من «جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس» لأبي عبد الله الحميدي (ت ٤٨٨هـ)
من اسمه علي
علي بن محمد بن أبي الحسين أبو الحسن الكاتب، مشهور بالأدب والشعر، وله كتاب في التشبيهات من اشعار أهل الأندلس، كان في الدولة العامرية، وعاش إلى أيام الفتنة.
علي بن أحمد الفخري أبو الحسن، شاعر أديب قدم الأندلس من بغداد، ذكره لي أبو محمد علي بن أحمد، وأنشدني قال: أنشدني أبو الحسن الفخري لنفسه بدانية:
الموت أولى بذي الآداب من أدبيبغى به مكسباً من غير ذي أدب
ما قيل لي شاعر إلا امتعضت لهاحسب امتعاضي إذا نوديت باللقب
وما دها الشعر عندي سخف منزلةبل سخف دهر بأهل الدهر منقلب
صناعة هان عند الناس صاحبهاوكان في حال مرجو ومرتقب
يرجى رضاه ويخشى منه بادرةأبقى على حقب الدنيا من الحقب
إذا جهلت مكان الشعر عن شرففأي مأثرة أبقيت للعرب
علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب أبو محمد أصله من الفرس، وجده الأقصى في الإسلام اسمه يزيد مولى ليزيد بن أبي سفيان، كان حافظاً عالماً بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطاً للأحكام من الكتاب والسنة، متفنناً في علوم جمة عاملاً بعلمه، زاهداً في الدنيا بعد الرياسة التي كانت له ولأبيه من قبله من الوزارة وتدبير الممالك، متواضعاً ذا فضائل جمة، وتواليف كثيرة في كل ما تحقق به في العلوم وجمع من الكتب في علم الحديث والمصنفات والمسندات شيئاً كثيراً، وسمع سماعاً جماً، وأول سماعه من أبي عمر أحمد بن محمد بن الجسور قبل الأربع مائة، وألف في فقه الحديث كتاباً كبيراً سماه كتاب الإيصال، إلى فهم كتاب الخصال، الجامعة لجمل شرائع
الإسلام في الواجب والحلال والحرام، وسائر الأحكام، على ما أوجبه القرآن والسنة والإجماع. أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين في مسائل الفقه، والحجة لكل طائفة وعليها، والأحاديث الواردة في ذلك من الصحيح والسقيم بالأسانيد وبيان ذلك كله، وتحقيق القول فيه، وله كتاب الإحكام لأصول الأحكام في غاية النقصى وإيراد الحجاج؛ وكتاب الفصل في الملل وفي الأهواء والنحل، وكتاب في الإجماع ومسائله على أبواب الفقه، وكتاب في مراتب العلوم وكيفية طلبها وتعلق بعضها ببعض، وكتاب إظهار تبديل اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل، وبيان تناقض ما بأيديهم من ذلك مما يحتمل التأويل. وهذا مما سبق إليه، وكذلك كتاب التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية فإنه سلك في بيانه وإزالة سوء الظن عنه وتكذيب الممخرقين به طريقة لم يسلكها أحد قبله فيما علمناه، وغير ذلك. وما رأينا مثله ﵀ فيما اجتمع له مع الذكاء وسرعة الحفظ، وكرم النفس والتدين؛ مولده في ليلة الفطر سنة أربع وثمانين وثلاث مائة بقرطبة، ومات بعد الخمسين وأربع مائة، وكان له في الآداب والشعر نفس واسع، وباع طويل، وما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه، وشعره كثير، وقد جمعناه على حروف المعجم، ومنه:
هل الدهر إلا ما عرفنا وأدركنافجائعه تبقى ولذاته تفنى
إذا أمكنت مسرة ساعةتولت كمر الطرف واستخلفت حزنا
إلى تبعات في المعاد وموقفنود لديه أننا لم نكن كنا
حصلنا على هم وإثم وحسرةوفات الذي كنا نلذ به عنا
حنين لما ولى وشغل بما أتىوغم لما يرجى فعيشك لا يهنا
كان الذي كنا نسر بكونهإذا حققته النفس لفظ بلا معنى
وله من قصيدة طويلة خاطب بها قاضي الجماعة بقرطبة عبد الرحمن بن أحمد بن بشر يفخر فيها بالعلم، ويذكر أصناف ما علم، وفيها:
أنا الشمس في جو العلوم منيرةولكن عيبي أن مطلعي الغرب
ولو أنني من جانب الشرق طالعلجد على ما ضاع من ذكرى النهب
ولى نحو أكناف العراق صبابةولا غرو أن يستوحش الكلف الصب
فإن ينزل الرحمن رحلى بينهمفحينئذ يبدو التاسف والكرب
فكم قائل أغفلته وهو حاضروأطلب ما عنه تجئ به الكتب
هنالك يدري أن للبعد قصةوأنه كساد العلم آفته القرب
ومنها في الاعتذار عن المدح لنفسه:
ولكن لي في يوسف خير أسوةوليس على من بالنبي ائتسى ذنب
يقول وقال الحق الصدق إننيحفيظ عليم ما على صادق عتب
وله من أخرى:
منابي من الدنيا علوم أبثهاوأنشرها في كل باد وحاضر
دعاء إلى القرآن والسنن التيتناسى رجال ذكرها في المحاضر
وأنشدني لنفسه، وأنا سألته:
ابن وجه قول الحق في نفس سامعودعه فنور الحق يسرى ويشرق
سيؤنسه رفقاً فينسى نفارهكما نسى القيد الموثق مطلق
وأنشدني لنفسه:
لا تشمتن حاسدي إن نكبة عرضتفالدهر ليس على حال بمترك
ذو الفضل كالتبر طوراً تحت ميقعةوتارة في ذرى تاج على ملك
وأنشدني لنفسه:
لئن أصبحت مرتحلاً بشخصيفروحي عندكم أبداً مقيم
ولكن للعيان لطيف معنىله سأل المعاينة الكليم
وله في هذا المعنى:
يقول أخي شجاك رحيل جسموروحك ماله عنا رحيل
فقلت له المعاين مطمئنلذا طلب المعاينة الخليل
علي بن أحمد أبو الحسن المعروف بابن سيده إمام في اللغة وفي العربية حافظ لهما، على أنه كان ضريراً، وقد جمع في ذلك جموعاً وله مع ذلك في الشعر حظ وتصرف، كان منقطعاً إلى الأمير ابي الجيش مجاهد بن عبد الله العامري، ثم حدثت له نبوة بعد وفاته في ايام إقبال الدولة بن الموفق خافة فيها فهرب إلى بعض الأعمال المجاوزة لأعماله، وبقي بها مدة ثم استعطفه بقصيدة أولها:
ألا هل إلى تقبيل راحتك اليمنىسبيل فإن الأمن في ذاك واليمنا
وفيها:
صخيت فهل في برد ظلك نومةلذي كبد حرا وذي مقلة وسنا
ونضو هموم طلحته طياتهفلا غارباً أبقين منه ولا متنا
هجان نأى أهلوه عنه وشفهقراف فأمسى لا يدس ولا يهنا
فيا ملك الأملاك إني محومعلى الورد لا عنه أذاد ولا أدنى
تحيفني دهري وأقبلت شاكياًإليك أمأذون لعبدك أم يثنى
وفيها:
وإن نتأكد في دمى لك نيةبسفك فإني لا أحب له حقنا
دم كونته مكرماتك والذييكون لا عتب عليه إذا أفنى
إذا ما غدا من حر سيفك بارداًفقدماً غدا من برد برك لي سخنا
وهل هي إلا ساعة ثم بعدهاستقرع ما عمرت من ندم سنا
ولله دمعي ما أفل استنانهإذا في دمى أمسى سنانك مستنا
ومالي من دهري حياة ألذهافيعتدها نعمى على ويمتنا
إذا قتلة أرضتك منا فهاتهاحبيب إلينا ما رضيت به عنا
وهي طويلة حرف القول فيها، ووقع عنه الرضا بوصولها، ومات بعد خروجي من الأندلس قريباً من سنة ستين وأربع مائة.
علي بن إبراهيم بن حمويه الشيرازي أبو الحسن قدم الأندلس، وحدث بها عن أبي محمد الحسن بن رشيق المصري المعدل، روى عنه أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الحافظ.
علي بن إسماعيل القرشي يلقب بطيطن، أشبوني من أهل الأشبونة شاعر أديب ذكره لي أبو عبد الله محمد بن عمر الأشبوني، وأنشدني له يصف قملة:
وذات كشح أهيف شختكأنما بولغ في النحت
زنجية تحمل أقواتهافي مثل حدى طرف الجفت
كأنما آخرها قطرةصغيرة من قاطر الزفت
أو نقطة جامدة خلفهاقد سقطت عن قلم المفتى
تسرى اعتسافاً ولقد تهتدىفي ظلمة الليل إلى الخرت
تشتد في الأرض على أرجلكشعرة المخرج في النبت
تشهد أن الله خلاقهارزاقها في ذلك السمت
سبحان من يعلم تسبيحهاووزنها من زنة النحت
فنسبتي منها لفرط الضنانسبتها منه بلا كت
كلا ولو حاولت من رقةلجلت بين الثوب والتخت
أرق من هذا وأضنى ضناًرقة ذهني وضنا بختي
لكن نفسي واعتلا همتينجم لبيدخت كبيدخت
علي بن حمزة الصقلى أبو الحسن، دخل الأندلس قبل الأربعين وأربع مائة، وكان يتكلم في فنون، ويشارك في علوم، ويتصوف. سمعته يقول: سمعت أبا الطاهر، وهو: محمد بن علي بن محمد بن محمد بن القاسم الشافعي البغدادي الواعظ، ينشد في حلقته:
عاتبت قلبي لمارأيت جسمي نحيلا
فألزم الذنب طرفيوقال كنت الرسولا
فقال طرفي لقلبيبل أنت كنت الدليلا
فقلت كفا جميعاًتركتماني قتيلا
علي بن رجا بن مرجى أبو الحسن، فقيه شاعر أديب ومن أهل بيت جليل، وله في العلم والأدب، والسخاء والكرم وحسن الدين والتصاون حظ موفور، أنشدني كثيراً من شعره، ومنه:
قل لمن نال عرض من لم ينلهحسبنا ذو الجلال والإكرام
سوف يدري إذا الشهادة سيلتمنه يوماً مقامه ومقامي
لم يزدني بذا سوى حسناتلا ولا نفسه سوى آثام
كان ذا منعة فثقل ميزاني بهذا فصار من خدامي
وله من قصيدة:
كيف اصبو وأربعون وخمسرقمت بالمشيب مفرق راسي
كل داء له دواء وذا الشيب والموت ما له من آسي
مات أبو الحسن بن مرجى بالجزيرة من أعمال الأندلس في سنة ست أو سبع وأربعين وأربع مائة.
علي بن عبد الله بن علي من أهل الأدب والفضل، يعرف بابن الإستجى، ذكره أبو محمد علي بن أحمد.
علي بن عبد القادر بن أبي شيبة من موالي الكلاع، محدث أندلسي سمع من بقي بن مخلد، وابن القزاز، ومحمد بن وضاح وغيرهم، ومات بالأندلس سنة خمس وعشرين وثلاث مائة.
علي بن عبد الغني أبو الحسن القروي المعروف بالحصرى، شاعر أديب رخيم الشعر، حديد الهجو، دخل الأندلس، وانتجع ملوكها، وشعره كثير، وأدبه موفور، أنشدني أبو الحسن علي بن أحمد العبدي، قال أنشدني علي بن عبد الغني لنفسه إلى أبي العباس النحوي البلنسي من كلمة طويلة:
قامت لأسقامي مقام طبيبهاذكرى بلنسية وذكر أديبها
حدثتني فشفيت مني لوعةأمسيت محترق الحشا بلهيبها
ما زلت أذكره ولكن زدتنيذكراً وحسب النفس ذكر حبيبها
أهوى بلنسية وما سبب الهوىإلا أبو العباس أنس غربها
هب النسيم وما النسيم بطيبحتى يشاب بطيبه وبطيبها
أخي المعين على العدو بمسلقأزرى بوائل في ذكاء خطيبها
إذ قامت الهيجا ولولا نصرهما كان يعرف ليثها من ذيبها
غلب العواء على الزئير حميةوخبا ضياء الشمس قبل مغيبها
فأقام أحمد في مجادلة العدىبرهان تصديقي على تكذيبها
حتى تبين فاضل من ناقصوانقاد مخطئ حجة لمصيبها
وأخبرني أنه كان ضريراً، وأنه دخل الأندلس بعد الخمسين وأربع مائة.
علي بن أبي غالب أبو الحسن أديب شاعر كان بإشبيلية في أيام القاضي أبي القاسم محمد بن عباد ذكره أبو الوليد بن عامر، وأنشد عنه كثيراً من شعره، ومنه:
كأنما الخيري حب غداالنيلوفر الغض عليه رقيب
فهو إذا أطبق أجفانهبالليل لاقاك بنشر وطيب
علي بن الفهام القرشي أبو الحسن، ذكره أبو عامر بن مسلمة وأورد له أبياتاً في فصل الربيع منها:
ومعرس للهو أصبح زهرهجذل النفوس ومذهب الأحزان
حلاه نيسان به حللاً غدايزهى ببهجتها على نيسان
ضربت به أيدي المدام قبابهافمنحتها للغي طوع عناني
طلعت بأكؤسها لطرفك أنجميغربن بين فم إلى جثمان
لما انتشى شراً بها لم يسط فيما عن نشوان على نشوان
كانت لنا الآداب ثدى رعايةلأذمة سلفت كثدي لبان
علي بن فتح أبو الحسن، وزير كان بقرطبة في أيام الفتنة مشهور الأدب والشعر، ومن شعره:
بنفسي من نفس لديه رهينةومن هو سلم للوشاة ولى حرب
ومن قد ابى إلا الصدود لشقوتيرضيت بما يرضى فمسكنه القلب
ومالي ذنب عنده غير حبهفإن كان ذا ذنباً فلا غفر الذنب
علي بن وداعة بن عبد الودود السليمي أبو الحسن أمير كان قريباً من الأربع مائة، فارس من الأبطال، موصوف بالأدب البارع والشعر الرائع، أنشدني له أبو بكر محمد بن أحمد بن إسماعيل بن دليم الحاكم:
زار الحبيب فمرحباً بالزائرأهلاً ببدر فوق غصن ناضر
قبلت من فرحي تراب طريقهومسحت أسفل نعله بمحاجرى
وخشيت أن ينقد أخمص رجلهمن رقة فبسطت أسود ناظري
علي بن أبي عمر يوسف بن هارون الرمادي أديب شاعر، دهره أبو عامر ابن شهيد وأنشدني له في وصف سحابة:
كأنما الرعد فيها قارئ سوراًقرأتها بشعاع البرق مكتوب
النص من طبعة الدار المصرية للتأليف والنشر بالقاهرة (١٩٦٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع