تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أمر ابن تومرت وعبد المؤمن

كان محمد بن عبد الله بن تومرت العلوي الحسيني من قبيلة من المصامدة من أهل جبل السوس ببلاد المغرب، فرحل ابن تومرت نحو بلاد المشرق في طلب العلم، وأتقن علم [الأصول] والعربية والفقه والحديث، واجتمع بالغزالي والكيا هراس بالعراق، واجتمع بأبي بكر الطرطوشي بالإسكندرية وقيل:

[إنه] لم يجتمع بالغزالي، ثم حج وعاد إلى المغرب وأخذ في الإنكار على الناس، وإلزامهم بإقامة الصلوات وغير ذلك من أحكام الشريعة وتغيير المنكرات، ولما وصل إلى قرية اسمها ملالة بالقرب من بجاية اتصل به عبد المؤمن بن علي الكومي، وتفرس ابن تومرت النجابة في عبد المؤمن وسار معه، وتلقب ابن تومرت بالمهدي، واستمر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووصل إلى مرّاكش وشدد في النهي عن المنكر، وكثرت أتباعه، وحسنت ظنون الناس فيه.

ولما اشتهر [أمره] استحضره أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين بحضرة الفقهاء فناظرهم وقطعهم، وأشار بعض وزراء أمير المسلمين عليه بقتل ابن تومرت وقال: والله ما غرضه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل غرضه التغلب على البلاد، فلم يقبل أمير المسلمين على ذلك، فقال الوزير، وكان اسمه مالك بن وهب من أهل قرطبة: فإذا لم تقتله فخلده في الحبس، فلم يقبل منه، وأمر بإخراج المهدي من مرّاكش، فسار إلى أغمات، واجتمع عليه الناس فعرفهم أنه هو المهدي الذي وعد به النبي ﷺ، فكثرت أتباعه، واشتدت شوكته، وقام إليه عبد المؤمن بن علي في عشرة أنفس وقالوا له:

أنت المهدي، وبايعوه على ذلك وتبعهم غيرهم، فأرسل أمير المؤمنين إليه جيشا

فهزمه المهدي، وقويت نفوس أصحابه، وأقبلت إليه القبائل يبايعونه وعظم أمره، وتوجه إلى جبل عند تينمليل واستوطنه.

ثم إن المهدي رأى من بعض جموعه قوما خافهم فقال: إن الله تعالى أعطاني نورا أعرف به أهل الجنة من أهل النار، وجمع الناس إلى رأس الجبل، وجعل يقول عن كل من يخافه: هذا من أهل النار فيلقى من رأس الشاهق فيسقط ميتا، وكل من لا يخافه يقول: هذا من أهل الجنة ويجعله عن يمينه حتى قتل خلقا كثيرا واستقام أمره، وأمن على نفسه، وعدة الذين قتلهم سبعون ألفا، وسمى أصحابه الداخلين في طاعته الموحدين.

ولم يزل أمره يعلو إلى سنة أربع وعشرين وخمس مئة، فجهز جيشا يبلغون أربعين ألفا فيهم الونشريشي وعبد المؤمن إلى مرّاكش، فحصروا أمير المسلمين بمراكش عشرين يوما، ثم سار متولي سجلماسة [بالعساكر] للكشف عن مرّاكش وطلع [أهل مرّاكش و] أمير المسلمين [واقتتلوا] فقتل الونشريشي، وبقي عبد المؤمن مقدم الجيش، واشتد بينهم القتال إلى الليل، فانهزم عبد المؤمن بالعسكر إلى الجبل، ولما بلغ المهدي هزيمة عسكره وهو مريض فاشتد مرضه وسأل عن عبد المؤمن فقيل: إنه سالم [فقال المهدي: لم يمت أحد] [وأوصى] أصحابه باتباع عبد المؤمن وعرفهم أنه هو الذي يفتح البلاد وسماه أمير المؤمنين، ثم مات المهدي في مرضه المذكور وعمره إحدى وخمسون سنة، ومدة ولايته عشر سنين، وعاد عبد المؤمن إلى تينمليل وأقام بها

يؤلف قلوب الناس إلى سنة ثمان وعشرين وخمس مئة، ثم سار عبد المؤمن واستولى على الجبال، وجعل أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين ابنه تاشفين يسير في الوطاة قبالة عبد المؤمن.

وفي سنة تسع وثلاثين، سار عسكر عبد المؤمن إلى مدينة وهران وسار تاشفين إليهم، وقرب الجمعان بعضهم من بعض، فلما كان ليلة تسع وعشرين من رمضان، وهي ليلة يعظمها المغاربة، سار تاشفين في جماعة يسيرة ليزور مكانا على البحر فيه متعبدون صالحون، وبلغ عمر بن يحيى الهنتاتي مقدم جيش عبد المؤمن فسار وأحاط بتاشفين بن علي، فركب تاشفين فرسه ليهرب فسقط من جرف عال وهلك وأخذ ميتا وجعلت جثته على خشبة، وقتل كل من كان معه وتفرق عسكر تاشفين، وسار عبد المؤمن إلى وهران وملكها بالسيف وقتل فيها ما لا يحصى، ثم سار إلى تلمسان وهي مدينتان بينهما شوط فرس إحداهما اسمها قاررت وفيها أصحاب السلطان، والأخرى أغادير، فملك عبد المؤمن قاررت أولا، وقرر أمرها وجعل على أغادير جيشا يحصرها، ثم سار عبد المؤمن إلى فاس وملكها بالأمان في آخر سنة أربعين وخمس مئة ورتب أمرها، ثم سار إلى سلا وفتحها في سنة إحدى وأربعين، وفتح عسكره أغادير بعد حصار سنة وقتلوا أهلها، ثم سار عبد المؤمن ونازل مرّاكش و [كان] قد مات صاحبها علي بن يوسف وملك بعده ابنه تاشفين بن علي، ثم ملك [بعده] أخوه إسحاق بن علي وهو صبي فحاصرها عبد المؤمن أحد عشر شهرا وفتحها بالسيف وأمسك الأمير إسحاق وجماعة من أمراء المرابطين، وجعل إسحاق يرتعد ويسأل العفو عنه ويدعو لعبد المؤمن [ويبكي] فقال [له] سير بن أحمد وهو من أكبر أمراء المرابطين وكان مكتوفا: تبكي على أبيك

وأمك، اصبر صبر الرجال وبصق في وجه إسحاق، ثم قال عن عبد المؤمن: إن هذا الرجل لا يدين الله بدين، فنهض الموحدون وقتلوا سير بالخشب، وقدّم إسحاق على صغر سنه فضربت عنقه سنة اثنتين وأربعين وخمس مئة، وهو آخر المرابطين ملوك الملثمين، وبه ختمت دولتهم وانقرضت.

وكانت مدة ملكهم [ثمانين] سنة، وولي منهم أربعة: يوسف بن تاشفين وابنه علي وتاشفين بن علي وأخوه إسحاق.

ولما فتح عبد المؤمن مرّاكش استوطنها، وبنى قصر ملوك مرّاكش جامعا، وزخرفه، وهدم الجامع الذي بناه يوسف بن تاشفين.

وفيها، أعني سنة أربع عشرة وخمس مئة، أغار جوسلين الفرنجي صاحب الرّها على جموع العرب والتركمان، وكانوا نازلين بصفين فغنم منهم أموالا و [مواشي] كثيرة، ثم عاد إلى بزاعة وخربها.

وفي سنة خمس عشرة وخمس مئة (¬*)، توفي الأمير علي بن يحيى بن تميم صاحب أفريقية في ربيع الآخر، وكانت إمارته خمس سنين وأربعة أشهر.

وولي بعده ابنه الحسن وعمره اثنتا عشرة سنة بعهد من أبيه، وقام بتدبير دولته صندل الخصي، وبقي صندل مدة ومات، فولي تدبير دولته القائد أباغر بن موفق.

وفيها، أقطع السلطان محمود الموصل وأعمالها والجزيرة وسنجار للأمير آقسنقر البرسقي.

وفيها، قتل بمصر أمير الجيوش الأفضل بن بدر الجمالي، وكان قد ركب بمصر ومعه جمع كثير فتأذى من الغبار فسار قدامهم ومعه نفران فوثب عليه ثلاثة بسوق الصياقلة وضربوه بالسكاكين، وأدركهم أصحابه فقتلوهم، وحمل الأفضل إلى داره فمات بها، وبقي الآمر بأحكام الله خليفة مصر ينقل الأموال من دار الأفضل ليلا ونهارا أربعين يوما، ووجد له من الأموال ما لا يحصى، وكان عمر الأفضل سبعا وخمسين سنة وولايته ثمانيا وعشرين سنة، وقيل: إن الخليفة الآمر هو الذي جهز عليه من قتله، ولما قتل الأفضل ولى الآمر بأحكام الله بعده أبا عبد الله البطائحي.

وفيها، عصى سليمان بن إيلغازي بن أرتق على أبيه بحلب، وكان فيمن حسن له ذلك إنسان من أهل حماة من بيت قرناص، وكان قد قدمه إيلغازي على أهل حلب فجازاه بذلك.

ولما سمع إيلغازي بذلك سار مجدا من ماردين وهجم حلب وقطع يدي ابن قرناص ورجليه وسمل عينيه [فمات] و [أ] حضر ولده سليمان وأراد قتله فأدركته رقة الوالد فلم يقتله وهرب سليمان إلى عند طغتكين بدمشق، واستناب إيلغازي بحلب سليمان بن عبد الجبار بن أرتق، وعاد إيلغازي إلى ماردين.

وفيها، أقطع السلطان محمود ميّافارقين لإيلغازي المذكور.

وفيها، كان بين بلك بن بهرام بن أرتق وبين جوسلين حرب، فانتصر بلك وقتل من الفرنج خلقا وأسر جوسلين، وأسر معه ابن خالته كليام وجماعة من فرسانه المشهورين، وبذل جوسلين في نفسه أموالا عظيمة فلم يقبلها بلك وسجنهم في قلعة خرتبرت.

وفيها، تضعضع الركن اليماني من البيت الحرام شرفه الله تعالى من زلزلة وانهدم بعضه.

وفيها، قتل مؤيد الدين الحسين بن علي بن محمد الطّغرائي المنشئ الدؤلي من ولد أبي الأسود الدؤلي من أهل أصفهان، وكان عالما فاضلا شاعرا كاتبا منشئا، خدم السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان، وكان على ديوان الطّغرى ثم علت منزلته حتى استوزره السلطان مسعود وجرى بينه وبين أخيه محمود الحرب، وانهزم السلطان مسعود فأخذ الطّغرائي أسيرا وقتل صبرا وله «لامية العجم». هكذا ذكر [هـ القاضي شهاب الدين، وأما الشيخ عز الدين علي] بن الأثير [فذكر أن قتل الطغرائي كان في سنة أربع عشرة وخمس مئة]، وقال عنه السلطان محمود: قد ثبت عندي فساد عقيدته، وأمر بقتله وقد جاوز ستين سنة، وكان يميل إلى الكيمياء.

وفي سنة ست عشرة وخمس مئة (¬*)، قتل السلطان محمود جيوش بك، وهو الذي خرج عليه مع أخيه مسعود، ولما أمّن السلطان محمود جيوش بك وأقطعه

أذربيجان سعت به الأمراء إلى محمود فقتله في رمضان على باب تبريز.

وفيها، في رمضان، توفي إيلغازي، بن أرتق بميّافارقين، وملك بعده ابنه تمرتاش قلعة ماردين، وملك ابنه سليمان ميّافارقين، وكان بحلب ابن أخيه سليمان بن عبد الجبار بن أرتق فبقي بها حاكما إلى أن أخذها منه عمه بلك بن بهرام بن أرتق.

وفيها أقطع السلطان محمود مدينة واسط لآقسنقر البرسقي زيادة على ما بيده من الموصل وأعمالها فاستعمل البرسقي على واسط عماد الدين زنكي بن آقسنقر.

وفي سنة سبع عشرة وخمس مئة (¬*)، كان الحرب بين الخليفة المسترشد وبين دبيس بن صدقة، فخرج الخليفة بنفسه، واشتد القتال بينهما، فانهزم دبيس وعسكره، وسار إلى غزيّة من العرب فلم يطيعوه، فسار إلى البصرة ونهبها، ثم سار إلى دمشق وصار مع الفرنج وأطمعهم في ملك حلب.

وفيها، سلم سليمان بن عبد الجبار حصن الأثارب إلى الفرنج ليهادنوه على حلب لعجزه عن مقاومتهم.

وفيها، سار بلك بن بهرام بن أرتق إلى حران وملكها، ثم بلغه عجز ابن عمه عن حلب فسار إلى حلب وملكها في جمادى الأولى.

وفيها، استولى الفرنج على خرتبرت، وكان بها جوسلين وغيره من الفرنج محبوسين فخلصوا، وكانت خرتبرت لبلك فسار إليها واسترجعها من الفرنج.

وفيها، توفي قاسم بن هاشم العلوي الحسيني أمير مكة شرفها الله تعالى، وولي بعده ابنه أبو فليته.

وفيها، سار طغتكين صاحب دمشق إلى حمص وهجم عليها وحصر صاحبها قيرخان بن قراجا بالقلعة، ثم رحل عنه إلى دمشق.

وفيها، سار الأمير محمود بن قراجا صاحب حماة إلى فامية وهجم ربضها فأصابه سهم من القلعة في يده فعاد إلى حماة فعمّلت عليه يده فمات واستراح أهل حماة من ظلمه، فلما سمع طغتكين الخبر أرسل إلى حماة عسكرا وملكها وصارت حماة من جملة بلاده.

وفي سنة ثماني عشرة وخمس مئة (¬*)، قتل بلك بن بهرام بن أرتق صاحب حلب، وسببه أنه قبض على الأمير حسان البعلبكي صاحب منبج، وسار إلى منبج وملكها وحصر قلعتها، فبينا هو يقاتل إذ أتاه سهم فقتله، فاضطرب عسكره، وتفرقوا، وخلص حسان صاحب منبج وعاد إلى ملكها،

وكان في جملة عسكر بلك ابن عمه تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق صاحب ماردين فحمل بلك مقتولا إلى حلب، واستقر تمرتاش في ملك حلب في عشري ربيع الأول من هذه السنة ورتب أمرها وعاد إلى ماردين.

وفيها، ملك الفرنج مدينة صور بعد حصار طويل، وكانت للخلفاء العلويين أصحاب مصر، وكان ملكها بالأمان، وخرج المسلمون منها في العشرين من جمادى الأولى بما قدروا عليه من حمل أموالهم.

وفيها، اجتمعت الفرنج وانضم إليهم دبيس بن صدقة وحاصروا حلب، وأخذوا في بناء بيوت لهم بظاهر حلب فعظم الأمر على أهلها، ولم ينجدهم صاحبها تمرتاش لإيثاره الرفاهية والدعة، فكاتب أهل حلب آقسنقر البرسقي صاحب الموصل في تسليمها إليه، فسار إليهم فلما قرب من حلب رحلت الفرنج عنها، وسلّم أهل حلب المدينة والقلعة إليه واستقرت حلب في ملكه.

وفيها، مات الحسن بن الصباح مقدم الإسماعيلية، وقد تقدم ذكره في ظهوره سنة ثلاث وثمانين وأربع مئة.

وفي سنة تسع عشرة وخمس مئة (¬*)، سار البرسقي إلى كفرطاب وأخذها من

الفرنج، ثم سار إلى عزاز وكانت لجوسلين، واجتمعت الفرنج لقتاله فانهزم البرسقي وقتل من المسلمين خلق كثير.

وفيها، مات سالم بن بدران بن المقلّد صاحب قلعة جعبر، وملكها بعده ابنه مالك.

وفي سنة عشرين وخمس مئة (¬**)، في ثامن <ذي> العقدة، قتل الباطنية قسيم الدولة آقسنقر البرسقي صاحب الموصل يوم الجمعة في الجامع وهو في الصلاة، فوثب عليه منهم بضعة عشر نفسا، وكان البرسقي مملوكا شجاعا دينا حسن السيرة، وكان ابنه عز الدين مسعود في حلب فلما بلغه قتل أبيه سار إلى الموصل واستقر في ملكها.

وفيها، قدم الفرنج وقصدوا دمشق ونزلوا في مرج الصّفّر عند قرية

شقحب، وأرسل طغتكين وجمع التراكمين وغيرهم وخرج إلى الفرنج والتقى معهم في آخر ذي الحجة، وكان مع طغتكين رجّالة كثيرة من التركمان واشتد القتال فانهزم طغتكين والخيالة من أصحابه وقصدهم الفرنج، ولم يقدر رجّالة التركمان على الهرب فقصدوا مخيم الفرنج وقتلوا كل من وجدوه ونهبوا أموال الفرنج وأثقالهم وسلموا بذلك، ولما عاد الفرنج من وراء المنهزمين وجدوا أموالهم وخيمهم قد نهبت فانهزموا أيضا.

وفيها، حصر الفرنج رفنية وملكوها.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.