من «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع» لشمس الدين السخاوي (ت ٩٠٢هـ)
ذكر من اسْمه مُحَمَّد (٦٥)
الصفحة ٢ من ٢
وَقَوله لما اعتقل ببرج الخيالة بِدِمَشْق:
مذ ببرج الخيالة اعتقلونيصحت وَالنَّفس بالجوى سياله
يال قومِي ويال أَنْصَارِي الغر ويال الرِّجَال للخياله
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ كثيرا وَلغيره وَلم أر من أَبنَاء جنسه من يجْرِي مجْرَاه، وَقَالَ فِي إنبائه أَنه اسْتمرّ يُكَرر على الْحَاوِي ويستحضر مِنْهُ ويعاني الْآدَاب وَقَالَ الشّعْر وَكتب الْخط الْجيد وَكَانَ لطيف المنادمة كثير الرياسة ذَا طلاقة وَبشر وإحسان للْعُلَمَاء والفضلاء على طَريقَة قدماء الكرماء، وَقَالَ غَيره: كَانَ إِمَامًا عَالما بارعا ناظما ناثرا مفوها فصيحا مقداما طلقا خَطِيبًا بليغا ذَا معرفَة تَامَّة ورأي وتدبير وسياسة وعقل ودهاء وَقَالَ ابْن خطيب الناصرية فِي تَارِيخ حلب: كَانَ رَئِيسا كَبِيرا ذَا مُرُوءَة وعصبية لَهُ نظم رائق ونثر فائق وَهُوَ مِمَّن قرض لِابْنِ
ناهض سيرة الْمُؤَيد لَهُ، وَمن نظمه ملغزا فِي رمان وَقد أهداه للصدر الأدمِيّ:
أمولاي مَا اسْم إِن حذفت أخيرهبقلب أطعناه وَبَان لَك الْبشر
ومصدره أَن مبتداه حذفتهحرَام وَفِي معكوس ذَا رفع الْحجر
وَمن طَرفَيْهِ أَن حلا ورده حلاعلى أَن فِيهِ السمهري لَهُ وفر
وَهَا هُوَ فاقصد مثل نصف حُرُوفهوَبَاقِيه إِن طَابَ التفكر يَا حبر
ويشبهه مستحسن وَهُوَ بارزوَلَا سِيمَا إِن كَانَ يبرزه الصَّدْر
فَلَا زلت خمولا على هَامة العلىوضدك مَوْضُوعا ويصحبه الخسر
وَقد بَالغ الْعَيْنِيّ فِي الْحَط عَلَيْهِ فِي غير مَوضِع من تَارِيخه وَكَذَا فِي تَرْجَمته وَقَالَ المقريزي)
فِي عقوده إِنَّه كَانَ شَدِيدا على أعدائه مبالغا فِي نفع أَصْحَابه وأصدقائه يتوقد ذكاء ويستحضر محفوظاته الْفِقْهِيَّة والأدبية مَعَ بعد عَهده عَن الِاشْتِغَال بِالْعلمِ واستغراق زَمَنه فِي الْخدمَة السُّلْطَانِيَّة نَهَارا ومنادمته لَيْلًا ولطف معاشرته وَحسن مذاكرته وغزارة مُرُوءَة صحبته سِنِين ونالني مِنْهُ نفع وَخير كثير، وَأنْشد من نظمه أَشْيَاء وَقَالَ إِن الْمُؤَيد أَخذ من تركته قَرِيبا من مائَة ألف دِينَار وَولى ابْنه كَمَال الدّين.
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان بن مُحَمَّد بن عُثْمَان الْبَدْر بن الْبَدْر البعلي الشَّافِعِي وَيعرف بِابْن قندش بِفَتْح الْقَاف ثمَّ نون بعْدهَا مُهْملَة مَفْتُوحَة ثمَّ مُعْجمَة. ولد قبيل التسعين وَسَبْعمائة بِيَسِير ببعلبك وَنَشَأ بهَا فَقَرَأَ الْقُرْآن على الشَّمْس بن غَازِي الْحَنْبَلِيّ واشتغل بالفقه عِنْد الشّرف بن السقيف وَسمع البُخَارِيّ على أبي الْفرج بن الزعبوب وَجلسَ بحوانيت الشُّهُود ثمَّ أعرض عَن ذَلِك ولقيته ببعلبك فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْمِائَة لِابْنِ تَيْمِية وَكَانَ خيرا منور الشيبة مَحْمُود الطَّرِيقَة.
مَاتَ قريب السِّتين ظنا.
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي بكر الشَّمْس أَبُو الْفَتْح بن الشّرف بن الْفَخر والونائي ثمَّ الْمصْرِيّ الخانكي الشَّافِعِي وَيعرف بالونائي. ولد على رَأس الْقرن إِمَّا فِي سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ أَو ثَلَاث بونا من الصَّعِيد وتحول مِنْهَا إِلَى مصر الْقَدِيمَة فَنَشَأَ بهَا وَحفظ الْقُرْآن والعمدة والشاطبيتين والسخاوية فِي متشابه الْقُرْآن والمنهاجين وألفية النَّحْو والتخليص وَعرض على جمَاعَة كثيرين فَمِمَّنْ أجَازه مِنْهُم الْعِزّ بن جمَاعَة وَالْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ وَأَبُو هُرَيْرَة بن النقاش وَالشَّمْس الْبرمَاوِيّ والبيجوري وَشَيخنَا والزين القمني وَابْن المحمرة والأمين الطرابلسي وقاريء الْهِدَايَة واشتغل بِمصْر عِنْد قَرِيبه السراج عمر الونائي وبالقاهرة عِنْد البرهانين البيجوري والأبناسي والبرماوي وَسمع على شَيخنَا وَغَيره، وَأَجَازَ لَهُ ابْن الْجَزرِي
وَغَيره، وَحج فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ ثمَّ فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وَلَقي حُسَيْنًا الأهدل فَقَرَأَ عَلَيْهِ جُزْء أبي حَرْبَة وَأَجَازَهُ وَكَذَا زار بَيت الْمُقَدّس وسافر الشَّام وقطن الخانقاة وَأخذ فِيهَا الْفِقْه وَغَيره عَن عالمها البوشي وَفِي الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا عَن أبي الْقسم النويري وَسمع على مَحْمُود الْهِنْدِيّ وَأَظنهُ جود عَلَيْهِ الْقُرْآن، وَولي قضاءها قبيل سنة سبع وَثَلَاثِينَ فحمدت سيرته وَكَذَا ولي تدريس الخانقاة برغبة الْجلَال الْبكْرِيّ لَهُ عَنهُ وتنزل فِي قِرَاءَة مصحف بالأشرفية هُنَاكَ وَفِي صوفية الخانقاة الناصرية وَاجْتمعَ النَّاس على الثَّنَاء عَلَيْهِ ودرس وانتفع بِهِ الطّلبَة)
خُصُوصا بعد وَفَاة البوشي، كل ذَلِك مَعَ لين جَانِبه وتواضعه وفتوته وإكرامه للواردين وميله للصالحين ومحاسنه جمة. مَاتَ فِي ثَانِي شَوَّال سنة تسعين وَدفن فِي عصر يَوْمه بحوش ظَاهر قمة الشَّيْخ عمر النبتيتي ﵀ وإيانا.
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان بن مُحَمَّد بن نجم الدّين الْمُحب الْمَنَاوِيّ الطريني الشَّافِعِي كَاتب العليق وَابْن أخب الشَّمْس البامي بل يزْعم انتسابه للطرينيين بالمحلة. مَذْكُور بحشمة وتواضع وميل للْعُلَمَاء وَالصَّالِحِينَ وَقد تزوج ابْنة السَّيْف الْحَنَفِيّ بعد أَبِيهَا واستولدها وَمَاتَتْ تَحْتَهُ وابتنى بسوق الدريس بِالْقربِ من الأهناسية تربة دفن بهَا ابْن كَاتب غَرِيب.
مُحَمَّد التقي شَقِيق الَّذِي قبله وَذَاكَ الْأَكْبَر. مِمَّن يتَرَدَّد إِلَيْهِ الديمي للْقِرَاءَة عَلَيْهِ فِي شرح مُسلم وَغَيره، وَحج مرَارًا مِنْهَا فِي سنة خمس وَتِسْعين.
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان ملك تونس وبلاد أفريقية، تقدم فِيمَن جده عبد الْعَزِيز بن أَحْمد.
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَرَفَات بن مُحَمَّد نَاصِر الدّين الْبِسَاطِيّ الأَصْل القاهري الْأَزْهَرِي الشَّافِعِي وَيعرف بِابْن الطَّحَّان حِرْفَة أَبِيه. ولد تَقْرِيبًا سنة ثَلَاث وَخمسين بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا فحفظ المنهاجين الفرعي والأصلي وألفية النَّحْو واشتغل فِي الْفِقْه والأصلين والعربية والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالرِّوَايَة وَمن شُيُوخه خلد المنوفي وَابْن الفالاتي وَابْن قَاسم وزَكَرِيا والأبناسي والتقي والْعَلَاء الحصنيين والكافياجي والعبادي والبكري وَالْفَخْر المقسي والجوجري والديمي وَبَعْضهمْ فِي الْأَخْذ أَكثر من بعض بل حصر الْيَسِير جدا عِنْد الْمَنَاوِيّ وَدخل فِي مشكلات الْعُلُوم ورافق فِي بَعْضهَا الْأمين العباسي والشرف الدمسيسي والفضلاء وتميز بذكائه بِحَيْثُ حرج الْجَوْجَرِيّ مِنْهُ وَكَانَت لَهُ مَعَه مطارحات نظما فِي مسَائِل علمية وكفه الْعَبَّادِيّ عَن الْفتيا خوفًا من إقدامه وَتَأَخر عَن أقرانه لمزيد تهتكه عَنْهُم وأضيفت غليه أَشْيَاء بِحَيْثُ طرده الزين بن مزهر عَن عشرَة وَلَده وَبَالغ بضربه وَمَعَ ذَلِك فَمَا أمكنه الانثناء عَنهُ ثمَّ ألهم الله الْوَلَد بعد أَبِيه إبعاده وانضم للشهابي بن الْعَيْنِيّ حِينَئِذٍ وَبَالغ بعض من هُوَ فِي الجرأة
بمَكَان حَتَّى قَالَ عِنْد قبر الزيني مَا مَعْنَاهُ لتقر عَيْنك بمفارقة ولدك لِابْنِ الطَّحَّان وَمَعَ ذَلِك فَحلف عِنْدِي أَنه لَيْسَ عِنْده أحد فِي مرتبَة الْبَدْر وَقَالَ حِين ولد لَهُ فِي أَوَائِل سنة سِتّ وَتِسْعين مَا سمعته من نظمه وفارقته وَقد سكن قَرِيبا من جَامع الغمري وَصَارَ يحضر الْجَمَاعَات بل يحضر عِنْدِي فِي دَلَائِل النُّبُوَّة وَغَيرهَا وحاضرته حَسَنَة وَأَرْجُو أَن يكون قد أناب نفع الله بِهِ.)
(سقط) ولد تَقْرِيبًا سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَسمع من قَرِيبه أبي عبد الله نحمد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن نَبهَان الْأَرْبَعين لِابْنِ الْمُجبر بِسَمَاعِهِ من قَرِيبه صافي بن نَبهَان بِسَمَاعِهِ من المخرجة لَهُ وَحدث بهَا سَمعهَا مِنْهُ الْأَئِمَّة وَمَات. مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن إِبْرَاهِيم (سقط) بن أبي بكر فَكَانَ أَبَا بكر كنية أَبِيه.
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن إِبْرَاهِيم أَبُو الْفَتْح الطَّيِّبِيّ القاهري الشَّافِعِي القادري وَهُوَ بكنيته أشهر. ولد فِي رَجَب سنة إِحْدَى عشرَة وَثَمَانمِائَة بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ أَبوهُ صَالحا قَانِتًا فَنَشَأَ فِي كفَالَته فحفظ الْقُرْآن واشتغل يَسِيرا وَسمع على الْكَمَال بن خير الْكثير من الشفا بل سَمعه بفوت على الشّرف بن الكويك مَعَ أربعي النَّوَوِيّ فِي آخَرين كالولي الْعِرَاقِيّ والواسطي سمع عَلَيْهِمَا المسلسل وجء الْأنْصَارِيّ وعَلى ثَانِيهمَا فَقَط جُزْء ابْن عَرَفَة وجزء البطاقة ونسخة إِبْرَاهِيم بن سعد وَابْن الْجَزرِي وَشَيخنَا وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة، وتكسب بِالشَّهَادَةِ وَجلسَ فِي حوانيتها وبرع فِيهَا مَعَ حسن الشكالة وَالْبزَّة وَالْعشرَة وجودة التِّلَاوَة فِي الجوق وَلذَا كَانَ يتَرَدَّد لزيارة اللَّيْث وترافق مَعَ أبي الْخَيْر النّحاس فِيهَا فَلَمَّا ارْتقى النّحاس اخْتصَّ بِهِ وَلزِمَ الْقيام بخدمته فأثرى وَكثر مَاله وَركب الْخُيُول وَاسْتقر بِهِ فِي دمشق نَاظر الجوالي ووكيل بَيت المَال فَلم يحسن الْمَشْي بل مَشى على طَريقَة مخدومه فِي الظُّلم والعسف بِحَيْثُ كتبت فِي كفره فَمَا دونه محَاضِر وَقدم البلاطنسي للشكوى مِنْهُ، وَآل أمره إِلَى أَن ضربت عُنُقه صبرا فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء رَابِع عشر رَمَضَان سنة أَربع وَخمسين تَحت قلعتها وَدفن من الْغَد بمقبرة الْبَاب الصَّغِير جوَار أويس الْقَرنِي وَكَانَت جنَازَته حافلة من الْعَوام والفقراء وَغَيرهم وانتاب النَّاس لقبره أَيَّامًا وَأَكْثرُوا من الْبكاء عَلَيْهِ بل صَارُوا يَقُولُونَ هَذَا الشَّهِيد هَذَا الْمَظْلُوم هَذَا المقهور بعد أَن حالوا بَين السياف وَبَين قَتله بِحَيْثُ لم يتَمَكَّن مِنْهُ أَيَّامًا إِلَى أَن أَخذ على حِين غَفلَة مِنْهُم وَكَذَا حاول القَاضِي اعترافه بِمَا نسب إِلَيْهِ وَلَو بالاستغفار وَالتَّوْبَة فَلم يذعن وَصَارَ كلما التمس مِنْهُ ذَلِك يكثر التهليل وَالذكر وَنسب البلاطنسي
لمزيد من التعصب فِي شَأْنه حِين أفتى بِكُفْرِهِ وَإِلَّا فقد فتحت فِي أَيَّام مُبَاشَرَته مَسَاجِد ومدارس كَانَت معطلة وجددت عمَارَة كثير مِنْهَا بعد إشرافها على الدُّثُور وَعند الله تَجْتَمِع الْخُصُوم، وَقد لَقيته بِمَجْلِس شَيخنَا وَغَيره وَأَجَازَ سامحه الله وإيانا. (سقط)
صرفت عَن الكثرات وَجه تَوَجُّهِيإِلَى وحدة الْوَجْه الْكَرِيم الممجد
فَمَا خَابَ حصروف إِلَى الْحق وَجههوَقد خَابَ من أضحى من الْخلق يجتدي
وَقَوله: لَو كنت أعلم أَن وصلك مُمكنبتلاف روحي أَو ذهَاب وجودي
لمحوت سطري من صحيفَة عالميوهجرت كوني فِي وصال شهودي
وَكَذَا أَخذ عَنهُ التَّاج بن زهرَة وأنشدني عَنهُ قَوْله فِي الْوَظَائِف السَّبْعَة الَّتِي ذكرهَا الْغَزالِيّ وَلم يخلها من كتبه الكلامية والصوفية:
تقديس إِيمَان وَعجز فَافْهَمواسكت مكفا ثمَّ أمسك سلم
وَكَانَ إِمَامًا عَلامَة فصيحا طلق اللِّسَان رائق النّظم والنثر بديع الذكاء حسن الْأَخْلَاق والمعاشرة)
والشكالة وَالْبزَّة ممتع المحاضرة سريع الْجَواب مجيدا لما يتَكَلَّم فِيهِ مثريا ذَا مَال طائل منعزلا عَن النَّاس ببيته الَّذِي أنشأه بحلب وَهُوَ من محَاسِن بيوتها متعففا عَن وظائف الْفُقَهَاء وَمَا أشبههَا مستغنيا بأصناف المتاجل ذَا يَد طولى فِي علم الْكَلَام والفلك والحرف والتصوف وَلكنه ينْسب إِلَى مقَالَة ابْن الْعَرَبِيّ وَلذَا كَانَ البلاطنسي يَقع فِيهِ وَرَأَيْت بِخَطِّهِ مَا يدل على التبري من ذَلِك هَذَا مَعَ أَنه أورد سَنَده بلباس الْخِرْقَة فِي إجَازَة كتبهَا للسَّيِّد الْعَلَاء بن عفيف الدّين من طَرِيقه وَقَالَ مَا نَصه ومولانا الشَّيْخ مُحي الدّين الْمشَار إِلَيْهِ لبسهَا مرَارًا بِحَيْثُ روينَا عَنهُ أَنه لبس الْخِرْقَة وتلقن الذّكر وتأدب بِنَحْوِ من سَبْعمِائة شيخ من مَشَايِخ الطَّرِيقَة وأئمة الْحَقِيقَة وسَاق طرفا من ذَلِك فَالله أعلم بِحَقِيقَة أمره، وَقد حج غير مرّة وجاور بِمَكَّة بعد الثَّلَاثِينَ وَدخل الْهِنْد وساح ورابط بِبَعْض الثغور وقتا وَشرح قِطْعَة من الْحَاوِي الصَّغِير وَمن الْإِرْشَاد للْقَاضِي أبي بكر الباقلاني فِي الْأُصُول وأعرب جَمِيع ألفية ابْن ملك لأجل وَلَده أبي الطَّاهِر وَشرح البرهانية فِي أصُول الدّين وَعمل كتابا فِي مصطلح الصُّوفِيَّة سَمَّاهُ منشأ الأغاليظ وأفرد رحلته فِي مُجَلد وعقيدته بالتأليف وتبرا فِيهَا من كل مَا يُخَالف السّنة وَالْجَمَاعَة وَلم يزل على جلالته إِلَى أَن وَقع بحلب فنَاء عَظِيم توفّي فِيهِ غَالب من عِنْده من ولد وَأهل وخدم فأسف وَتوجه إِلَى مَكَّة عَازِمًا على الْمُجَاورَة بهَا صُحْبَة الركب الْحلَبِي ولقيه ابْن السَّيِّد عفيف الدّين بِالشَّام وَهُوَ متوعك فَقَالَ لَهُ قد كنت عزمت على الْمُجَاورَة بِمَكَّة والآن وَقع فِي خاطري مزِيد الرَّغْبَة فِي الْمُجَاورَة بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة فَكَانَ كَذَلِك فَإِنَّهُ اسْتمرّ فِي توعكه إِلَى يَوْم دُخُوله لَهَا وَذَلِكَ فِي يَوْم الثُّلَاثَاء الْعشْرين من ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ فَمَاتَ وَدفن بِالبَقِيعِ بعد أَن صلى عَلَيْهِ بالروضة النَّبَوِيَّة ﵀ وَعَفا عَنهُ ورثاه زوج ابْنة الْفَاضِل جلال الدّين بن النصيبي بقصيدة مطْلعهَا:
أخفاك يَا شمس الْعُلُوم كسوفمن بعد فقدك ناظري مكفوف
النص من طبعة منشورات دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع