ الغيم إن عطشتوالغيم يركب ظهر الريح إن لغبا
أنكحته ذات خلخال مقرّطةوالرّكب كانوا شهودا والصّدى خطبا
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع