من «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع» لشمس الدين السخاوي (ت ٩٠٢هـ)
ذكر من اسْمه مُحَمَّد (٧٣)
الصفحة ٢ من ٢
بِغَيْر مُنَازع فِي تفرده بقطر)
من أقطار الأَرْض. وَقد حج غير مرّة مِنْهَا فِي سنة خمسين فَحمل مَعَه من طلبة الْعلم والمشايخ المعتقدين والفقراء والمنقطعين من يتعسر حصرهم غير أَنه كَانَ مَعَه نَحْو أَرْبَعمِائَة نفر وَنَحْو ضعفهم من الدَّوَابّ وَلم يدع أحدا مِنْهُم يتَكَلَّف إِلَى شَيْء بل اشْترى لأهليهم الْهَدَايَا وَرجع كل مِنْهُم وَهُوَ ذَاكر لما يبهر الْعقل من الِاحْتِمَال وَالْإِحْسَان وطلاقة الْوَجْه ولين القَوْل وتكلف إِلَّا كمل من وُجُوه الْعِبَادَة كالتجرد فِي الْإِحْرَام على ضعف بدنه والمتابعة فِي سنَن الْحَج وواجباته الْأَمر الْمَشْرُوع سِيمَا فِي أَشْيَاء قد هجرت وَحصل لأهل الْحَرَمَيْنِ مِنْهُ أفضال وبر على جاري عَادَته ثمَّ قدم فَمَلَأ النَّاس خيرا وَبرا وَحدث فِي مَكَّة باليسير وَكَذَا حدث بِالْقَاهِرَةِ سمع عَلَيْهِ الْأَئِمَّة وقرأت عَلَيْهِ أَشْيَاء بل كتبت عَنهُ من نظمه مَا كتب بِهِ على نظم سيرة الْمُؤَيد لِابْنِ ناهض بعد كِتَابَة وَالِده مَا نَصه:
هَذَا كتابك يَا ناهض قَاعدعَن مدحه أدبي وَعَن تهذيبه
فاشكر لمادحه على تَقْصِيرهوَلمن هجاه فَإِنَّهُ يهذي بِهِ
وَقَوله:
مرت على فهمي وحلو لَفظهَامُكَرر فَمَا عَسى أَن أصنعا
ووالدي دَامَ بقا سوددهلم يبْق فِيهَا للكمال موضعا
وَكَذَا كتبت عَنهُ من نظمه غير هَذَا مِمَّا أودعته فِي المعجم وَغَيره بل سمع شَيخنَا من لَفظه حِين كَانَا مسافرين سحبة الركاب السلطاني إِلَى آمد بِظَاهِر البيرة قصيدة الأديب شيخ على الَّتِي امتدح بهَا الْبَدْر بن الشهَاب مَحْمُود وسمعها الْكَمَال من ناظمها وَهِي مثبتة عِنْدِي فِي مَكَان آخر. ومحاسنه كَثِيرَة حَتَّى شاع بهَا ذكره وَبعد فِيهَا صيته وَصَارَ كَمَا قيل قل أَن ترى الْعُيُون فِي مَجْمُوعه مثله. وَله اعتراضات جَيِّدَة على شرح بديعية ابْن حجَّة. وَاسْتمرّ على جلالته حَتَّى مَاتَ فِي يَوْم الْأَحَد سادس عشرى صفر سنة سِتّ وَخمسين وَصلي عَلَيْهِ بسبيل المؤمني فِي مشْهد حافل شهده السُّلْطَان والأمراء وَسَائِر الْقُضَاة وَالْأَئِمَّة والأعيان تقدمهم أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَدفن بتربة أَبِيه الْمُجَاورَة لقبة الإِمَام الشَّافِعِي من القرافة وأسف النَّاس على فَقده وَكثر الثَّنَاء عَلَيْهِ وعَلى جلّ أَوْصَافه وَلم يخلف بعده فِي مَجْمُوعه مثله، ورثاه غير وَاحِد وَحصل التغالي فِي كتبه بِحَيْثُ بِيعَتْ بأغلى الْأَثْمَان ووفيت دُيُونه وَهِي كَثِيرَة جدا مِنْهَا وَظهر بذلك حسن نِيَّته فِي كرمه وعطيته. وَهُوَ فِي عُقُود المقريزي مُقْتَصرا على أَنه ولي كِتَابَة السِّرّ بعد أَبِيه فِي)
الْأَيَّام المؤيدية ﵀ وإيانا.
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان بن مُوسَى رَضِي الدّين بن الشَّمْس بن نَاصِر الدّين الإسحاقي الأَصْل القاهري الْمَالِكِي الْمَاضِي جده وَيعرف بِابْن
الإسحاقي. مِمَّن تكسب بِالشَّهَادَةِ فِي مجْلِس الْمَالِكِيَّة بِبَاب الْخرق إِلَى أَن صاهر قَاضِي الْحَنَابِلَة الْبَدْر السَّعْدِيّ على ابْنَته فتحول لبابه بل عمله نقيبه ثمَّ استنابه التقي بن تَقِيّ قَاضِي مذْهبه وَصَارَت لَهُ وجاهة وحمدنا عقله وأدبه وسكونه.
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان الغلفي بِضَم الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام بعْدهَا فَاء الْمُؤَذّن أَبوهُ بالمعظمية والقيم هُوَ بهَا وَيعرف بِابْن شيخ المعظمية. ولد فِيمَا كتبه بِخَطِّهِ سنة أَربع وَعشْرين وَسَبْعمائة وَسمع جُزْء أبي الجهم وثلاثيات الصَّحِيح عَليّ الحجار بل حضر جَمِيع الصَّحِيح عَلَيْهِ وَكَذَا حضر على إِسْحَق الأمدي وَأَجَازَ لَهُ الْبَنْدَنِيجِيّ وَأَيوب بن نعْمَة وَغَيرهمَا وَحدث سمع مِنْهُ الْفُضَلَاء أجَاز لشَيْخِنَا وأرخه فِي سنة اثْنَتَيْنِ قَالَ فِي مُعْجَمه فِي جُمَادَى الأولى فِي أنبائه جُمَادَى الْآخِرَة وَتَبعهُ المقريزي فِي أَولهمَا وَقَالَ كَانَ أَبوهُ يُؤَدب الْأَطْفَال بِدِمَشْق.
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَرَفَة أَبُو عبد الله الورغمي بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمِيم نِسْبَة لَو رغمة قَرْيَة من أفريقية التّونسِيّ الْمَالِكِي عَالم الْمغرب وَيعرف بِابْن عَرَفَة. ولد سنة سِتّ عشرَة وَسَبْعمائة وتفقه ببلاده على قَاضِي الْجَمَاعَة أبي عبد الله بن عبد السَّلَام الهواري شَارِح ابْن الْحَاجِب الفرعي وَعنهُ أَخذ الْأُصُول وَقَرَأَ القراآت على أبي عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حسن بن سَلامَة الْأنْصَارِيّ وَمن شُيُوخه فِي الْعلم وَالِده وَأَبُو عبد الله الوادياشي وَسمع على الْأَرْبَعَة وآباء عبد الله الإيلي والمحمدين ابْن سعد بن بزال وَابْن هرون الْكِنَانِي وَابْن عمرَان بن الْجبَاب وَابْن سُلَيْمَان النبطي الفاسي وعَلى أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد الرصافي وَمهر فِي الْعُلُوم وأتقن الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول إِلَى أَن صَار المرجوع إِلَيْهِ فِي الْفَتْوَى بِبِلَاد الْمغرب وتصدى لنشر الْعُلُوم وَكَانَ لَا يمل من التدريس وإسماع الحَدِيث وَالْفَتْوَى مَعَ الْجَلالَة عِنْد السُّلْطَان فَمن دونه وَالدّين المتين وَالْخَيْر وَالصَّلَاح والتوسع فِي الْجِهَات والتظاهر بِالنعْمَةِ فِي مأكله وملبسه والإكثار من التَّصَدُّق وَالْإِحْسَان للطلبة مَعَ إخفائه لذَلِك.
قَالَ شَيخنَا فِي مُعْجَمه: قدم علينا حَاجا فِي سنة سِتّ وَتِسْعين فَلم يتَّفق لي لقاؤه ولكنني)
استدعيت مِنْهُ الْإِجَازَة فَأجَاز لي وَكتب لي مَا نَصه: أجزت كاتبها وَمن ذكر مَعَه جَمِيع مَا ذكر إجَازَة تَامَّة بشرطها الْمَعْرُوف جعلني الله وإياه من أهل الْعلم النافع. وصنف مجموعا فِي الْفِقْه جمع فِيهِ أَحْكَام الْمَذْهَب سَمَّاهُ الْمَبْسُوط فِي سَبْعَة أسفار إِلَّا أَنه شَدِيد الغموض وَاخْتصرَ الحوفي فِي الْفَرَائِض ونظم قِرَاءَة يَعْقُوب وعلق عَنهُ بعض أَصْحَابنَا كلَاما فِي التَّفْسِير كثير الْفَوَائِد فِي مجلدين كَانَ يلتقطه فِي حَال قراءتهم عَلَيْهِ ويدونه أَولا
فأولا قَالَ شَيخنَا فِي إنبائه وَكَلَامه فِيهِ دَال على توسع فِي الْفُنُون وإتقان وَتَحْقِيق انْتهى. وَكَذَا صنف فِي كل من الْأَصْلَيْنِ والمنطق مُخْتَصرا جَامعا. وَلم يزل على حَاله من العظمة والسودد حَتَّى مَاتَ فِي رَابِع عشرى جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث بتونس وَلم يخلف بعده مثله وَقد حَدثنِي عَنهُ جمَاعَة فيهم مِمَّن أَخذ عَنهُ التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه وَغَيرهَا يحيى العجيسي، وَأَجَازَ أَيْضا لغير وَاحِد مِمَّن كتبت عَنْهُم وروى الرسَالَة عَن أبي عبد الله بن عبد السَّلَام والوادياشي كِلَاهُمَا عَن أبي مُحَمَّد بن هرون عَن أبي الْقسم بن الطيلسان عَن عبد الْحق بن مُحَمَّد بن عبد الْحق عَن أبي عبد الله مُحَمَّد بن فرج مولى ابْن الطلاع عَن أبي مُحَمَّد مكي عَن ابْن زيد والموطأ عَن أَولهمَا أَنا ابْن هرون بِهِ وَكَذَا قَرَأَ عَلَيْهِ عُلُوم الحَدِيث لِابْنِ الصّلاح بقرَاءَته لَهُ على أبي الْعَبَّاس أَحْمد البطرني أَنا بِهِ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن أَحْمد اللَّخْمِيّ سَمَاعا أَنا بِهِ مُؤَلفه سَمَاعا فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة بالأشرفية بِدِمَشْق وصحيح البُخَارِيّ وَمُسلم والشفا عَن ثَانِيهمَا وَذكره ابْن الْجَزرِي فِي طَبَقَات الْقُرَّاء فَقَالَ: فَقِيه تونس وإمامها وعالمها وخطيبها فِي زَمَاننَا. ولد سنة عشر وَسَبْعمائة وتبحر فِي الْعُلُوم وفَاق فِي الْأَصْلَيْنِ وَالْكَلَام وَتقدم فِي الْفِقْه والنحو وَالتَّفْسِير قَرَأَ على ابْن سَلامَة بمضمن التَّيْسِير وَالْكَافِي وروى أَيْضا عَن ابْن عبد السَّلَام شَارِح الْمُخْتَصر ذكره عبد الله بن مُحَمَّد بن غَالب فِي تَحْقِيقه فَقَالَ أَخذ الْعلم عَن جمَاعَة من الْعلمَاء، الجلة مِنْهُم وَالِده وَأَبُو عبد الله الوادياشي وَغَيرهمَا، قَالَ ابْن الْجَزرِي وَلم تزل الْحجَّاج ترد علينا بأخباره السارة حَتَّى كنت فِي الديار المصرية سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين فَقَدمهَا حَاجا فَاجْتَمَعْنَا بِهِ بِالْقَاهِرَةِ وحججنا جَمِيعًا بِالْحرم الشريف واستجزته تجاه الْكَعْبَة فأجازني وأولادي ثمَّ رَجعْنَا إِلَى لاديار المصرية فاجتمعت بِهِ كثيرا فَأَنْشَدته وأنشدني وَتوجه لبلاده فِي ربيع من الَّتِي بعْدهَا وَلم أر مغربيا أفضل مِنْهُ. وَقَالَ الصّلاح الأقفهسي فِي مُعْجم ابْن ظهيرة أَنه تفقه وبرع فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع والعربية والمعاني وَالْبَيَان والفرائض والحساب والقراآت وَكَانَ رَأْسا فِي الْعِبَادَة والزهد)
والورع ملازما للإشغال بِالْعلمِ رَحل النَّاس إِلَيْهِ وَأخذُوا عَنهُ وانتفعوا بِهِ وَلم يكن بِبِلَاد الْمغرب من يجْرِي مجْرَاه فِي التَّحْقِيق وَلَا من اجْتمع لَهُ من الْعُلُوم مَا اجْتمع لَهُ وَلَقَد كَانَت الْفَتْوَى تَأتيه من مَسَافَة شهر، وَله مؤلفات مفيدة، وَصدر تَرْجَمته بالفقيه الإِمَام الْعَلامَة ذِي الْفُنُون الْخَطِيب الإِمَام بِمَسْجِد الزيتونة بِمَدِينَة تونس وَسَماهُ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَرَفَة فأسقط مُحَمَّدًا الثَّالِث من نسبه كَمَا أَن ابْن الْجَزرِي لم يصب فِي مولده وَكَذَا مَا رَأَيْته فِي نُسْخَتي بمعجم شَيخنَا أَنه سنة سِتّ
وَثَلَاثِينَ لِأَن شَيخنَا نَفسه قَالَ فِي إنبائه أَنه مَاتَ وَهُوَ ابْن سبع وَثَمَانِينَ. وَهُوَ مُوَافق لما قَالَه غير وَاحِد فِي كَون مولده سنة سِتّ عشرَة، وَصدر شَيخنَا تَرْجَمته فِي إنبائه بشيخ الْإِسْلَام بالمغرب، وَقَالَ ابْن عمار أَنه قدم الْقَاهِرَة حَاجا فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَسَبْعمائة فَأخذ عَنهُ المصريون مَعَ اعتذاره بالضعف وَكَانَ الْقَائِل مِمَّن أَخذ عَنهُ وَأذن لَهُ فِي الْإِفْتَاء وترجمه بقوله أَمَام حَافظ وقته تفقه بمذهبه مشرقا ومغربا انْتَهَت الرياسة إِلَيْهِ بقطر الْمغرب أجمع فِي التَّحْقِيق وَالْفَتْوَى والمشاورة مَعَ خشونة جَانب وَشدَّة عَارض وَبَرَاءَة من المداهنة وحذر من المحاسنة وَله كتاب فِي الْفِقْه سَمَّاهُ الْمُخْتَصر يبلغ عشرَة أسفار أَو دونهَا جَامع لغالب أُمَّهَات الْمَذْهَب والنوازل وَالْفُرُوع الغربية وَكَثْرَة الْبَحْث مَعَ ابْن شَاس فِي الْجَوَاهِر وَابْن بشير فِي التَّنْبِيه وَابْن الْحَاجِب فِي اختصاره لهذين الْكِتَابَيْنِ وَشَيْخه ابْن عبد السَّلَام فِي شَرحه على ابْن الْحَاجِب إِلَّا أَنه التفقه بِهِ صَعب انْتهى. وَبَلغنِي أَن بعض أولي الْأَحْوَال والخطوات كَانَ يَقْصِدهُ بِالْقِرَاءَةِ والتفقه فِي كل يَوْم من مَسَافَة أَيَّام وَأَن بغلة الشَّيْخ نفقت ودامت أَيَّامًا لَا يتَعَرَّض لَهَا كلب وَلَا غَيره فَلَمَّا بلغه ذَلِك قَالَ لمن تعجب مِنْهُ أتعجبون من ذَلِك وَقد قَرَأت على ظهرهَا الْقُرْآن من الْعدَد آلافا، إِلَى غَيرهَا من الكرامات، وَهُوَ فِي عُقُود المقريزي وَأَنه اختصر الحوفي فِي الْفَرَائِض ونظم قِرَاءَة يَعْقُوب. وَمن نظمه:
إِذا لم يكن فِي مجْلِس الْعلم نُكْتَةلتقرير إِيضَاح لمشكل صُورَة
وعزو غَرِيب النَّقْل أوحل مُشكلأَو إِشْكَال أبدته نتيجة فكرة
فدع سَعْيه وَانْظُر لنَفسك واجتهدوَلَا تتركن فالترك أقبح خلة
النص من طبعة منشورات دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع