من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
في موت ابن الحجاج وأخيه
وكان الحجاج رأى في منامه ان عينيه قلعتا، فطلّق الهندين: هنداً بنت المهلّب، وهنداً بنت أسماء بن خارجة، فلم يلبث ان جاءه نعيّ أخيه من اليمن في اليوم الذي مات فيه ابنه محمدٌ، فقال: هذا والله تأويل رؤياي، ثم قال: إنّا لله وإن إليه راجعون! محمّدٌ ومحمّدٌ في يوم واحدٍ!
حسبي بقاء الله من كلّ ميّتوحسبي رجاء الله من كلّ هالك
إذا كان ربّ العرش عنّي راضياًفإن شفاء النفس فيما هنالك
وقال: من يقول شعراً يسليني به? فقال الفرزدق:
إنّ الرّزيّة لا رزيّة مثلهمافقدان مثل محمدٍ ومحمد
ملكان قد خلت المنابر منهماأخذ الحمام عليهما بالمرصد
فقال: لو زدتني! فقال الفرزدق:
إنّي لباكٍ على ابني يوسف جزعاًومثل فقدهما للدّين يبكيني
ما سدّ حيٌّ ولا ميتٌ مسدّهماإلا الخلائف من بعد النّبيّين
فقال له: ما صنعت شيئاً، إنما زدت في حزني، فقال الفرزدق:
لئن جزع الحجّاج ما من مصيبةٍتكون لمحزونٍ أجلّ وأوجعا
من المصطفى والمصطفى من خيارهمجناحيه لمّا فارقاه فودّعا
أخ كان أغنى أيمن الأرض كلّهوأغنى ابنه أهل العراقين أجمعا
جناحا عقاب فارقاه كلاهماولو نزعا من غيره لتضعضعا
فقال: الآن.
أما قوله: "إلا الخلائف من بعد النّبيين"، فخفض هذه النون، وهي نون الجمع، وإنما فعل ذلك لنه جعل الإعراب فيها لا فيما قبلها، وجعل هذا الجمع كسائر الجمع، نحو أفلس، ومساجد. وكلاب، فإن إعراب هذا كإعراب الواحد، وإنما جاز ذلك لأن الجمع يكون على أبنية شتّى، وإنما يلحق منه بمنهاج التثنية ما لاختلاف معانيه، ما كان على حد التثنية لا يكسّر الواحد عن بنائه، وإلاّ فلا، فإنّ الجمع كالواحد، لاختلاف معانيه، كما تختلف معاني الواحد، والتثنية ليست كذلك، لأنه ضربٌ واحدٌ، ولا يكون اثنان اكثر مت اثنين عدداً، كما يكون الجمع أكثر من الجمع، فمما جاء على هذا المذهب قولهم: هذه سنينٌ، فاعلم، وهذه عشرينٌ فاعلم، قال العدوانيّ:
إنّي أبيٌّ ذو محافظةٍوابن أبي من أبيّين
وأنتم معشرٌ زيدٌ على مائةٍفأجمعوا كيدهم طرّاً فكيدوني
وقال سحيم بن وثيل:
وماذا يدّري الشعراء منّيأخو خمسين مجتمعٌ أشدّي
وقد جاوزت حدّ الأربعينونجّذني مداورة الشّؤون
وفي كتاب الله ﷿: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾.
فإن قال قائل: فإن "غسلينا" واحدٌ، فإنه كلّ ما كان على بناء الجمع من الواحد فإعرابه كإعراب الجمع، ألا ترى انّ "عشرين" ليس لها واحد من لفظها، وإعرابها كإعراب "مسلمين" واحدهم "مسلمٌ"! وكذلك جميع الإعراب. وتقول: "هذه فلسطون" يافتى، و"رأيت فلسطين" يافتى، هذا القول الأجود وكذلك "يبرين" وفي الرفع "يبرون" يافتى، وكلّ ما أشبه هذا فهو بمنزلته، تقول: "قنّسرون"، و"رأيت قنسرين"، والأجود في هذا البيت:
وشاهدنا الجلّ والياسمون والمسمعات بقضّابها
وفي القرآن ما يصدق ذلك قول الله ﷿: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾، فمن قال: "هذه قنّسرون ويبرون". فنسب إلى واحد منهما رجلاً أو شيئاً قال: "هذا رجل قنّسريّ ويبريّ"، بحذف النون والواو، لمجيء حرفي النّسب، ولو أثبتهما لكان في الاسم رفعان ونصبان وجرّان، لأن الياء مرفوعةٌ، والواو علامة الرفع. ومن قال: "قنّسرين" كما ترى قال في النّسب: "قنّسرينّي" لأن الإعراب في حرف النّسب، وانكسرت النون كما ينكسر كلّ ما لحقه النّسب.
وأما قوله: "ونجّذني مداورة الشّؤون"، فمعناه: فهّمني وعرّفني، كما يقال: حنّكته التّجارب، والناجذ: آخر الأضراس، ذلك قولهم: ضحك حتى بدت نواجذه. والشؤون: جمع "شأن" مهموز، وهو الأمر.
وقال المفسرون من أهل الفقه وأهل اللغة في قول الله ﵎: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ هو غسالة أهل النار. وقال النحويّون: هو "فعلينٌ" من الغسالة.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع