من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
خلافة الطائع لله عبد الكريم بن الفضل المطيع رابع عشري بني العباس
وفي هذه السنة، سارت القرامطة إلى ديار مصر، وجرى بينهم وبين المعز حروب [آخرها أن القرامطة] انهزمت وقتل غالبهم، وأرسل المعز في أثرهم عشرة آلاف فارس، فسارت القرامطة إلى الحسا والقطيف، ولما انهزمت القرامطة وفارقوا الشام أرسل المعز القائد ظالم بن موهوب العقيلي إلى دمشق فدخلها، ثم وقع بين أهل دمشق وبينه فتن احترقت فيها نصف دمشق ودامت الفتن بينهم إلى سنة أربع وستين وثلاث مئة.
ولمّا جرى لبختيار وسبكتكين ما ذكرنا انحدر سبكتكين بالأتراك
إلى واسط، ومعه الخليفة الطائع والمطيع فمات بدير العاقول، ومات سبكتكين أيضا فحملا إلى بغداد، وقدم الأتراك عليهم ألفتكين، وهو من أكابر قوادهم، وساروا إلى واسط وبها بختيار فنزلوا قريبا منه، ووقع القتال بينهم وبينه خمسين يوما والظفر للأتراك، ورسل بختيار وكتبه [متتابعة] إلى ابن عمه عضد الدولة بالحث والإسراع، وكتب إليه: <الطويل>
فإن كنت مأكولا فكن أنت آكليوإلا فأدركني ولما أمزّق
فسار عضد الدولة إليه، وخرجت السنة والأمر على هذا الحال.
وفي سنة أربع وستين وثلاث مئة (¬*)، سار عضد الدولة بعساكر فارس لما أتته مكاتبات بختيار، فلما قارب [واسطا] رجع ألفتكين والأتراك إلى بغداد، وسار عضد الدولة من الجانب الشرقي، وأمر بختيار أن يسير من الجانب الغربي إلى بغداد، وخرجت الأتراك وقابلوا عضد الدولة فانهزموا وقتل عامتهم، وكانت الوقعة رابع عشر جمادى الأولى، فسار عضد الدولة ودخل بغداد، وكان الأتراك قد أخذوا الخليفة معهم فرده عضد الدولة إلى بغداد فوصل في المساء ثامن رجب، ولما استقر عضد الدولة ببغداد شغبت الجند على بختيار يطلبون أرزاقهم ولم يكن مع بختيار شيء، فأشار عليه عضد الدولة أن يغلق بابه ويتبرأ من الإمرة
ليصلح الحال مع الجند ففعل بختيار ذلك، وصرف كتابه وحجابه فأشهد عليه عضد الدولة أنه عاجز عن الإمرة: ثم استدعى بختيار وإخوته إليه وقبض عليهم في سادس عشري جمادى الآخرة، واستقر عضد الدولة ببغداد، وحمل إلى الخليفة ألف ألف دينار وأمتعة كثيرة.
ولما قبض بختيار كان ولده المرزبان بالبصرة فكتب إلى عمه ركن الدولة يشكو على عضد الدولة فعظم ذلك على ركن الدولة حتى ألقى نفسه إلى الأرض وامتنع [عن] الأكل والشرب، وأنكر على ابنه أشد الإنكار، فأرسل إليه عضد الدولة يسأله أن يعوض بختيار ببعض مملكة فارس، وكان رسوله [أبو الفتح] بن العميد الوزير فأراد ركن الدولة قتله وقال: إن لم يعد بختيار إلى مملكته وإلا سرت إليه بنفسي، فلما رأى عضد الدولة غضب أبيه اضطر إلى امتثال أمره، فأخرج بختيار من محبسه وخلع عليه ورده إلى ملكه، وسار عضد الدولة إلى فارس في شوال من هذه السنة.
وكان ألفتكين من موالي معز الدولة بن بويه، وكان تركيا فلما انهزم من بختيار عند قدوم عضد الدولة سار إلى دمشق وأميرها ريّان الخادم من جهة المعز فاتفق أهل دمشق مع ألفتكين وأخرجوا [ريّان الخادم] وقطعوا خطبة المعز في شعبان، فعزم المعز على المسير من مصر لقتال ألفتكين، فاتفق موت المعز في تلك الأيام، وتولى ابنه العزيز فجهز القائد جوهر <اً> إلى الشام فوصل إلى دمشق وحصر ألفتكين، فأرسل ألفتكين إلى القرامطة فساروا إلى دمشق، فهرب جوهر إلى مصر، فسار ألفتكين والقرامطة في أثره فلحقوه في عسقلان حتى
أشرف جوهر وعسكره على الهلاك، فراسل جوهر ألفتكين، وبذل أموالا عظيمة في أن يمن [عليه] ويطلقه، فرحل عنه ألفتكين وسار جوهر إلى مصر وأعلم العزيز بصورة الحال، فخرج العزيز بنفسه وسار إلى الشام فوصل إلى الرّملة وسار إليه ألفتكين والقرامطة والتقوا فجرى بينهم حرب شديد انهزم فيه ألفتكين والقرامطة وكثر فيهم القتل والأسر، وجعل العزيز لمن يحضر أفتكين مئة ألف دينار وتم ألفتكين هاربا حتى نزل ببيت مفرج بن دغفل الطائي فأمسكه مفرج وأحضره إلى العزيز فأعطاه المال، ولما حضر ألفتكين بين يدي العزيز، أطلقه وأطلق أصحابه وحمل إليه أموالا وخلعا، وعاد العزيز إلى مصر وألفتكين معه ومات ألفتكين بمصر وهو على أسنى المراتب عند العزيز.
وفي سنة خمس وستين وثلاث مئة (¬*)، توفي المعز لدين الله أبو تميم معد بن المنصور إسماعيل بن القائم أبي القاسم محمد بن المهدي عبيد الله العلوي الحسيني بمصر سابع عشر ربيع الأول، وولد بالمهدية من أفريقية حادي عشر رمضان سنة تسع عشرة وثلاث مئة، فيكون عمره خمسا وأربعين سنة وستة أشهر، وكان مغرى بالنجوم، وكان فاضلا، ولما مات أخفى العزيز ابنه موته وأظهره في عيد النحر من هذه السنة وبايعه الناس.
وفي أواخرها، سار أبو القاسم بن الحسن [بن علي بن أبي الحسين] أمير صقلّية إلى الغزاة ففتح مدينة مسّينا وكتنه وقلعة جلوي، وبث سراياه في نواحي قلورية، وغنم وسبى وفتح البلاد.
وفيها، خطبت الخطباء للعزيز العلوي بمكة.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع