تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

سنة إحدى وعشرين وخمس ومئة إلى سنة ثلاثين وخمس مئة

في سنة إحدى وعشرين وخمس مئة (¬*)، ولى السلطان محمود عماد الدين زنكي بن آقسنقر [واسطا] مضافا إلى ما كان بيده.

وفيها، سار السلطان محمود عن بغداد.

وفيها، سار [صاحب الموصل] مسعود بن آقسنقر [البرسقي] إلى الرحبة وملكها، ومرض وهو يحاصرها، ومات مسعود يوم تسليم الرحبة إليه، وقام بالأمر بعد مسعود مملوك أبيه جاولي البرسقي، وأقام أخا مسعود صغيرا في

الملك وأرسل إلى السلطان محمود يسأله في توليته فلم يجب إلى ذلك، وولّى على الموصل عماد الدين بن آقسنقر فسار من بغداد، ورتب أمور الموصل، وأقطع جاولي مملوك البرسقي الرّحبة، ثم سار عماد الدين زنكي فاستولى على نصيبين وسنجار وحران وجزيرة ابن عمر.

وفيها، ولى السلطان محمود شحنكية العراق لمجاهد الدين بهروز بعد مسير عماد الدين عنها إلى الموصل.

وفيها توفي ظهير الدين إبراهيم بن سكمان صاحب خلاط، وملك بعده أخوه أحمد فبقي عشرة أشهر وتوفي، فحكمت والدة إبراهيم وأحمد المذكورين وهي إينانج خاتون بنت أركمان، وأقامت معها في المملكة ولد ولدها سكمان ابن إبراهيم بن سكمان وعمره حينئذ ست سنين، واستبدت إينانج بالحكم.

وفي سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة (¬*)، كانت حلب للبرسقي وبها ولده مسعود، فلما قتل البرسقي وسار ولده إلى الموصل استخلف على حلب أميرا اسمه قوماز، كذا رأيته [مكتوبا] وصوابه: قيماز، ثم استخلف مسعود على حلب قتلغ بعد قيماز، فاستولى على حلب بعد موت مسعود على الرحبة كما ذكرنا، وأساء قتلغ السيرة وكان مقيما بحلب سليمان بن عبد الجبار بن أرتق الذي كان صاحبها أولا، فاجتمع أهل حلب عليه لسوء سيرة قتلغ، وملكوه حلب، فعصى قتلغ في القلعة وسمع الفرنج باختلاف أهل حلب، فسار إليهم جوسلين فصانعوه فرحل عنهم، وكان قد استقر عماد الدين زنكي في ملك الموصل، فأرسل عسكره مع قائد اسمه قراقوش إلى حلب ومعه توقيع السلطان

محمود بالشام، فأجاب أهل حلب إليه وتقدم قراقوش قائد عماد الدين إلى سليمان وقتلغ بالمسير إلى عماد الدين فسارا إليه إلى الموصل، فلما وصلا أصلح بينهما، ولم يرد واحدا منهما إلى حلب، وسار عماد الدين إلى حلب وملك في طريقه منبج وبزاعة، وطلع أهل حلب إلى خدمته واستبشروا بقدومه، فدخل عماد الدين زنكي حلب وقلعتها في محرم هذه السنة.

وفيها، سار السلطان سنجر من خراسان إلى الري ومعه دبيس بن صدقة، كان قد سار إلى سنجر واستجار به، فلما وصل سنجر إلى الري أرسل يستدعي ابن أخيه السلطان محمود <اً>، فحضر إليه بالري فأكرمه سنجر وأجلسه معه على السرير، وأمره بالإحسان إلى دبيس وإعادته إلى بلاده، فامتثل السلطان محمود ذلك وعاد سنجر إلى خراسان.

وفيها، في صفر، توفي طغتكين صاحب دمشق وهو من مماليك تتش بن ألب أرسلان، وكان طغتكين عاقلا خيرا، وكان لقبه ظهير الدين، وملك دمشق بعده تاج الدين [بوري] بعهد من والده، وكان بوري أكبر أولاده.

وفي سنة ثلاث وعشرين وخمس مئة (¬*)، عاود دبيس العصيان على الخليفة والسلطان، وترددت الرسل بينهم، فلم يحصل صلح فسار السلطان محمود من أصفهان إلى بغداد، وجهز جيشا كثيفا إلى دبيس، فهرب دبيس إلى البرية بعد أن نهب البصرة وأموال الخليفة والسلطان.

وكان قد سار رجل من الإسماعيلية اسمه بهرام بعد قتل خاله إبراهيم الإسترابادي ببغداد إلى الشام، ودخل دمشق ودعا الناس إلى مذهبه، وأعانه وزير

بوري صاحب دمشق، وهو طاهر بن سعد المزدغاني وسلم إلى بهرام قلعة بانياس، فعظم أمر بهرام بالشام، وملك عدة حصون بالجبال، وجرى بينه وبين أهالي وادي التّيم مقاتلة فقتل بهرام وقام مقامه بقلعة بانياس رجل يسمى إسماعيل، وأقام الوزير المزدغاني عوض بهرام بدمشق رجلا منهم يسمى أبا الوفاء، وعظم أمر أبي الوفاء حتى صار الحكم له بدمشق، فكاتب الفرنج على أن يسلم إليهم دمشق ويسلموا إليه عوضها مدينة صور، واتفقوا على ذلك، وأن يكون قدوم الفرنج إلى دمشق يوم الجمعة ليجعل أبو الوفاء أصحابه على أبواب جامع دمشق، وعلم تاج الملوك بوري صاحب دمشق بذلك فاستدعى وزيره المزدغاني وقتله، وأمر بقتل الإسماعيلية الذين بدمشق، فثار بهم أهل دمشق وقتلوا منهم ستة آلاف نفر، ووصل الفرنج إلى الميعاد وحصروا دمشق فلم يظفروا بشيء، وكان البرد والشتاء شديدا، فرحلوا عن دمشق شبه المنهزمين، وخرج بوري بعسكره في أثرهم فقتل منهم عدة كثيرة، وأما إسماعيل الباطني الذي بقلعة بانياس فإنه سلم قلعة بانياس إلى الفرنج وصار معهم.

وفيها ملك عماد الدين زنكي حماة، وسببه أنه كان بحماة سونج بن

بوري نائبا بها عن أبيه، وكان قد سار عماد الدين من الموصل إلى الشام وعبر الفرات، وأرسل إلى بوري يستنجده على الفرنج، فأرسل بوري ولده سونج بعسكر حماة فغدر به زنكي وقبض عليه وارتكب أمرا شنيعا من الغدر ونهب خيامه والعسكر الذين كانوا صحبته، واعتقل سونج وجماعة من مقدمي عسكره بحلب، ولما قبضه سار من وقته إلى حماة وملكها لخلوها من الجند، ثم رحل إلى حمص وحاصرها مدة، وكان قد غدر أيضا بصاحبها قيرخان بن قراجا وقبض عليه وأحضره صحبته ممسوكا إلى حمص، وأمره أن يأمر ابنه وعسكره بتسليم حمص فأمرهم قيرخان فلم يلتفتوا إليه، فلما أيس زنكي منها رحل عائدا إلى الموصل، واستصحب سونج وأمراء دمشق معه، واستمر بهم معتقلين، وكتب بوري إليه وبذل له مالا في ابنه سونج فلم يتفق حال.

وفيها، ملك الفرنج حصن القدموس.

وفي سنة أربع وعشرين وخمس مئة (¬*) جمع عماد الدين زنكي عساكره، وسار من الموصل إلى الشام وقصد حصن الأثارب لضرره الشديد على المسلمين، فإن أهله الفرنج [كانوا] يقاسمون أهل حلب على جميع أعمال حلب الغربية حتى على رحا ظاهر باب الجنان بينها وبين سور حلب عرض الطريق، وأظن أن اسمها الغربية، وكان أهل حلب معهم في ضيق شديد، فسار عماد الدين إليه ونازله وجمع الفرنج فارسهم وراجلهم وقصدوا عماد الدين، فسار عماد الدين إليهم، واقتتلوا واشتد القتال ونصر الله المسلمين، وانهزم الفرنج وأسر غالب فرسانهم، وقتل منهم خلق كثير.

ولما فرغ المسلمون من ظفرهم عاودوا الأثارب وأخذوه عنوة، وقتلوا وأسروا كل من فيه، وخرب عماد الدين في ذلك الوقت حصن الأثارب المذكور وجعله دكّا، وبقي خرابا إلى الآن.

وفيها، في ذي القعدة، قتل الآمر بأحكام الله أبو علي منصور بن المستعلي أحمد بن المستنصر معد العلوي صاحب مصر، وكان قد خرج إلى متنزه له، فلما عاد وثب عليه الباطنية وقتلوه.

ولما قتل لم يكن له ولد فولي بعده ابن عمه الحافظ عبد المجيد بن أبي القاسم ابن المستنصر، ولم يبايع أولا بالخلافة بل كان على صورة نائب لانتظار حمل إن ظهر للآمر، ولما تولى الحافظ استوزر أبا أحمد علي بن الأفضل بن بدر الجمالي، فاستبد بالأمر وتغلب على الحافظ وحجر عليه، ونقل ما كان من الأموال بقصر الخلافة إلى داره، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن قتل سنة ست وعشرين وخمس مئة على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.

وفيها، كان الرصد بالدار السلطانية شرقي بغداد، تولاه البديع الإسطرلابي ولم يتم.

وفي سنة خمس وعشرين وخمس مئة (¬*)، أسر دبيس بن صدقة، وسببه مسيره من العراق إلى صرخد لأن صاحبها كان خصيّاً، وكانت له سرية فتوفي الخصي في هذه السنة واستولت سريته على قلعة صرخد وما فيها، وعلمت أنه لا يتم لها ذلك إن لم تتصل برجل يحميها، فأرسلت إلى دبيس بن صدقة تستدعيه لتتزوج به وتسلم إليه صرخد وما فيها من مال وغيره، فسار

دبيس من العراق إليها فضلّ به الأدلاء بنواحي دمشق فنزل بناس من كلب كانوا بالغوطة فحملوه إلى تاج الملوك بوري بن طغتكين صاحب دمشق في شعبان هذه السنة، فحبسه بوري وسمع عماد الدين زنكي بأسر دبيس فأرسل إلى بوري يطلبه ويبذل له إطلاق ولده سونج ومن معه من الأمراء الذين غدر بهم زنكي وقبضهم، فأجاب بوري إلى ذلك، وأفرج [زنكي] عن المذكورين وتسلم [دبيسا] فأيقن دبيس بالهلاك لأنه كان كثير الوقيعة في عماد الدين زنكي، ففعل معه زنكي بخلاف ما ظن وأحسن إليه، وحمل إليه الأموال والسلاح والدواب وقدمه على نفسه، ولم يزل دبيس مع عماد الدين زنكي حتى انحدر معه إلى العراق على ما سنذكره، وسمع المسترشد الخليفة بأسر دبيس فأرسل يطلبه مع سديد الدولة بن الأنباري وأبي بكر بن بشر الجزري فأمسكهما زنكي وحبس ابن الأنباري وأوقع في ابن بشر [مكروها قويا] ثم شفع المسترشد في ابن الأنباري فأطلقه.

وفيها، في شوال، توفي السلطان محمود بن محمد بن ملك شاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بهمذان فأقعد وزيره أبو القاسم النسابادي ابنه داود بن محمود في السلطنة وصار أتابكه آقسنقر الأحمد يلي، وكان عمر السلطان محمود لما توفي سبعا وعشرين سنة وولايته السلطنة اثنتي عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرين يوما، وكان حليما عاقلا يسمع المكروه ولا يعاقب عليه مع قدرته.

وفيها، وثبت الباطنية بتاج الملوك بوري بن طغتكين صاحب دمشق فجرحوه جرحين برئ أحدهما وبقي الآخر [ينسر عليه] إلا أنه يركب إلى الناس ويجلس إليهم على ضعف فيه.

وفي سنة ست وعشرين وخمس مئة (¬*)، قتل أبو علي بن الأفضل بن بدر الجمالي وزير الحافظ لدين الله الفاطمي، وكان أبو علي قد حجر على الحافظ وقطع خطبته وخطب لنفسه خاصة، وقطع من الأذان «حي على خير العمل»، فنفرت منه قلوب شيعة العلويين، وثار به جماعة [من] الممالك وهو يلعب بالكرة فقتلوه ونهبت داره، وخرج الحافظ من الاعتقال، ونقل ما كان في دار أبي علي من الأموال إلى القصر، وبويع الحافظ يوم قتل أبو علي بالخلافة واستوزر أبو الفتح يانس الحافظي وبقي يانس مدة قليلة ومات، فاستوزر الحافظ ابنه الحسن بن الحافظ وخطب له بولاية العهد، ثم قتل حسن المذكور سنة تسع وعشرين على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.

وفيها، تحرك السلطان مسعود بن محمد في طلب السلطنة وأخذها من ابن أخيه داود بن محمود، وكذلك تحرك سلجوق بن محمد صاحب فارس أخو مسعود وأتابكه قراجا الساقي في طلب السلطنة، وقدم سلجوق إلى بغداد واتفق الخليفة المسترشد معه واستنجد مسعود بعماد الدين زنكي فسار إلى بغداد لقتال الخليفة وسلجوق فقاتله قراجا أتابك سلجوق فهرب زنكي إلى تكريت وعبر منها، وكان الدّزدار بها إذ ذاك نجم الدين أيوب، فأقام له المعابر فعبر عماد

الدين إلى بلاده، وكان هذا الفعل من نجم الدين أيوب سبيل الاتصال بعماد الدين زنكي حتى ملك بنو أيوب البلاد ثم اتفق الحال بين مسعود وأخيه سلجوق والخليفة على أن تكون السلطنة لمسعود ويكون سلجوق ولي عهده، وعادوا إلى بغداد ونزل مسعود بدار السلطان وسلجوق بدار الشّحنكية، وكان اجتماعهم في جمادى الأولى هذه السنة، ثم إن السلطان سنجر سار من خراسان ومعه ابن أخيه طغريل بن محمد لأخذ السلطنة من مسعود وجرى المصاف بينه وبين مسعود، فانهزم مسعود، ثم إن السلطان سنجر بذل الأمان لمسعود حتى حضر عنده، وكان قد بلغ خونج، فلما رآه سنجر أكرمه وقبله وعاتبه وأعاده إلى كنجة، وأجلس الملك طغريل في السلطنة، وخطب له في جميع البلاد، ثم عاد سنجر إلى خراسان فنزل نيسابور في رمضان هذه السنة.

وفيها، سار عماد الدين زنكي ومعه دبيس بن صدقة، وعدي الخليفة إلى الجانب الغربي ونزل العباسية ونزل عماد الدين المنارية من دجيل فالتقيا بحصن البرامكة في سابع عشري رجب، فحمل عماد الدين على ميمنة الخليفة وهزمها، وحمل الخليفة بنفسه [وبقية العسكر] فهزم دبيس ثم هزم عماد الدين وقتل من أصحابه خلق كثير.

وفيها، توفي تاج الملوك بوري بن طغتكين صاحب دمشق بسبب الجراح التي كانت به من الباطنية على ما تقدم ذكره، فتوفي حادي عشري رجب، وإمارته أربع سنين وخمسة أشهر، وأوصى بالملك بعده لولده شمس الملوك إسماعيل، وأوصى ببعلبك وأعمالها لولده شمس الدولة محمد، وكان بوري شجاعا سد

مسدّ أبيه، ولما استقر ابنه إسماعيل في ملك دمشق وأعمالها، واستقر أخوه محمد في بعلبك استولى محمد على حصن الرأس وحصن اللبؤة، وكاتب شمس الملوك أخاه شمس الدولة في إعادتهما فلم يقبل محمد ذلك، فسار إسماعيل وفتح حصن اللبؤة وحصن الرأس وقرر أمرهما، وسار إلى أخيه شمس الدولة محمد وحصره ببعلبك وملك المدينة وحصر القلعة، فسأله محمد في الصلح فأجابه وأعاد عليه بعلبك وأعمالها، واستقرت أمورهما، وعاد شمس الملوك إلى دمشق مؤيدا.

وفي سنة سبع وعشرين وخمس مئة (¬*)، سار شمس الملوك بن بوري إلى الفرنج وملك حصن بانياس بالأمان، وأخذ المدينة بالسيف وقتل كل من وجد فيها من الفرنج وأسره.

وفيها، جمع السلطان مسعود العساكر وانضم إليه ابن أخيه داود بن محمود وسار إلى أخيه السلطان طغريل، وجرى بينهما قتال شديد انهزم فيه طغريل واستولى مسعود على السلطنة وتبع أخاه طغريل يطرده من موضع إلى موضع حتى وصل إلى الري واقتتلا ثانيا فانهزم طغريل أيضا وقتل جماعة من أمرائه.

وفيها، سار الخليفة المسترشد وحصر الموصل ثلاثة أشهر، وكان عماد الدين زنكي قد خرج من الموصل إلى سنجار وحصّن الموصل بالرجال والذخائر، ثم رحل الخليفة عن الموصل إلى بغداد، ووصل يوم عرفة، ولم يظفر من الموصل بطائل.

وفيها، سار شمس الملوك إسماعيل من دمشق في العشر الأخير من رمضان إلى حماة وهي لعماد الدين زنكي من حين غدر بسونج بن بوري وأخذها منه حسبما تقدم ذكره سنة ثلاث وعشرين وخمس مئة، فحصرها شمس الملوك وقاتل من بها يوم عيد الفطر وعاد ولم يملكها، فلما كان الغد بكّر إليهم وزحف من جميع جوانب البلد فملكه عنوة وطلب من به الأمان فأمنهم، وحصر القلعة ولم تكن إذ ذاك حصينة لأنها حصّنت فيما بعد، لأن تقي الدين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين قطع جبلها وعملها على ما هي عليه الآن في سنين كثيرة، فلما حصرها شمس الملوك عجز نائبها عن حفظها فاستولى شمس الملوك عليها وعلى ما بها من مال وذخائر وسلاح وذلك في شوال.

ولما فرع شمس الملوك من حماة سار إلى شيزر وبها صاحبها المنقذي فنهب البلد، وحصر القلعة فصانعه صاحبها بمال فعاد عنها وسار إلى دمشق، ووصل إليها في ذي القعدة من هذه السنة.

وفيها، اجتمعت التراكمين وحصروا طرابلس، فخرج من بها من الفرنج واقتتلوا فانهزم الفرنج، وسار القومص صاحب طرابلس ومن صحبه فانحصروا

في حصن بعرين وحصرهم التركمان بها، ثم هرب القومص من الحصن في عشرين فارسا، وخلى بحصن بعرين من يحفظه، ثم جمع الفرنج ليقاتلوا التراكمين، فقصدوهم التراكمين فانحاز الفرنج إلى رفنية، وعاد التركمان عنهم.

وفيها، اشترى الإسماعيلية حصن القدموس من صاحبه ابن عمرون.

وفيها، في ربيع الآخر، وثب على شمس الملوك إسماعيل بن بوري بعض مماليك جده طغتكين وضربه بسيف فلم يفعل فيه، وتكاثر عليه مماليك [شمس الملوك] وقبضوه وقرروه فقال: ما أردت إلا إزاحة المسلمين من شر شمس الملوك وظلمه، وأقر على جماعة شاركوه في ذلك من شدة الضرب، فقتلهم شمس الملوك من غير تحقيق، وقتل أيضا مع ذلك الشخص أخاه سونج الذي أسره عماد الدين زنكي من حماة، فعظم ذلك على الناس، ونفروا من شمس الملوك إسماعيل المذكور.

وفيها، توفي أبو فليتة أمير مكة، وولي إمارة مكة بعده ابنه القاسم.

وفي سنة ثمان وعشرين وخمس مئة (¬*)، في المحرم، سار شمس الملوك صاحب دمشق إلى حصن الشقيف، وكان بيد الضحاك بن جندل رئيس وادي التّيم قد تغلب عليه وامتنع به، فأخذه شمس الملوك منه، وعظم ذلك على الفرنج وقصدوا بلد حوران، وسار إليهم شمس الملوك وناوشهم على حوران، ثم أغار على بلادهم بجهة طبرية ففتّ ذلك في أعضاد الفرنج ورحلوا عائدين إلى بلادهم، ووقعت بينهم وبين شمس الملوك الهدنة.

وفيها، استولى عماد الدين زنكي على جميع قلاع الأكراد الحميدية، منها:

قلعة العقر وقلعة شوش وغيرهما، ثم استولى على قلاع الهكّارية وكواشي.

وفيها، أوقع ابن الدانشمند صاحب ملطية بفرنج الشام فقتل كثيرا منهم.

وفيها اصطلح الخليفة المسترشد وعماد الدين زنكي.

وفي سنة تسع وعشرين وخمس مئة (¬*)، مات السلطان طغريل بن السلطان محمد، وكان بعد هزيمته من أخيه مسعود قد استولى على بلاد الجبل، فمات في محرم هذه السنة. وكان مولده سنة ثلاث وخمس مئة في المحرم أيضا، وكان خيرا عاقلا، ولما بلغ السلطان مسعود <اً> وفاته سار إلى همذان، وأقبلت العساكر جميعا إليه، واستولى على همذان وأطاعته البلاد جميعها.

وفيها قتل شمس الملوك إسماعيل صاحب دمشق، وكان مولده [في سابع جمادى الآخرة] سنة ست وخمس مئة وكان قتله على يد جماعة على غفلة باتفاق من والدته، وقد اختلف في سببه فقيل: إن الناس لفرط ظلم إسماعيل وجوره ومصادرته كرهوه وشكوه لأمه فاتفقت مع من قتله.

وقيل: إن أمه اتّهمت بشخص من أصحاب بوري يقال [له] يوسف بن فيروز فأراد شمس الملوك قتلها فاتفقت هي مع من قتله، وسرّ الناس بقتله.

وملك بعده أخوه شهاب الدين محمود بن بوري، وحلف له الناس.

وفيها، بعد قتل شمس الملوك، وصل عماد الدين زنكي إلى دمشق، وحصرها وضيق عليها وقام في حفظ البلد معين الدين أنر مملوك طغتكين القيام التام الذي تقدم به واستولى على الأمر بسببه فلما لم ير زنكي في أخذ دمشق مطمعا صالح أهلها ورجع عائدا إلى بلاده.

وقد تقدم في سنة ست وعشرين أن الحافظ العلوي صاحب مصر استوزر ابنه [حسنا] وخطب له بولاية العهد، فتغلب حسن على الأمر وأساء السيرة، وأكثر من قتل الأمراء وغيرهم ظلما وعدوانا، وأكثر [من] مصادرات الناس، فأراد العسكر الإيقاع به وبأبيه، فعلم أبوه الحافظ بذلك فسقاه سما فمات، ولما مات حسن استوزر الحافظ تاج الدولة بهرام النصراني فاستعمل الأرمن على الناس فكان ما سنذكره.

وفيها، كانت الحرب بين الخليفة المسترشد وبين السلطان مسعود، وسببه أن جماعة من عسكر مسعود فارقوه مغاضبين واتصلوا بالخليفة، وهونوا عليه قتال السلطان مسعود فاغتر بهم وسار من بغداد إلى قتال مسعود، وسار مسعود إليه

واتّقعوا عاشر رمضان هذه السنة، فصار غالب عسكر الخليفة مع مسعود وانهزم الباقون، وأخذ الخليفة المسترشد أسيرا، ونهب عسكره، وبقي المسترشد مع مسعود أسيرا، ثم سار به مسعود من همذان إلى مراغة لقتال ابن أخيه داود ابن محمود فأقام على فرسخين من مراغة والخليفة معه في خيمة منفردة، وكان قد اتفق مسعود والخليفة على مال يحمله الخليفة إليه، واتفق معه أن لا يعود يخرج من بغداد، واتفق وصول رسول السلطان سنجر إلى مسعود، فركب مسعود والعساكر لملتقاه فوثبت الباطنية على الخليفة وهو في تلك الخيمة فقتلوه ومثّلوا به فجدعوا أنفه وأذنيه وقتلوا جماعة من أصحابه، وكان قتل المسترشد يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة بظاهر مراغة، وكان عمره لما قتل ثلاثا وأربعين سنة وثلاثة أشهر، وخلافته سبع عشرة سنة وسبعة أشهر وعشرين يوما، وأمه أم ولد، وكان فصيحا حسن الخط شجاعا.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.