من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
سنة ست وستين وثلاث مئة إلى سنة سبعين وثلاث مئة
في المحرم سنة ست وستين وثلاث مئة (¬*)، توفي ركن الدولة الحسن بن بويه واستخلف على ممالكه ابنه عضد الدولة، و [كان] عمر ركن الدولة [قد زاد على] سبعين سنة، وكانت إمارته أربعا وأربعين سنة، وأصيب به الدين والدنيا جميعا لاستكمال [خلال] الخير فيه، وعقد لولده فخر الدولة على همذان وأعمال الجبل ولولده مؤيد الدولة على أصفهان وجعلهما تحت حكم أخيهما عضد الدولة.
وفيها، بعد وفاة ركن الدولة، سار عضد الدولة إلى العراق فخرج بختيار لقتاله فاقتتلا بالأهواز وخامر أكثر جيش بختيار عليه فانهزم بختيار إلى واسط، واستولى عضد الدولة على البصرة، ثم سار بختيار إلى بغداد، وسار عضد الدولة إلى البصرة وأعمالها فاستمر الحال على ذلك حتى خرجت السنة.
وفيها ملك سبكتكين غزنة، وكان من غلمان أبي إسحاق بن ألب تكين صاحب جيش غزنة السامانية، وكان سبكتكين مقدما عند مولاه أبي إسحاق لعقله وشجاعته، فلما مات أبو إسحاق ولم يكن له ولد، اتفق العسكر وولوا سبكتكين عليهم وحلفوا له وأطاعوه، ثم إن سبكتكين عظم شأنه وغزا بلاد الهند واستولى على بست.
وفيها، مات منصور بن سامان صاحب خراسان وما وراء النهر في منتصف شوال في بخارى، وكانت ولايته خمس عشرة سنة، وولي الأمر بعده ولده نوح وعمره ثلاث عشرة سنة.
وفيها قبض عضد الدولة على أبي الفتح بن العميد وزير أبيه وسمل عينيه وقطع أنفه، وكان أبو الفتح ليلة قبض أمسى مسرورا وأحضر ندماءه، وأظهر من الآلات الذهبية والزجاج وأنواع الطيب ما ليس لأحد مثله وشربوا وعمل شعرا وغني [له] به [وهو]: <المتقارب>
دعوت المنى ودعوت العلىفلما أجابا دعوت القدح
وقلت لأيام طيب الشبابإليّ فهذا أوان الفرح
إذا بلغ المرء آمالهفليس له بعدها مقترح
فطاب عليه، وشرب حتى سكر ونام، فقبض [عليه] في سحر تلك الليلة.
وفي هذه السنة، توفي [المستنصر] الحكم بن عبد الرحمن الناصر [بن محمد] بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك [بن مروان] الأموي صاحب الأندلس وكانت إمارته خمس عشرة سنة وخمسة أشهر وعمره ثلاثا وستين سنة وسبعة أشهر، وكان فقيها عالما بالتاريخ، وعهد إلى ابنه هشام وعمره عشر سنين ولقبه المؤيد بالله، ولما بويع المؤيد تولى حجابته وتنفيذ أمره أبو عامر محمد بن عبد الله بن أبي عامر محمد بن الوليد المعافري القحطاني، وتلقب أبو عامر المذكور بالمنصور، واستولى على الدولة، وحجب المؤيد ولم يترك أحدا يراه، وكان أصل المعافري من الجزيرة الخضراء من الأندلس من قرية من أعمالها تسمى طرش، واشتغل المنصور بالعلوم في قرطبة، وكانت له نفس شريفة فبلغ
معالي الأمور، واجتمعت عنده الفضلاء، وأكثر الغزو في الفرنج حتى بلغت عدة غزواته نيفا وخمسين غزوة، ومن عجائب الاتفاقات أن صاعد بن الحسن اللغوي أهدى إلى المنصور المذكور أيلا مربوطا في رقبته بحبل، وأحضر مع الأيل أبياتا يمدح المنصور بها، وكان المنصور أرسل جيشا لغزو الفرنج وملكهم إذ ذاك غرسيه بن سانجه، والأبيات كثيرة منها: <الكامل>
عبد نشلت بضبعه وغرستهفي نعمة أهدى إليك بأيّل
سميته غرسيّة وبعثتهفي حبله ليتاح فيه تفاؤلي
فلئن قبلت فتلك أسنى نعمةأسدى بها ذو منحة وتطول
فقضى الله في سابق علمه أن عسكره أسروا غرسيه في ذلك اليوم الذي أهدي فيه الأيل بعينه، وكانت هذه الوقعة في ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وثلاث مئة، وبقي المنصور على منزلته حتى توفي سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة على ما نذكره.
وفيها، عاد سعد الدولة أبو المعالي شريف بن سيف الدولة إلى ملك حلب، وسببه أنه لما جرى بين قرعويه وبينه ما قدمنا ذكره من استيلاء قرعويه على حلب ومقام سعد الدولة بحماة [وصل] إلى سعد الدولة وهو بحماة بارقطاش مولى أبيه من حصن برزية وخدمه وبنى له حمص بعد ما كان أخربها الروم، وكان لقرعويه مولى يقال له بكجور وقد جعله قرعويه نائبه فقوي بكجور وقبض على مولاه قرعويه وحبسه في قلعة حلب. وكاتب أهل حلب
سعد الدولة، فسار سعد الدولة إليهم وأنزل بكجور بالأمان وحلف له أنه يوليه حمص، فنزل بكجور وولاه سعد الدولة حمص، واستقر سعد الدولة بحلب.
وفيها، توفي بهستون بن وشمكير بجرجان، واستولى على طبرستان وجرجان أخوه قابوس بن وشمكير بن زيار.
وفيها، توفي يوسف بن الحسن الجنابي القرمطي صاحب هجر، ومولده سنة [ثمانين] ومئتين، وتولى أمر القرامطة بعده ستة نفر شركة وسموا السادة.
وفي سنة سبع وستين وثلاث مئة (¬*)، سار عضد الدولة إلى العراق وكتب إلى بختيار يقول له: اخرج عن هذه البلاد وأنا أعطيك أي بلاد اخترت غيرها فمال بختيار إلى ذلك وأرسل له عضد الدولة خلعة فلبسها وسار بختيار نحو الشام ودخل عضد الدولة بغداد وقتل محمد بن بقية وزير بختيار وصلبه، ورثاه أبو الحسن الأنباري بقصيدته المشهورة التي منها: <الوافر>
علوّ في الحياة وفي المماتلحقّ أنت إحدى المعجزات
كأنّ الناس حولك حين قامواوفود نداك أيام الصّلات
مددت يديك نحوهم اقتفاءكمدّهما إليهم في الهبات
ولما ضاق بطن الأرض عن أنيضمّ علاك من بعد الممات
أصاروا الجوّ قبرك واستنابواعن الأكفان ثوب السّافيات
لعظمك في النفوس تبيت ترعىبحراس وحفّاظ ثقات
وتشعل عندك النيران ليلاكذلك كنت أيام الحياة
وسار مع بختيار حمدان بن ناصر الدولة فأطمعه حمدان في ملك الموصل وحسن له ذلك وهون عليه أمر أخيه أبي تغلب، فسار بختيار إلى جهة الموصل، فأرسل أبو تغلب يقول لبختيار، إن سلمت إليّ أخي حمدان صرت إليك وقاتلت عضد الدولة وأخرجته من العراق، فقبض بختيار على حمدان وحمله إلى أخيه أبي تغلب وارتكب فيه من الغدر أمرا شنيعا فحبسه أخوه أبو تغلب، وجمع أبو تغلب العساكر واجتمع مع بختيار وقصدا عضد الدولة، فخرج عضد الدولة من بغداد نحوهما والتقوا بقصر الجص من نواحي تكريت ثامن عشر شوال هذه السنة، فهزمهما عضد الدولة وأمسك بختيار أسيرا وقتله، ثم سار عضد الدولة نحو الموصل وملكها وهرب أبو تغلب إلى ميّافارقين [فأرسل عضد الدولة جيشا في طلبه ومقدمهم أبو الوفاء، فلما وصلوا إلى ميّافارقين هرب أبو تغلب إلى بدليس، وتبعه عسكر عضد الدولة فهرب إلى نحو بلاد الروم، فلحقه العسكر وجرى بينهم قتال فانتصر أبو تغلب وهزم عسكر عضد الدولة] وسار أبو تغلب إلى حصن [زباء] ويعرف الآن بخرتبرت، ثم سار إلى آمد وأقام بها.
وفي سنة ثمان وستين وثلاث مئة (¬*) فتح أبو الوفاء مقدم جيش
عضد الدولة ميّافارقين بالأمان، فلما سمع أبو تغلب بفتحها سار عنها إلى الرحبة، ثم سار أبو الوفاء ففتح آمد واستولى عضد الدولة على جميع ديار بكر، ثم استولى على ديار مضر والرّحبة، ولما استولى عضد الدولة على بلاد أبي تغلب استخلف أبا الوفاء على الموصل وسار إلى بغداد، وسار أبو تغلب إلى دمشق وعليها قسام العزيزي من جهة العزيز صاحب مصر، فلما وصل أبو تغلب إلى دمشق قاتله قسام، فسار أبو تغلب إلى طبرية.
وفي سنة تسع وستين وثلاث مئة (¬*)، كان قد سار أبو تغلب عن دمشق إلى طبرية، ثم سار إلى الرّملة في محرم هذه السنة، وكان بتلك الجهة مفرج بن دغفل الطائي وقائد العزيز فضل ومعه عسكر العزيز، فساروا لقتال أبي تغلب وليس معه غير سبع مئة رجل من غلمانه وغلمان أبيه فولى أبو تغلب منهزما وتبعوه فأخذوه أسيرا فقتله مفرج بن دغفل وبعث برأسه إلى العزيز بمصر، وكان معه أخته جميلة بنت ناصر الدولة وزوجته بنت عمه سيف الدولة فحملهما بنو عقيل إلى حلب وفيها سعد الدولة، فترك أخته عنده وأرسل جميلة إلى بغداد فاعتقلت في دار عضد الدولة.
وكان عمران بن شاهين صاحب البطائح من أهل قرية يقال لها الحامدة فجنى جنايات وخاف من السلطان فسار إلى البطيحة وأقام بين القصب والآجام، واقتصر على ما يصيده من السمك وطيور الماء، واجتمع إليه جماعة من الصيادين واللصوص فقوي بهم، فلما اشتدت شوكته اتخذ له معاقل بالبطيحة واستولى عليها في سنة ثماني وثلاثين وثلاث مئة في أيام معز الدولة فأرسل إليه العسكر مرة بعد مرة فلم يظفر به، ومات معز الدولة وعسكره محاصر
عمران، وتولى بختيار فأمر العسكر بالعود إلى بغداد فعادوا، ثم جرى بينه وبين بختيار عدة حروب فلم يظفر منه بشيء، وطلبه الملوك والخلفاء فعجزوا عنه، ومات بمملكته هذه السنة في المحرم حتف أنفه، وكانت مدة ولايته من حين ابتداء أمره أربعين سنة، ولما مات تولى البطيحة ابنه الحسن، وأرسل إليه عضد الدولة عسكرا فاصطلحوا على مال يحمله الحسن إلى عضد الدولة كل سنة.
وفيها، سار عضد الدولة إلى أخيه فخر الدولة لوحشة جرت بينهما، فهرب فخر الدولة إلى شمس المعالي قابوس بن وشمكير، فأكرمه قابوس وملك عضد الدولة بلاد أخيه فخر الدولة علي، وهي همذان والري وما بينهما من البلاد، ثم سار عضد الدولة إلى بلاد حسنويه الكردي فاستولى عليها، ولحق عضد الدولة في هذه السفرة صرع وكتمه وصار كثير النسيان لا يذكر الأشياء إلا بعد جهد وكتم ذلك أيضا، وهذا دأب الدنيا لا تصفو لأحد.
وفيها، أرسل عضد الدولة جيشا إلى الأكراد الهكّارية ببلاد الموصل فأوقع بهم وحاصرهم فسلموا إليه قلاعهم ونزلوا مع العسكر إلى الموصل.
وفيها، تزوج الطائع ابنة عضد الدولة.
وفي سنة سبعين وثلاث مئة (¬*) ورد على عضد الدولة هدية صاحب اليمن، وفيها، قطعة عنبر [وزنها] ستة و [خمسون] رطلا بالبغدادي.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع