تجاوز إلى المحتوى

من «جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس» لأبي عبد الله الحميدي (ت ٤٨٨هـ)

باب الألف من اسمه أحمد (٢)

أحمد بن عبد الله، بن علي، أبو عمر الفقيه، يعرف بابن الباجي، سمع أباه وجماعة، وسكن هو وأبوه إشبيلية؛ روى عنه جماعة أكابر، أدركنا منهم الفقيه أبا عمر يوسف بن عبد الله، بن محمد، بن عبد البر الحافظ؛ فأخبرنا أبو عمر بن عبد البر، قال: كان أبو عمر الباجي إمام عصره، وفقيه زمانه، جمع الحديث والرأى، والبيت الحسن، والهدى والفضل، ولم أر بقرطبة ولا بغيرها من كور الأندلس رجلاً يقاس به في علمه بأصول الدين وفروعه؛ كان يذاكر بالفقه ويذاكر بالحديث والرجال، ويحفظ غريبى الحديث لأبي عبيد، وأبي محمد بن قتيبة، حفظاً حسناً، وشاوره القاضي ابن أبي الفوارس وهو ابن ثمان عشرة بإشبيلية، وهي موضع

مولده، وجمع له أبوه علوم الأرض فلم يحتج إلى أحد، إلا أنه رحل متأخراً للحج، فكتب بمصر عن أبي بكر أحمد بن محمد ابن إسماعيل المعروف بابن المهندس، وعن الميمون بن حمزة بن الحسين الحسينى، وأبي الحسن أحمد بن عبد الله بن حميد بن رزيق الحريثي البغداذي، من ولد عمر ابن حريث، وأبي محمد الحسن بن إسماعيل بن الضراب، وأبي العلاء عبد الوهاب بن عيسى ابن ماهان، وغيرهم؛ وكتب عنه. وكان من أضبط الناس لكتبه، وأعلمهم بما فيها من روايته. هذا آخر كلام ابن عبد البر فيه.

وقال أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ في المؤتلف: أبو عمر أحمد بن عبد الله الباجي الأندلسي، من أهل العلم، كتبت عنه، وكتب عني؛ ووالد أبي عمر هذا من جلة المحدثين، وكان يسكن إشبيلية. هكذا قال عبد الغني: أخبرنا أبو عمر بن عبد البر، قال: قرأت على أبي عمر أحمد بن عبد الله الباجي كتاب المنتقى لأبي محمد بن الجارود، أخبرني به عن أبيه، عن الحسن بن عبد الله الزبيدي، عن ابن الجارود، وكتاب الضعفاء والمتروكين لابن الجارود، وكتاب أبي حنيفة لابن الجارود، وكتاب الآحاد لابن الجارود، وكلها بهذا الإسناد.

مات أبو عمر الباجي قريباً من الأربع مائة.

أحمد بن عبد الله بن ذكوان، أبو العباس قاضي الجماعة بالأندلس، من شيوخ أهل العلم، مذكور بالفضل ومن أهل بيت فيهم علم ورياسة، والقضاء يتردد فيهم.

أخبرني أبو محمد علي بن محمد، قال: حدثني الوزير أبو عبدة حسان بن مالك، ابن أبي عبدة اللغوي، قال: حدثني القاضي

أبو العباس أحمد بن عبد الله بن ذكوان، قال: حدثني أبي عن بعض إخوانه، أو عن نفسه: أنه حج فنزل بمصر في حجرة اكتراها، قال: فإبى قاعد يوماً إذ نظرت إلى كتابة على الحائط، فتأملت ذلك فإذا هو:

قم حي بالراح قوماًماتوا صلاة وصوماً
لم يطعموا لذة العيش مذ ثلاثون يوماً

فذكرت ذلك لبعض من كنت أجالسه بمصر، فقال: ذلك خط الحسن بن هانىء وهي من قوله، وفي تلك الحجرة كان نازلا أيام كونه بمصر.

؟ أحمد بن عبد الله بن زيدون أبو الوليد من أهل قرطبة، شاعر مقدم، وبليغ مجود، كثير الشعر، قبيح الهجاء؛ أدركنا زمانه وأنشدنا له غير واحد من أهل المغرب أبياته السائرة:

بيني وبينك ما لو شئت لم يضعسر إذا ذاعت الأسرار لم يذع
للشاعر ابن زيدون، من قصيدة «بيني وبينك ما لو شئت لم يضع»
يا بائعاً حظه مني ولو بذلتلي الحياة بحظي منه لم أبع
للشاعر ابن زيدون، من قصيدة «بيني وبينك ما لو شئت لم يضع»
حسبي بأنك إن حملت قلبي مالا تستطيع قلوب الناس يستطع
ته أحتمل، واستطل أصبر، وعزأهنوول أقبل، وقل أسمع، ومر أطع

وله من قصيدة طويلة:

بنتم وبنا فما ابتلت جوانحناشوقاً إليكم ولا جفت مآقينا
للشاعر ابن زيدون، من قصيدة «أضحى التنائي بديلا من تدانينا»
كنا نرى اليأس تسلينا عوارضهوقد يئسنا فما لليأس يغرينا
للشاعر ابن زيدون، من قصيدة «أضحى التنائي بديلا من تدانينا»
نكاد حين تناجينا ضمائرنايقضى علينا الأسى لولا تأسينا
حارت لفقدكم أيامنا فغدتسوداً وكانت بكم بيضا ليالينا
إذ جانب العيش طلق من تألفناومورد اللهو صاف من تصافينا
للشاعر ابن زيدون، من قصيدة «أضحى التنائي بديلا من تدانينا»
وإذ هصرنا فنون اللهو دانيةقطوفه فجنينا منه ماشينا
ليسق عهدكم عهد السرور فماكنتم لأرواحنا إلا رياحينا
للشاعر ابن زيدون، من قصيدة «أضحى التنائي بديلا من تدانينا»

؟ أحمد بن عبيد الله بن إسماعيل بن بدر أبو مروان، من شيوخ الأدب المشهورين، عاش إلى أيام الفتنة بعد الأربع مائة، وكان حياً في سنة ست بعدها. ذكره أبو محمد علي بن أحمد.

؟ أحمد بن عبد الرحمن قرطبي سمع من ابن وضاح، وسمع منه. مات بالأندلس. قاله أبو سعيد بن يونس.

؟ أحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن حزم، كان من أهل الفضل والعلم، تولى الحكم بالجانب الغربي من قرطبة، للمهدي محمد بن هشام، بن الجبار، ابن الناصر ذكره أبو محمد علي بن أحمد، وهو من بني عمه.

؟ أحمد بن عبد البصير روى عن قاسم بن أصبغ، روى عنه أبو عبد الله محمد بن سعيد بن نبات.

؟ أحمد بن عبد الملك، بن عمر بن محمد بن عيسى بن شهيد ذو الوزارتين، من أهل الأدب البارع، له قوة في البديهة، كان في أيام عبد الرحمن الناصر.

أخبرني أبو محمد علي بن أحمد، قال: أخبرني أبو محمد عبد الله بن محمد بن جهور: أن ذا الوزارتين، أحمد بن عبد الملك بن عمر بن شهيد زار جده عبد الملك بن جهور، فوافقه محجوباً، فلم يصل إليه، فكتب إليه:

أتيناك لا عن حاجة عرضت لناإليك ولا قلب إليك مشوق
ولكننا زرنا بضعف عقولناحماراً تولى برنا بعقوق

فأجابه عبد الملك:

حجبناك لما زرتنا غير تائقبقلب عدو في ثياب صديق
وما كان بيطار الشآم لموضعيباشر فيه برنا بخليق

؟ أحمد بن عبد الملك بن مروان، أديب شاعر، ذكره أبو محمد علي ابن أحمد في المتقدمين من الشعراء، فأثنى عليه، وأورد له أحمد بن فرج الجياني في الحدائق أشعارا، ومنها:

حلفت لمن رمى فأصاب قلبيوقلبه على جمر الصدود
لقد أودى تذكره بجسمىولست أشك أن النفس تودى
تولى الصبر عني مذ تولىوعاودني من الأحزان عيدى
فقيد وهو موجود بقلبيفواعجباً لموجود فقيد

؟ أحمد بن عبد الملك بن هاشم أبو عمر المعروف بابن المكوى الإشبيلي، كان فقيهاً معظماً، ومفتياً مقدماً، على جميع من إليه الفتوى بقرطبة، وانتهت إليه الرياسة في ذلك في وقته، وقد جمع هو وأبو مروان المعيطى الفقيه كتاباً في أقاويل مالك ﵀، على نحو الكتاب الباهر الذي جمع فيه أبو بكر محمد بن أحمد بن الحداد القاضي المصري أقاويل أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، ﵁، أمرهما بالاجتماع على جمع ذلك وترتيبه، المنصور أبو عامر محمد ابن أبي عامر، وهو كان المتغلب عل الأمور بالأندلس كلها في ذلك

الوقت، وكانت له همة رفيعة في العلوم.

؟ أحمد بن عبد الملك، بن أحمد بن عبد الملك، بن عمر بن محمد بن عيسى ابن شهيد، أبو عامر أشجعي النسب، من ولد الوضاح بن رزاح الذي كان مع الضحاك يوم المرج؛ من العلماء بالأدب ومعاني الشعر وأقسام البلاغة، وله حظ من ذلك بسق فيه، ولم ير لنفسه في البلاغة أحداً يجاريه، وله كتاب حانوت عطار في نحو من ذلك، وسائر رسائله وكتبه نافعة الجد، كثيرة الهزل، وشعره كثير مشهور؛ وقد ذكره أبو محمد علي بن أحمد مفتخراً به، فقال: ولنا من البلغاء أحمد بن عبد الملك بن شهيد، وله من التصرف في وجوه البلاغة وشعابها مقدار ينطق فيه بلسان مركب من لساني عمرو، وسهل.

أخبرني أبو محمد علي بن أحمد قال: كتب إلي أبو عامر بن شهيد في علته بهذه الأبيات:

ولما رأيت العيش لوى برأسهوأيقنت أن الموت لاشك لاحقي
تمنيت أني ساكن في عباءةبأعلى مهب الريح في رأس شاهق
أرد سقيط الحب في فضل عيشتىوحيداً وأحسوا الماء بين المفالق
خليلي من ذاق المنية مرةفقد ذقتها خمسين قولة صادق
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
كأني وقد حان ارتحالي لم أفزقديماً من الدنيا بلمحة بارق
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
فمن مبلغ عني ابن حزم، وكان لييداً في ملماتى وعند مضايقى
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
عليك سلام الله إني مفارقوحسبك زاداً من حبيب مفارق
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
فلا تنس تأتينى إذا ما فقدتنىوتذكار أيامى وفضل خلائقى
وحرك له بالله من أهل فنناإذا جئتموني كل شهم غرانق
للشاعر ابن شُهَيد، من قصيدة «ولما رايت العيش ولى براسه»
عسى هامتى في القبر تسمع بعضهبترجيع سار أو بتطريب طارق
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
فلى في اد كارى بعد موتى راحةفلا تمنعونيها علالة زاهق
وإني لأرجو الله فيما تقدمتذنوبي به مما درى من حقائق
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة

فأجابه أبو محمد:

أبا عامر ناديت خلاً مصافياًيفديك من دهم الخطوب الطوارق
للشاعر ابن حزم الأندلسي، اقرأ القصيدة
وألمت قلباً مخلصاً لك ممحضابودك موصول العرى والعلائق
للشاعر ابن حزم الأندلسي، اقرأ القصيدة
شدائد يجلوها الإله بلطفهفلا تأس إن الدهر جم المضايق
للشاعر ابن حزم الأندلسي، اقرأ القصيدة
فمعقب سوء الحال حسنى وفرحةوتالى رخاء العيش " إحدى البوائق
للشاعر ابن حزم الأندلسي، اقرأ القصيدة
سفينة نوح لم تضق بحلوهاوضاق بهم رحب الملا والسمالق
ورب أسير في يد الهول مطلقومنطلق والدهر أسوق سائق
للشاعر ابن حزم الأندلسي، اقرأ القصيدة
فإن تنج قلت الحمد لله مخلصاًفمن أعظم النعمى بقاء المصادق
للشاعر ابن حزم الأندلسي، اقرأ القصيدة
وإن تكن الأخرى فأقرب بلاحقتأخر منا من تقدم سابق
للشاعر ابن حزم الأندلسي، اقرأ القصيدة
فقربك لي أنس وبعدك موحشىولقياك مسلاتي وفقدك شائقي
للشاعر ابن حزم الأندلسي، اقرأ القصيدة

ومن أبيات أبي عامر المختارة قوله:

وما ألان قناتى غمز حادثةولا استخف بحلمى قط إنسان
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
أمضى على الهول قدماً لا ينهنهنىوأنثنى لسفيهى وهو حردان
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
ولا أقارض جهالاً بجهلهموالأمر أمرى والأيام أعوان
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
أهيب بالصبر والشحناء ثائرةوأكظم الغيظ والأحقاد نيران
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة

وقوله:

إن الفتوة فاعلم حد مطلبهاعرض نقي ونطق فيه تبيان
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
بالعلم يفخر يوم الحفل حاملهوبالعفاف غداة الجمع يزدان
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
وما لساني عند القوم ذو ملقولا مقالي إذ ما قلت إدهان
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
ولا أفوه بغير الحق خوف أخيوإن تأخر عني وهو غضبان
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
ولا أميل على خلي فآكلهإذا غرثت وبعض الناس ذؤبان
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
ود الفتى منهم لو مت من يدهوأنه منك ضخم الجوف ملآن
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة

وقوله:

ألمت بالحب حتى لو دنا أجلىلما وجدت لطعم الموت من ألم
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
وذادني في كرمي عمن ولهت بهويلي من الحب أو ويلى من الكرم

وقوله:

إن الكريم إذا نالته مخمصةأبدى إلى الناس شبعاً وهو طيان
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
يحنى الضلوع على مثل اللظى حرقاوالوجه غمر بماء البشر ملآن
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة

وقوله:

كتبت لها إنني عاشقعلى مهرق الكتم بالناظر
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
فردت على جواب الهوىبأحور في مائه حائر
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
منعمة نطقت بالجفون فدلت على دقة الخاطر
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
كأن فؤادى إذا أعرضتتعلق في مخلبي طائر
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة

وقوله:

أقل كل قليل جل ذي أدببين الورى وأقل الناس إخوان
وما وجدت أخافي الدهر يذكرنيإذا سما وعلا يوماً به الشان

قال لنا أبو محمد علي بن أحمد: توفي أبو عامر بن شهيد ضحى يوم الجمعة آخر يوم من جمادى الأولى، سنة ست وعشرين وأربع مائة بقرطبة، ودفن يوم السبت ثاني يوم وفاته في مقبرة أم سلمة، وصلى عليه جهور بن محمد بن جهور أبو الحزم، وكان حين وفاته حامل لواء الشعر والبلاغة، لم يخلف لنفسه نظيراً في هذين

العلمين جملة، مولده سنة اثنتين وثمانين وثلاث مائة، ولم يعقب وانقرض عقب الوزير أبيه بموته؛ وكان جواداً لا يليق شيئا، ولا يأسى على فائت، عزيز النفس، مائلا إلى الهزل، وكان له من علم الطب نصيب وافر، وكانت علة أبي عامر ضيق النفس، والنفخ، ومات في ذهنه وهو يدعو الله ﷿، ويشهد شهادة التوحيد والإسلام، وكان أوصى أن يصلي عليه أبو عمر الحصار الرجل الصالح، فتغيب إذ دعى، وأوصى أن يسن عليه التراب دون لبن ولا خشب فأغفل ذلك.

؟ أحمد بن عيسى أندلسي محدث، روى عن يحيى بن إبراهيم بن مزين، روى عنه عيسى بن محمد الأندلسي، وذكرنا له حديثاً في اسم يحيى بن مضر.

؟ أحمد بن عمر بن أسامة محدث أندلسي مات بها سنة ثمانين ومائة.

أحمد بن عمر بن عبد الله بن عصفور، من شيوخ أبي عمر بن عبد البر، ذكره أبو عمر، وأثنى عليه وقال: كان رجلاً صالحاً فاضلاً فقيهاً أديبا، حدث عن أبي محمد عبد الله بن محمد الباجى وغيره، وكان كثير الشعر في الزهد والحكم والمواعظ.

أحمد بن عمر بن أنس العذري أبو العباس المري، من المريه؛ مدينة على ساحل من سواحل الأندلسي، ويعرف بابن الدلائى، رحل مع والده بعيد الأربع مائة إلى مكة، فسمع الكثير من شيوخها، ومن القادمين إليها؛ من أبي القاسم أحمد ابن محمد بن عثمان بن محمد بن عبد الله، بن عبد العزيز بن عبد الله بن سعيد بن المغيرة ابن عمرو بن عثمان بن عفان العثماني، ومن أبي القاسم عبد الرحمن بن الحسن، بن محمد ابن أحمد، بن إبراهيم بن العباس بن عبد الله الشافعي، ومن أبي بكر أحمد بن محمد بن أحمد البزاز المكي، ومن أبي العباس أحمد بن الحسن

بن بندار بن عبد الرحمن ابن جبريل الرازي، ومن أبي العباس أحمد بن علي بن الحسن بن إسحاق بن جعفر ابن الحسن الكسائي، كذا قال في نسبه، وعن أبي حفص عمر بن الخضر الثمانيني، وأبي بكر محمد بن علي بن محمد الغازي النيسابوري، وأبي بكر محمد بن أحمد بن نوح الأصبهاني، وعن محمد بن أبي سعيد بن سختويه الإسفراينى، وعن جماعة كثيرة من طبقتهم؛ وكتب هناك قطعة كبيرة من المصنفات، والتواريخ، وسمعنا منه بالأندلس وكان حياً بها وقت خروجي منها في سنة ثمان وأربعين وأربع مائة.

قرأت على أبي العباس أحمد بن عمر بن أنس بالأندلس، أخبركم أبو العباس أحمد ابن الحسن الرازي بمكة، قال: سمعت أبا أحمد عبد الله بن عدي يقول: سمعت عدة مشايخ يحكون: أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداذ فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث؛ فقبلوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوا إلى عشرة أنفس؛ إلى كلرجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها، ومن البغداذيين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه؛ فما زال يلقى عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، فكان العلماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: الرجل فهم، ومن كان منهم غير ذلك يقضى على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم، ثم انتدب رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه،

فلم يزل يلقى عليه واحداً بعد آخر حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم انتدب له الثالث، والرابع، إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على: لا أعرفه؛ فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث، والرابع، على الولاء حتى أتى على تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها، فأقر له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل.

وأخبرني أبو العباس العذري، قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن ابن محمد الشافعي، قال: حدثني الحسين بن عبد الرحمن، قال: أنشدني ابن عائشة:

لأشكرنك معروفاً هممت بهلأن همك بالمعروف معروف
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
ولا أذم وإن لم يمضه قدرفالشيء بالقدر المحتوم مصروف

كذا وقع؛ وأنا أظن أن في الإسناد نقصاناً.

وأخبرنا أبو العباس العذري، قال: حدثنا أبو البركات محمد بن عبد الواحد الزبيدى، قال: حدثنا أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافى، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، قال: لما وصل المأمون إلى بغداذ وقر بها، قال ليحيى ابن أكثم: وددت أنى وجدت رجلاً مثل الأصمعي ممن عرف أخبار العرب وأيامها وأشعارها، فيصحبنى كما صحب الأصمعي الرشيد؛ فقال له يحيى: ها هنا شيخ يعرف هذه الأخبار، يقال له عتاب بن ورقاء من بني شيبان، قال: فابعث لنا فيه يجئنى، فبعث فحضر فقال له يحيى: إن أمير المؤمنين يرغب في حضورك مجلسه ومحادثته، فقال: أنا شيخ كبير، ولا طاقة

لي لأنه قد ذهب مني الأطيبان، فقال له المأمون: لابد من ذلك، فقال الشيخ: فاسمع ما حضرني، فقال اقتضاباً:

أبعد ستين أصبواوالشيب للمرء حرب
شيب وسن وإثمأمر لعمرك صعب
يابن الإمام فهلاأيام عودى رطب
وإذا شفاء الغوانيمني حديث وقرب
وإذ مشيبى قليلومنهل العيش عذب
فالآن لما رأى بيعواذلي ما أحبوا
آليت أشرب راحاًما حج لله ركب

فقال المأمون: ينبغي أن تكتب بالذهب، وأمر له بجائزة وتركه.

أحمد بن عمرو بن منصور الإلبيري صاحب صلاة إلبيرة وخطيبها، فقيه، محدث، عالم، صالح يفهم الحديث، ويعرف الرجال، ويحفظ، وهو من موالى بنى أمية، وله رحلة لقى فيها محمد بن عبد الله بن سنجر الجرجاني بمصر، وروى عنه مسنده، وسمع يونس بن عبد الأعلى، وغيره. مات بالأندلس سنة اثنتى عشرة وثلاث مائة. روى عنه خالد بن سعد وغيره.

أخبرنا أبو محمد على بن أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن سلمة، قال: أخبرني أحمد بن خليل، قال: حدثنا خالد بن سعد، قال: أخبرني أحمد بن عمرو بن منصور صاحب صلاة إلبيرة، وكان من الصالحين، قال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سئل مالك عن الإمام هل يرفع يديه عند الركوع؟ فقال: نعم! قيل له: وبعد ما يرفع رأسه من الركوع؟ قال: إنه ليومر بذلك. قال خالد: وصلى بنا أحمد بن عمر وبحاضرة مدينة إلبيرة، وكان من

الخطباء، فرأيته يرفع يديه عند كل خفض ورفع؛ وأخبرني أنه رأى عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم بمصر يرفع يديه عند كل خفض ورفع؛ وكان أخوه محمد يصلي إلى جنبه فكان ربما رفع، وربما لم يرفع، فكلم في ذلك فقال: إني أنسى.

أحمد بن عبادة بن علكدة بن نوح بن اليسع الرعيني، أبو عمر، محدث أندلسي، مات بها ليلة الجمعة لست بقين من رجب سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مائة. روى عن محمد بن وضاح، ومحمد بن عبد السلام الخشني، كان صاحب الصلاة بقرطبة.

أحمد بن الفضل بن العباس الدينوري، أبو بكر المطوعى، سمع من جعفر بن محمد الفريابى، ومن أبي جعفر محمد بن جرير الطبري كتابه في التاريخ المعروف بذيل المذيل، وكتاب صريح السنة له، وفضائل الجهاد، له ورسالته إلى أهل طبرستان المعروفة بالتبصير، وسمع من أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله ابن إسماعيل البغداذي يعرف بابن أبي الثلج، كتابه في الحول، وسمع من أبي سعيد الحسن بن علي بن زكريا بن يحيى بن صالح بن عاصم بن زفر بن العلاء بن أسلم العدوي البصري أحاديثه عن خراش مولى أنس بن مالك، وهي أربعة عشر أحاديثاً، ودخل الأندلس قبل الخمسين وثلاث مائة، وحدث بهذه الكتب، ومن آخر من حدث عنه هنالك: أبو الفضل أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن التاهرتى، وأبو عمر أحمد ابن محمد بن الجسور. أخبرنا أبو عمر بن عبد البر، قال: حدثانى بأحاديث خراش، عن الدينوي، عن العدوى، عن خراش، وقد حدث عنه أبو القاسم خلف بن هانى الأندلسى، في سنة اثنين وأربع مائة، ورأيت سماعه عليه سنة ست وأربعين وثلاث مائة في جامع

قرطبة، وهو يومئذ ابن ثمان وسبعين سنة.

أحمد بن فتح بن عبد الله التاجر، رحل فسمع بمصر من حمزة بن محمد الكناني، وأبي العباس أحمد بن الحسن بن عتبة المزازي، وأبي الحسن محمد ابن عبد الله بن زكريا بن حيويه النيسابوري، وأبي العلاء عبد الوهاب بن عيسى بن ماهان، وأبي الفضل صالح بن عبد الصمد بن معروف الصواف، وأبي محمد جعفر ابن أحمد بن عبد بن سليمان البزاز، وأبي الحسن علي بن محمد بن مسرور، وأبي محمد عبد الله بن أحمد بن حامد البغداذي نزيل مصر، وإبراهيم بن علي بن غالب؛ وسمع من أبي محمد عبد الله بن أبي زيد بالقيروان، وحدث بالأندلس، فروى عنه جماعة من أهلها؛ منهم الفقيه أبو عمر بن عبد البر توفى قريباً من الأربع مائة.

أخبرنا أبو عمر بن عبد البر بكتاب الدار ومقتل عثمان لعمر بن شبة النميري في سبعة أجزاء، قال: حدثني به أحمد بن؟ فتح التاجر، عن أبي محمد عبد الله ابن أحمد بن حامد البغداذي بمصر، عن محمد بن سهل بن الفضل الكاتب، عن عمر بن شبة.

أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن التاهرتى البزاز، أبو الفضل ولد بتاهرت، وأتى مع أبيه صغيراً إلى الأندلس، وكان أبوه من جلساء أبي بكر بن حماد التاهرتى وممن أخذ عنه. قاله أبو محمد علي بن أحمد؛ وقد روى عنه أبو عمران الفاسى موسى ابن عيسى بن أبي حاج، فقيه القيروان؛ وقال أبو عمر بن عبد البر سمع أبو الفضل التاهرتى من ابن أبي دليم، وقاسم بن أصبغ، ووهب

بن مسرة، ومحمد بن معاوية القرشى، وأبي بكر الدينوري؛ وكان ثقة فاضلاً اختص بالقاضى منذر بن سعيد، وسمع منه تواليفه كلها. قال أبو عمر: وقد لقيته وسمعت كثيراً منه.

أخبرنا أبو عمر يوسف بن عبد الله النمري، قال: حدثني أحمد بن قاسم التاهرتى بكتاب صريح السنة لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، وبكتاب فضائل الجهاد له، وبرسالته إلى أهل طبرستان المعروفة بالتبصير عن أبي بكر أحمد ابن الفضل الدينوري، عن الطبري.

أحمد بن قاسم بن عيسى أبو العباس المقرى، قال لي أبو محمد على ابن أحمد: هو المعروف بأبى العباس الاقليشى، منسوب إلى أقليش بلدة من أعمال طليطلة، كان يختلف معنا إلى ابن الجسور، له رحلة دخل فيها بغداذ وغيرها؛ وهو ثقة فاضل. قال أبو عمر بن عبد البر: وقد سمع من أبي القاسم عبيد الله بن محمد ابن حبابة حديث علي بن الجعد، وسمعناه منه، وكتبت عنه منثوراً كثيراً، وكتب عنى ﵀.

أحمد بن قاسم بن محمد بن قاسم بن أصبغ البياني أبو عمرو محدث من أهل بيت حديث، يروى عن أبيه عن جده قاسم بن أصبغ، روى عنه أبو محمد علي بن أحمد.

أخبرنا أبو محمد، قال: أخبرنا أبو عمر وأحمد بن قاسم بن محمد بن قاسم بن أصبغ قال: حدثني أبي، قال: حدثني جدي قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا مضر بن محمد، قال: سألت يحيى بن معين: أي شيء يصح في إفطار الحاجم والمحجوم؟ فقال: ما يصح فيه شيء.

أنشدني أبو محمد علي بن أحمد، قال: أنشدني أبو عمرو البياني:

إذا القرشى لم يشبة قريشاًبفعلهم الذي بذ الفعالا
للشاعر ابن قنبر المازني، اقرأ القصيدة
فتيس من تيوس بني تميمبذي العبلات أحسن منه حالا

أحمد بن كليب النحوي، أديب شاعر مشهور الشعر، ولا سيما شعره في أسلم وكان قد أفرط في حبه حتى أداه ذلك إلى موته، وخبره في ذلك طريف.

حدثني أبو محمد علي بن أحمد، قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن الحسن المذحجي، قال: كنت أختلف في النحو إلى أبي عبد الله محمد بن خطاب النحوي في جماعة، وكان معنا عنده أبو الحسن أسلم بن أحمد بن سعيد بن قاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز، صاحب المزني والربيع، قال محمد بن الحسن: وكان من أجمل من رأته العيون، وكان يجىء معنا إلى محمد بن خطاب أحمد بن كليب، وكان من أهل الأدب البارع، والشعر الرائق، فاشتد كلفه بأسلم، وفارق صبره، وصرف فيه القول متستراً بذلك إلى أن فشت اشعاره فيه وجرت على الألسنة، وتنوشدت في المحافل؛ فلعهدى بعرس في بعض الشوارع بقرطبة، والنكوري الزامر قاعد في وسط الحفل، وفي رأسه قلنسوة وشى وعليه ثوب خز عبيدى، وفرسه بالحلية المحلاة يمسكه غلامه. وكان فيما مضى يزمر لعبد الرحمن الناصر، وهو يزمر في البوق بقول أحمد بن كليب في أسلم:

أسلمنى في هواهـ أسلم هذا الرشا
للشاعر أحمد بن كليب الأندلسي، اقرأ القصيدة
غزال له مقلةيصيب بها من يشا
للشاعر أحمد بن كليب الأندلسي، اقرأ القصيدة
وشى بيننا حاسدسيسأل عما وشى
للشاعر أحمد بن كليب الأندلسي، اقرأ القصيدة
ولو شاء أن يرتشىعلى الوصل روحى ارتشى
للشاعر أحمد بن كليب الأندلسي، اقرأ القصيدة

ومغن محسن يسايره فيها؛ قال: فلما بلغ هذا المبلغ انقطع أسلم عن جميع مجالس الطلب، ولزم بيته والجلوس على بابه، فكان أحمد بن كليب لا شغل له إلا المرور على باب دار أسلم سائراً، ومقبلا نهاره كله فانقطع أسلم عن الجلوس على باب داره نهاراً، فإذا صلى المغرب واختلط الظلام، خرج مستروحاً، وجلس على باب داره، فعيل صبر أحمد بن كليب، فتحيل في بعض الليالي ولبس جبة من جباب أهل البادية، واعتم بمثل عمائمهم، وأخذ بإحدى يديه دجاجاً، وبالأخرى قفصاً فيه بيض، وتحين جلوس أسلم عند اختلاط الظلام على بابه، فتقدم إليه وقبل يده، وقال يأمر مولاى بأخذ هذا، فقال له أسلم: ومن أنت؟ فقال: صاحبك في الضيعة الفلانية، وقد كان تعرف أسماء ضياعه، وأصحابه فيها، فأمر أسلم بأخذ ذلك منه، ثم جعل أسلم يسأله عن الضيعة، فلما جاوبه أنكر الكلام وتأمله فعرفه، فقال له: يا أخي! وهنا بلغت بنفسك، وإلى ها هنا تبعتنى، أما كفاك انقطاعى عن مجالس الطلب، وعن الخروج جملة، وعن القعود على بابى نهاراً؟ حتى قطعت علي جميع ما لي فيه راحة، فقد صرت من سجنك. والله لا فارقت بعد هذه الليلة قعر منزلي، ولا قعدت ليلاً ولا نهاراً على بابي؛ ثم قام، وانصرف أحمد بن كليب كئيباً حزيناً؛ قال محمد بن الحسن: واتصل ذلك بنا، فقلنا لأحمد بن كليب، وخسرت دجاجك وبيضك؟ فقال: هات كل ليلة قبلة يده وأخسر أضعاف ذلك؛ قال: فلما يئس من رؤيته ألبتة نهكته العلة، وأضجعه المرض؛ قال محمد بن الحسن: فأخبرني أبو عبد الله محمد بن خطاب شيخنا، قال: فعدته فوجدته بأسوأ حال، فقلت له: ولم لا تتداوى؟ فقال: دوائى معروف، وأما الأطباء فلا حيلة لهم في ألبتة، فقلت له: وما دواؤك؟ فقال: نظرة من أسلم، فلو سعيت في أن يزورني

لأعظم الله أجرك بذلك، وكان هو والله أيضا يؤجر، قال: فرحمته وتقطعت نفسي له، ونهضت إلى أسلم، فاستأذنت عليه، فأذن لي وتلقاني بما يجب، فقلت له: لي حاجة، قال: وما هي؟ قلت: قد علمت ما جمعك مع أحمد بن كليب من ذمام الطلب عندي، فقال: نعم، ولكن قد تعلم أنه برح بي، وشهر اسمى، وآذاني، فقلت له كل ذلك يغتفر في مثل الحال التي هو فيها، والرجل يموت، فتفضل بعيادته، فقال: والله ما أقدر على ذلك، فلا تكلفنى هذا، فقلت له: لابد، فليس عليك في ذلك شيء وإنما هي عيادة مريض، قال: ولم أزل به حتى أجاب، فقلت: فقم الآن، فقال لي: لست والله أفعل، ولكن غداً، فقلت له: ولا خلف، قال نعم: فانصرفت إلى أحمد بن كليب، وأخبرته بموعده بعد تأبيه، فسر بذلك، وارتاحت نفسه، قال: فلما كان الغد بكرت إلى أسلم وقلت له: الوعد، قال: فوجم وقال: والله لقد تحملنى على خطة صعبة علي، وما أدرى كيف أطيق ذلك؟ قال: فقلت له لابد من أن تفى بوعدك لي، قال: فأخذ رداءه ونهض معي راجلا، قال: فلما أتينا منزل أحمد بن كليب، وكان يسكن في آخر درب طويل، وتوسط الدرب، وقف واحمر وخجل، وقال لي: الساعة والله أموت، وما أستطيع أن أنقل قدمى، ولا أن أعرض هذا على نفسى، فقلت: لا تفعل، بعد أن بلغت المنزل تنصرف؟ قال: لا سبيل والله إلى ذلك ألبتة، قال: ورجع مسرعاً فاتبعته، وأخذت بردائه، فتمادى وتمزق الرداء، وبقيت قطعة منه في يدي لسرعته وإمساكى له، ومضى ولم أدركه، فرجعت ودخلت إلى أحمد بن كليب، وقد كان غلامه دخل عليه إذ رآنا من أول الدرب مبشراً، فلما رآني تغير وقال: وأين أبو الحسن؟ فأخبرته بالقصة فاستحال من وقته واختلط، وجعل يتكلم بكلام لا يعقل منه أكثر من الترجع، فاستشنعت الحال، وجعلت أترجع وقمت،

فثاب إليه ذهنه وقال لي: أبا عبد الله! قلت: نعم. قال: اسمع مني واحفظ عني، ثم أنشأ يقول:

أسلم يا راحة العليلرفقاً على الهائم النحيل
للشاعر أحمد بن كليب الأندلسي، اقرأ القصيدة
وصلك أشهى إلى فؤادىمن رحمة الخالق الجليل
للشاعر أحمد بن كليب الأندلسي، اقرأ القصيدة

قال: فقلت له: اتق الله! ما هذه العظيمة، فقال لي قد كان؛ قال: فخرجت عنه، فو الله ما توسطت الدرب حتى سمعت الصراخ عليه، وقد فارق الدنيا.

قال لنا أبو محمد علي بن أحمد: وهذه قصة مشهورة عندنا، ومحمد بن الحسن ثقة ومحمد بن خطاب ثقة.

وأسلم هذا من بيت جليل، وهو صاحب الكتاب المشهور في أغاني زرياب، وكان شاعراً أديباً؛ وقد رأيت ابنه أبا الجعد.

قال أبو محمد: لقد ذكرت هذه الحكاية لأبي عبد الله محمد بن سعيد الخولاني الكاتب، فعرفها، وقال لي: لقد أخبرني الثقة أنه رأى أسلم هذا في يوم شديد المطر، لا يكاد أحد يمشى في طريق، وهو قاعد على قبر أحمد بن كليب زائراً له، وقد تحين غفلة الناس في مثل ذلك الوقت.

وقال لنا أبو محمد: وحدثني أبو محمد قاسم بن محمد القرشي، قال: كتب ابن كليب محمد إلى ابن خطاب شعراً يتغزل فيه بأسلم فعرضه ابن خطاب على أسلم، فقال: هذا ملحون وكان ابن كليب قد أسقط التنوين في لفظة في بيت من الشعر، قال: فكتب ابن خطاب بذلك إلى ابن كليب، فكتب إليه ابن كليب مسرعاً:

ألحق لي التنوين في مطمعفإنني أنسيت إلحاقه
لا سيما إذ كان في وصل منكدر لي في الحب أخلاقه

وأنشدني أبو محمد علي بن أحمد، قال: أنشدني محمد بن عبد الرحمن بن أحمد التجيبي، لأحمد بن كليب، وقد أهدى إلى أسلم في أوائل أمره كتاب الفصيح لثعلب:

هذا كتاب الفصيحبكل لفظ مليح
للشاعر أحمد بن كليب الأندلسي، اقرأ القصيدة
وهبته لك طوعاًكما وهبتك رحى
للشاعر أحمد بن كليب الأندلسي، اقرأ القصيدة

أحمد بن مروان من أهل قرطبة يروى عن يحيى بن يحيى بن كثير، وسعيد ابن حسان، وعبد الملك بن حبيب، مات بها سنة ست وثمانين ومائتين.

أحمد بن ميسرة من أهل طرطوشه، مدينة من ثغور الأندلس على البحر رحل، وطلب، وحدث، ومات بالأندلس سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة.

أحمد بن محارب بن قطن بن عبد الواحد بن قطن الفهرى، أندلسي محدث سمع من أبي عبد الله بن وضاح، وأبي إسحاق بن القزاز ومات بالأندلس.

أحمد بن مطرف بن عبد الرحمن، محدث يعرف بابن المشاط، كان رجلاً صالحاً، فاضلاً معظماً عند ولاة الأمر بالأندلس، يشاورونه فيمن يصلح للأمور ويرجعون إليه في ذلك، وكان صاحب الصلاة. روى عن سعيد بن عثمان الأعناقي، وسعيد بن خمير، وأبي صالح أيوب بن سليمان، ومحمد بن عمر بن لبابة،

وعبيد الله بن يحيى ابن يحيى الليثي؛ روى عنه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد المعروف بابن أبي القراميد وأبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد المعروف بابن الجسور، وعبد العزيز بن عبد الرحمن ابن بخت؛ قال لي أبو محمد علي بن أحمد: مات سنة اثنتين وخمسين وثلاث مائة.

أحمد بن مسعود الأزدى الشمنتاني، أديب شاعر، ذكره أبو محمد علي بن محمد، ومن شعره على نحو طريقة أبي الفتح البستى:

يا عاذلين على الغرام متيماًألف الصبابة ما لكم ولعتبه
أنى يفيق على الهوى من نفسهرضيت بضر الحب مذ ولعت به

أحمد بن نابت التغلبي أبو عمر أندلسي، روى عن عبيد الله بن يحيى ابن يحيى الليثي الموطأ، وذكره عبد الغني بن سعيد الحافظ وغيره، بالنون.

أحمد بن نصر من العلماء بعلم العدد المشهورين، ذكره أبو محمد علي ابن أحمد، وقال: إن له كتاباً في المساحة المجهولة، لم يتقدم إلى مثله في معناه.

أحمد بن نعيم السلمى، أديب شاعر قديم، مشهور الشعر، قبيح الهجاء، أظنه كان في أيام عبد الرحمن الناصر.

أحمد بن الوليد بن عبد الخالق بن عبد الجبار بن بشر، وقيل: قيس بدل بشر، بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن قتيبة بن مسلم الباهلي، قاضي طليطلة من بلاد الأندلس، محدث سمع بالأندلس عيسى بن دينار، ويحيى بن يحيى، وله رحلة سمع فيها سحنون بن سعيد، ورجع إلى الأندلس فمات بها قديماً.

أحمد بن هشام بن عبد العزيز

بن محمد بن سعيد الخير بن الأمير الحكم أخو محمد، أديب شاعر مشهور، ذكره غير واحد، منهم: أبو الوليد بن عامر، وأورد له في الورد والنرجس من أبيات:

انظر إلى الروض في جوانبهأحمره ضاحك وأصفره
إذا هفت فوقه الرياح سرىبهفوها مسكه وعنبره
نرجسه تستجد صفوتهحتى كأن الحبيب يهجره
والورد مختال في منابتهتطويه أكمامه وتنشره

أحمد بن هشام بن أمية بن بكير، روى عن أبي بكر أحمد بن الفضل ابن العباسي الدينورى المطوعى. روى لنا عنه أبو بكر مصعب بن عبد الله بن محمد الحاكم، وقال لي: توفي أحمد بن هشام سنة ثمان وتسعين وثلاث مائة.

حدثني الحاكم أبو بكر، قال: حدثني أحمد بن هشام، قال: قال لي أبو بكر المطوعى: مات أبو جعفر محمد بن جرير الطبري سنة عشر وثلاث مائة.

أحمد بن يحيى بن يحيى الليثي محدث، مات بالأندلس سنة سبع وتسعين ومائتين، ذكره أبو سعيد بن يونس، وفي بعض النسخ بخط أبي عبد الله الصوري، الحافظ أحمد بن يحيى بن يحيى بن يحيى ثلاث مرات، وقد أصلح على الثالث ضبة علامة للشك، ولا نعلم ليحيى بن يحيى ولداً اسمه يحيى.

أحمد بن يحيى بن زكريا بن الشامة بالشين المعجمة، يروى عن أبيه. روى عنه أبو القاسم خلف بن القاسم بن سهل، وقد ذكرنا له خبراً في باب الخاء في ذكر خلف بن قاسم.

النص من طبعة الدار المصرية للتأليف والنشر بالقاهرة (١٩٦٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.