من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو عبد الله محمد بن مبارك بن علي بن جارية القصار، البغدادي
لفظه عال، ودرّه غال. يبدو عليه ظرف أهل العراق، ووصف أهل بغداد، في كرم الأخلاق. ومن شعره الحالي الرّشفات، الحاوي لإحياء الرّفات، من النّمط العالي الصّفات، الغالي، فالذهب ما إليه التفات، قوله:
وأدهم اللّون ذي حجولقد عقدت صبحه بليله
كأنّما البرق خاف منهفجاء مستمسكا بذيله
ومنه قوله يهجو مغنيا اسمه محمود:
أنت تدري أن الشتاء على الأشجار صعب، إذا أطلّ شديد
لو أراد الإله بالأرض خصباما تغنّى من فوقها محمود
كلّما أنبتت يسيرا من العشب وغنّى، غطّى عليه الجليد
ومن قوله في ذمّ الشّيب:
ولي إلى الشّيب شوق ما ينهنههسعي للقياه من عمري على قدم
ما أرغد الدّهر عيشي في الشّباب ولاأحلى فأبكى شبابي حالة الهرم
ومنه قوله
علّ النحيلة أن تجود بنظرةولقد يجود بمائه الجلمود
إن كان موعدنا برامة غالهخلف فهذا موعد وزرود
ومنه قوله:
إذا كان حظّ الفتى صاعدافلا بأس بالأدب النّازل
أحذقا ورزقا لقد رمت مايزيد على أمل الآمل
هما خلفان، فهذا المقيم يعقب من ذلك الرّاحل
وما غاية الفضل نظم القريض ولكنّه نفثة الفاضل
واستدعاه بعض أصدقائه صبيحة ليلة، أكلت الشمس نجومها، وحدرت على صفحة السّماء غيومها، وقد أذابت كحل الليل دمعة الفجر، وتحرّك نهر النّهار، إلاّ أنّه لم يجر، ثمّ دام عنده نهاره كلّه حتّى اعتلّ اليوم، واختلّ القوم، وقبض المساء روح الشّمس وهيّأ الغرب لميّت النّهار الرّمس، وأتت الليلة المقبلة بذكيّ شعلها، وتدبّر حللها، حتى آن لسيف الدّجى أن يستلّ من شعر العذّال الأشيب، ولثعلب الفجر على ممرّ حان أوّله يتوثّب. فلمّا أتّمهما عنده يوما وليلة، جمع طوق كلّ منهما وذيله. سأله في الانصراف، فأذن له على تلوّ عليه وتروّ أن يخرج من يديه. فلما خرج كتب إليه:
أيّها الصّاحب الذي عزّ عنديإذ تحقّقت في المودة ميله
ليت شعري ما ذا استطلت من الوصل، وما كان غير يوم وليله
فكتب إليه:
أيها الصّاحب الذي زاد عتبالصديق له توهّم ميله
دمت يوما وليلة ما افترقناوهل الدّهر غير يوم وليله؟
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع