من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو عبد الله، أحمد الخياط الدمشقي
توفي سنة سبع عشرة وخمسمائة. قدّر الشعر ثمّ فصّله، وحرّز مقاديره ثمّ وصله، ومسح الألفاظ على المعاني فجاءت سواء وجادت رواء، وجالت على المعاطف تامّة حللها، ضامّة لآيات حسن يتلوها مفصّلها، قد فاقت تحصيلا، وراقت جملة وتفصيلا، ثمّ برزت تلك الخرّد العين تجلى في تلك الملابس، وتزهى على الأقمار والظباء الأوانس.
كان ولوعا بتصحيح المعنى يبيت طول ليلته يلوطه، ويفتق له ذهنه كأنّه يخيطه، من كلّ معنى لو تصوّر لما عدت نفسه سجاياها، ولا عدّت ولائد النجوم إلاّ سباياها.
قصائد تركت والحسن في قرن، وملكت الحبّ كلّه بلا ثمن، تبتسم لسقيط الدرّ ثمّ تريبها، وتخاف العين وهي تصيب بالعين وتصيبها، إذا وصفت كان واصفها وإن جهد كأنّه يعيبها، وإذا غابت وشبّهها بالبدر كان كأنّه يستغيبها. عرب كرائم ما خلطن بهجان،
أبكار لم يطمثهنّ إنس ولا جان. تخال خلال بيوتها دمى، وتظنّ خلال ريقتها سلافة راح لا لمى، وكان جزل القول كأنّه صليل سيوف، أو صرير أقلام في مخوف. فاض أيّتها على المدارج، وآض إلى/ الآكام يصعد بلا معارج، قد نوّر كلامه أضواء من المسارج، وتطوّر فكأنّه اطّرد من مأرج يانع المسارج، ضائع الأرج وهو ليس ببارج، وكان من تغلب في أسرة لا يجد لكلبها شفاء إلاّ أن يجدّ في الدماء ولوغا، ولا تعدّ لمنقلبها إذ تعد إلاّ نزوغا، ما تحلّت جيادها إلاّ بتحجيل الصباح رسوغا، ولا حلّت راية للأعداء إلاّ لتعقد عوضها لواء بالدماء مصبوغا.
منذ نظم حسدت الشّعرى شعره وودّ الغزال لو أنّ روقيه أحدهما له قلم والآخر لأبيه الخياط إبرة. ومن أبنائه أبناء سنى الدولة، وهم قضاة أخذت بأيديهم الأقلام من السهام سدادها، والسّجلات من النهار ما اتخّذت منه ومن الظلام مدادها. حكّام عرفوا الحقّ فسلكوا طرقه، وشرفوا السجل بعلائمهم بالقضاء وملكوا رقّة. وكان ابن الخياط في وقته ممّن له القدر العليّ، والصدر الرحيب لفضله الجلّي، وهو دمشقي الدار، شقي الحظ باللئام لا بغلبة الأقدار. هجي بما نبّه على جلالته، ونوّه بقدر أصالته، وشبّه على حسوده فأكدّ له المدح بما يشبه الذمّ، وأراد به النّقص في حقّه، وأراد الله خلافه فتّم، وتحيّل في إخفاء مسكه المتضوّع وريحه قد نمّ.
ومن شعره الذي هو الدرّ تتزيّن به إلاّ أنّه العنبر الذي يشمّ، قوله:
إذا عاينت من عود دخانافأوشك أن تعاين منه نارا
وما همم الفتى إلاّ غصونيكون لها مطالبه ثمارا
منها:
لقد لبست بك الدنيا جمالافلو كانت يدا كنت السوارا
يضيء جبينك الوضّاح فيهاإذا ما الركب في الظلماء حارا
/ وقوله من أخرى:
يقيني يقيني حادثات النوائبوحزمي حزمي في ظهور النجائب
سينجدني جيش من العزم طالماغلبت به الخطب الذي هو غالبي
وقوله:
وما زال شوم الجدّ من كلّ طالبكفيلا ببعد المطلب المتداني
وقد يحرم الجلد الحريص مرامهويعطى مناه العاجز المتواني
وقوله:
فلا تغر الحوادث بي فحسبيجفاؤكم من النّوب الشداد
إذا ما النار كان لها اضطرامفما الداعي إلى قدح الزناد
وقوله:
لئن عداني زمان عن لقائكملما عداني عن تذكار ما سلفا
وإن تعوضّ قوم من أحبّتهمفما تعوّضت إلاّ الوجد والأسفا
ما أحدث الدّهر عندي بعد فرقتكمإلاّ ودادا كماء المزن إن رشفا
كالورد نشرا ولكن من سجيّتهأن ليس يبرح غصنا كلّما قطفا
وقوله:
وكنت إذا ما اشتقت عوّلت في البكاعلى لجّة إنسان عيني غريقها
فلم يبق من ذي الدّمع إلاّ نشيجهومن كبد المشتاق إلاّ خفوقها
فياليتني أبقي إلى الوجد عبرةفأقضي بها حقّ النّوى وأريقها
منها:
وخرق كأنّ اليمّ موج سرابهترامت بنا أجوازه وخروقها
كأنّا على سفن من العيس فوقهمجاديفها أيدي المطيّ وسوقها
وقوله:
ألحّ دهر لجوج في معاتبتيوكلّما رضته في مطلب صعبا
/ كخائض الوحل إذا طال العناء بهفكلّما قلقلته نهضة رسبا
منها:
يا ربّ أجرد ورسيّ سرابلهتكاد تقبس منه في الدجى لهبا
إذا نضا الفجر عنه صبغ حلّتهأجرى الصباح على أعطافه ذهبا
وقوله:
صباح صبيح بأمثالهتقرّ العيون وتشفى الصدور
شربنا به العزّ صرفا فمالبنا طربا واتّقتنا الخمور
وما لذّة السكر إلاّ بحيثتغنّي المنى ويدور السرور
وقوله في تهنئة بمولود:
لم تلحظ الأبصار يوم ظهورهإلاّ كؤوسا للسرور تدار
فغدوت تشرع في حلال مسكرما كلّ ما طرد الهموم عقار
وقوله يرثي:
بكيتك للبين قبل الحماموأين من الثكل حرّ الغرام
وما كان ذاك الفراق المشتت إلاّ دخانا لهذا الضرام
فأنشد مثواك عند الهبوبوأرقب طيفك عند المنام
منها:
وبكّتك كلّ عروضيةترنّ لها كلّ ميم ولام
إذا ضنّ عنك بنور الرياضحبتك غرائب نور الكلام
وقوله:
يا نسيم الصّبا الولوع بوجديحبّذا أنت لو مررت بنجد
أجر ذكرى نعمت وأنعت غراميبالحمى ولتكن يدا لك عندي
/ ولقد رابني شذاك فباللّهـ متى عهده بأطلال هند
إنّ خير المعروف ما جاء لا سين سؤال فيه ولا واو وعد
عاقدتني به الليالي فما تخفر عهدي ولا تغيّر عقدي
وقوله:
وشعر لو يكون الشعر غيثالبات ونوؤه الشّعرى الصبور
معان تحت ألفاظ حسانكما اجتمع القلائد والنحور
وقوله:
سأبكي والقوافي مسعداتيبندب من ثنائك أو مناح
إذا ما خانني دمع بليدبكيت بأدمع الشعر الفصاح
وقوله يعاتب:
لئن كان عزّي قبلها عن مودّةصديق لقد حقّ الغداة عزائي
وفي أيّ مأمول يصحّ لآملرجاء إذا ما اعتلّ فيك رجائي
أعيذك بالنفس الكريمة أن ترىمخلاّ بغرض الجود في الكرماء
وبالخلق السّهل الذي لو سقيتهغليل الثرى لم يرض بعد بماء
وقوله:
فياليتني لم أكن قبلهاشغفت بحبّك يوما فؤادي
فإنّ القطيعة أشهى إليّإذا أنا لم أنتفع بالوداد
ولولا شماتة من لا منيعلى بث شكرك في كلّ نادي
وقولهم ودّ غير الودودفجوزي على قربه بالبعاد
لما كنت بعد نيل الصفاءلأرغب في النائل المستفاد
/ ومنه قوله:
وما هى إلاّ حرمة لو رعيتهارعيت فتى عن شكرها لا يقصّر
كريما متى عاطيته كأس عشرةتعلّمت من أخلاقه كيف يشكر
وقوله:
يا محرقا بالنار جسم محبّهنار الجوى أحرى بأن تؤذيه
ولحرّها برد على كبدي إذاأيقنت أنّ تحرّقي يرضيه
عذّب بها جسدي فداك معذّباواحذر على قلبي فإنّك فيه
وقوله:
أذلّني حبكم في الهوىفما حمتني ذلّة منكم
ومذهب ما زال مستقبحافي الحرب أن يقتل مستسلم
وقوله في مخلص مديح:
وخيل تمطّت بي وليل كأنّهترادف وفد الهمّ أو زاخر اليمّ
شققت دجاه والنجوم كأنّهاقلائد نظمي أو مساعي أبي النّجم
وقوله:
عليكم سلام لم أقل ما يريبكمولكنّه عتب تجيش به النّفس
حبست القوافي قبل إغضاب ربّهاوما للقوافي بعد إغضابها حبس
إذا العرب العرباء لم ترع ذمّةفغير ملوم بعدها الروم والفرس
وقوله:
خذا من صبا نجد أمانا لقلبهفقد كاد ريّاها يطير بلبّه
وإيّاكما ذاك النسيم فإنّهإذا هبّ كان الوجد أيسر خطبه
خليليّ لو أحببتما لعلمتمامحلّ الهوى من مغرم القلب صبّه
/ تذكّر والذكرى تشوق وذو الهوىيتوق ومن يعلق به الحبّ يصبه
غرام على يأس الهوى ورجائهوشوق على بعد المزار وقربه
وفي الركب مطويّ الضلوع على جوىمتى يدعه داعي السقام يلبّه
إذا خطرت من جانب الرّمل نفحةتضمّن فيها داءه دون صحبه
ومحتجب بين الأسنّة والظّباوفى القلب من إعراضه مثل حجبه
أغار إذا آنست في الحيّ أنّهحذارا عليه أن تكون لحبّه
ويوم الرّضا والصبّ يحمل سخطهبقلب ضعيف عن تحمّل عتبه
جلالي براّق الثنايا شتيتهاوحلاّني عن بارد الورد عذبه
فيالسقامي من هوى متجنّببكى عاذلاه رحمة لمحبّه
ومن ساعة للبين غير حميدةسمحت بطلّ الدمع فيها وسكبه
وقوله:
ويوم أخذنا به فرصةمن العيش والعيش مستفرص
ركضنا مع اللّهو فيه الصّباوأفراسه مرحا تقمص
إلى جنّة لا مدى عرضهايضيق ولا طلّها يقلص
وشرب تعاطوا كؤوس المدامفما كدّروها ولا نغصّوا
سددنا بها طرقات الهمومفعادت على عقبها تنكص
فلو همّ همّ بنا لم نجدطريقا إلينا بها يخلص
لدى بركة حرّكت راؤهافليست تقلّ ولا تنقص
تغنّى لنا طربا ماؤهاوقامت أنابيبها ترقص
/ يريك الجواهر تقبيبهاوهنّ طواف بها غوّص
ومستضحك ذهبيّ الشفاهبما جزّعوا منه أو فصّصوا
منيف يجرّ بذوب اللجينعلى ذهب سبكه المخلص
ترى الطّير والوحش من جانبيهـ يشكو البطين بها الأخمص
دوان روان فلا هذهتراع ولا هذه تقنص
وفوّارة ما يفي وصفهاجرير ولا رامه الأحوص
كأنّ لها مطلبا في السماءفهي على نيله تحرص
إذا ما وفا قدّها بالسموّأخلفها عنق يوقص
وتوجّها الشّرب نارنجةفخلت المذّبة تستخوص
مشجّرة الماء تحليّهكجّمة شمطاء لا تعقص
ودوح أغانيّ قمريّهتهزّ اللبيبو تسترقص
وروض جلا النور خشخاشهتحار له العين أو تشخص
فمن أبيض يقق لونهيروقك كافوره الأخلص
ومن أحمر شابه زرقةحكى الوجنات إذا تقرص
وقوله:
وباتت ثناياها عانيّة المراشف داريّة المنتشق
وبتّ أخالج شكّي بهأزور طرا أم خيال طرق
أفكّر في الهجر كيف انقضىوأعجب للوصل كيف اتّفق
فللحبّ ما عزّ منّي وهانوللحسن ما جلّ منه ودقّ
/ وقوله:
أغالب بالشكّ اليقين صبابةوأدفع في صدر الحقيقة بالوهم
فلّما أبى إلاّ البكاء لي الأسىبكيت فما أبقيت للرسم من رسم
وقوله:
ومن العجز أنّ شكري نسيءكلّ وقت وأنّ برّك نقد
كرم لا أبيت إلاّ ولي منهـ على ما اقترحت زاد معّدّ
وقوله:
لو كنت شاهد عبرتي يوم النّقالمنعت قلبك بعدها أن يعشقا
ولكنت أوّل نازع من خطّتييده ولو كنت المحبّ المشفقا
وعذرت في أن لا أطيق تجلّداوعجبت من أن لا أذوب تحرّقا
كلني إلى عنف الصدود فربّماكان الصّدود من النّوى بي أرفقا
قد سال حتى قد أسال سوادهطرفي فخالط دمعه المترقرقا
واستبق للأطلال فضلة أدمعأفنيتهنّ قطيعة وتغرّقا
أو فاستمح لي من خليّي سلوةإن كان ذو الإثراء يسعف مملقا
إنّ الظباء غداة رامة لم تدعإلاّ حشى قلقا وقلبا شيّقا
سنحت وما منحت وكم من عارضقد مرّ مجتازا عليك وما سقى
ولكم نهيت الليث أغلب باسلاعن أن يرود الظبي أتلع أرشقا
فإذا القضاء على المضاء مركّبوإذا الشقاء موكّل بأخي الشقا
ولقد سريت إذا السماء تخالهابردا براكدة النجوم مشبرقا
والليل مثل السّيل لولا لجةتغشى الرّبى ما عمّ فيه وأعمقا
وقوله من أخرى:
/ وما أنس لا أنسى الحمى وأهلّةتضلّ ومن حقّ الأهلّة أن تهدي
وما إن اخال الجهل فيه من النّهىوحبّ أعدّ الغيّ فيه من الرشد
غنين وما نوّلن شيئا سوى الجوىوبنّ وما زوّدن شيئا سوى الوجد
عواطف يعيى عطفها كلّ رائضضعائف يوهي ضعفها قوّة الجلد
وقوله يشبه الهلال وفوقه كوكبان:
لاح الهلال كما تعوّج مرهفاوالكوكبان فأعجبا بل أطرفا
متتابعين تتابع الكعبين فيرمح أقيم الصدر منه وثقّفا
فكأنّه وقد استقاها فوقهكفّ تخالف أكرتين تلقّفا
وقوله:
لاح الهلال فما يكاد يرىسقما كصبّ شفّه الخبل
كالفتر أم كالحجل قد فتحتمنه الكعاب لتدخل الرّجل
والزهرة الزهراء تقدمهفي الجوّ وهو وراءها يتلو
كالقوس فوّق سهمها فبدامتألّقا في رأسه النّصل
وقوله يصف النّرد:
والنّرد كالناورد في مجالهاأو كالمجوس ضمّها ما شوشها
كأنّها دساكر للشرب أوعساكر جائشة جيوشها
وللفصوص جولة وصولةتحيّر الألباب أو تطيشها
قاتلها الله فلا بنوجهايرقع لي رأسا ولا يشوشها
أرسلها بيضا إذا أرسلتهاكأنّها قد محيت نقوشها
/ كأنّ نكرا أن أبيت ليلةمقمورها غيري أو مقموشها
كأنّني أقرأ منها أسطرامن الزبور درست رقوشها
تطيع قوما عمّهم نصوحهاوخصّني من بينهم غشوشها
يجيبهم متى دعوا أخرسهاوإن يقولوا يستمع أطروشها
مذبذبين دأبهم غيظ فماتسلم منهم عيشة أعيشها
كأنّ روحي بينهم أيكيّةراحت وكفّ أجدل تنوشها
وقوله:
لم يبق عندي ما يباع بحبّةوكفاك شاهد منظري عن مخبري
إلاّ بقيّة ماء وجه صنتهاعن أن تباع وأين أين المشتري
وقوله:
مرضت فهل من شفاء يصابوهيهات والداء طرف وجيد
ويا حبّذا مرضي لو يكون ممرضي اليوم فيمن يعود
أيا غرم ما أتلفت مقلتاهوقد يحمل الثأر من لا يقيد
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع