من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة إحدى وستين
استشهد فيها في يوم عاشوراء أبو عبد الله الحسين بن عليّ بن أبي طالب، سبط رسول الله ﷺ وريحانته بكربلاء عن ست وخمسين سنة، ومن أسباب ذلك أنه كان قد أبى من البيعة ليزيد حين بايع له أبوه النّاس، رابع أربعة عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزّبير، وعبد الرّحمن بن أبي بكر، فلما مات معاوية جاءت كتب أهل العراق إلى الحسين يسألونه القدوم عليهم، فسار بجميع أهله حتى بلغ كربلاء موضعا بقرب الكوفة، فعرض له عبيد الله بن زياد، فقتلوه، وقتلوا معه ولديه عليّا الأكبر، وعبد الله، وإخوته جعفرا، ومحمّدا، وعتيقا، والعبّاس الأكبر، وابن أخيه قاسم بن الحسن، وأولاد عمه محمّدا، وعونا ابنا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ومسلم بن عقيل بن أبي طالب، وابنيه عبد الله، وعبد الرّحمن. ومختصر ذلك أن يزيد لما بويع له بعد موت أبيه، وكان أبوه بايع له الناس، فأرسل يزيد إلى عامله بالمدينة الوليد بن عتبة يأخذ له البيعة، فأرسل إلى الحسين، وعبد الله بن الزّبير، فأتياه ليلا وقالا له: مثلنا لا يبايع سرا بل على رؤوس الأشهاد، ثم
رجعا، وخرجا من ليلتهما في بقية من رجب، فقدم الحسين مكّة، وأقام بها، وخرج منها يوم التروية إلى الكوفة فبعث عبيد الله بن زياد لحربه عمر بن سعد بن أبي وقّاص، وقيل: أرسل عبد الله ابن الحارث التميميّ، أن جعجع بالحسين، أي احبسه.
والجعجاع المكان الضيق.
ثم أمر معمر بن سعيد في أربعة آلاف، ثم صار عبيد الله بن زياد يزيد في العسكر إلى أن بلغوا اثنين وعشرين ألفا، وأميرهم عمر بن سعد ابن أبي وقّاص، واتفقوا على قتله يوم عاشوراء، قيل: يوم الجمعة، وقيل: السبت، وقيل: الأحد، بموضع يقال له: الطّفّ، وقتل معه اثنان وثمانون رجلا فيهم الحارث بن يزيد التّميميّ، لأنه تاب آخرا، حين رأى منعهم له من الماء، وتضييقهم عليه، قيل: ووجد بالحسين ﵁ ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة، وقتل معه من الفاطميين سبعة عشر رجلا.
وقال الحسن البصريّ: أصيب مع الحسين ستة عشر رجلا من أهل بيته، ما على وجه الأرض يومئذ لهم شبيه، وجاء بعض الفجرة برأسه إلى ابن زياد وهو يقول:
أوقر ركابي فضّة وذهباإني قتلت الملك المحجّبا
قتلت خير النّاس أمّا وأبا[وخيرهم إذ ينسبون نسبا]
فغضب لذلك، وقال: إذا علمت أنه كذلك فلم قتلته؟ والله لألحقنك به، وضرب عنقه، وقيل: إن يزيد هو الذي قتل القائل.
ولما تم قتله حمل رأسه، وحرم بيته، وزين العابدين معهم إلى دمشق كالسبايا، قاتل الله فاعل ذلك وأخزاه، ومن أمر به، أو رضيه.
قيل: قال لهم عند ذلك بعض الحاضرين: ويلكم إن لم تكونوا أتقياء في دينكم، فكونوا أحرارا في دنياكم.
والصحيح أن الرأس المكرّم دفن بالبقيع إلى جنب أمه فاطمة، وذلك أن يزيد بعث به إلى عامله بالمدينة عمرو بن سعيد الأشدق، فكفّنه ودفنه.
والعلماء مجمعون على تصويب قتال عليّ لمخالفيه لأنه الإمام الحق،
ونقل الاتفاق أيضا على تحسين خروج الحسين على يزيد، وخروج ابن الزّبير، وأهل الحرمين على بني أمية، وخروج ابن الأشعث ومن معه من كبار التابعين وخيار المسلمين على الحجّاج.
ثم [إن] الجمهور رأوا جواز الخروج على من كان مثل يزيد، والحجّاج، ومنهم من جوّز الخروج على كل ظالم، وعدّ ابن حزم خروم الإسلام أربعة:
قتل عثمان، وقتل الحسين، ويوم الحرّة، وقتل ابن الزّبير، ولعلماء السلف في يزيد وقتلة الحسين خلاف في اللعن والتوقّف.
قال ابن الصّلاح: والنّاس في يزيد ثلاث فرق، فرقة تحبّه وتتولّاه، وفرقة تسبّه وتلعنه، وفرقة متوسطة في ذلك لا تتولّاه ولا تلعنه، قال: وهذه الفرقة هي المصيبة، ومذهبها هو اللائق لمن يعرف سير الماضين، ويعلم قواعد الشريعة الظاهرة. انتهى كلامه.
ولا أظن الفرقة الأولى توجد اليوم، وعلى الجملة، فما نقل عن قتلة الحسين والمتحاملين عليه يدل على الزندقة وانحلال الإيمان من قلوبهم،
وتهاونهم بمنصب النّبوّة، وما أعظم ذلك، فسبحان من حفظ الشريعة حينئذ وشيّد أركانها حتى انقضت دولتهم، وعلى فعل الأمويين وأمرائهم بأهل البيت حمل قوله ﷺ: «هلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش». قال أبو هريرة: لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت، ومثل فعل يزيد فعل بسر بن أرطاة العامري أمير معاوية في أهل البيت من القتل والتشريد، حتى خدّ لهم الأخاديد، وكانت له أخبار شنيعة في عليّ وقتل ولدي عبيد الله بن عبّاس وهما صغيران على يدي أمّهما، ففقدت عقلها، وهامت على وجهها، فدعا عليه عليّ أن يطيل الله عمره، ويذهب عقله، فكان كذلك، خرف في آخر عمره، ولم تصح له صحبة، وقال الدّارقطني:
كانت [له] صحبة ولم تكن له استقامة بعد النبيّ ﷺ، وقال التّفتازاني في «شرح العقائد النسفية»: اتفقوا على جواز اللعن على من قتل الحسين، أو أمر به، أو أجازه، أو رضي به، قال: والحق إن رضى يزيد بقتل
الحسين، واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت رسول الله ﷺ مما تواتر معناه، وإن كان تفصيله آحادا، قال: فنحن [لا] نتوقف في شأنه، بل في كفره وإيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه.
وقال الحافظ ابن عساكر نسب إلى يزيد قصيدة منها:
ليت أشياخي ببدر شهدواجزع الخزرج من وقع الأسل
لعبت هاشم بالملك بلاملك جاء ولا وحي نزل
فإن صحت عنه، فهو كافر بلا ريب. انتهى بمعناه.
وقال الذّهبيّ فيه: كان ناصبيا، فظّا، غليظا، يتناول المسكر ويفعل المنكر، افتتح دولته بقتل الحسين، وختمها بوقعة الحرّة، فمقته النّاس، ولم يبارك في عمره، وخرج عليه غير واحد بعد الحسين، وذكر من خرج عليه، وقال فيه في «الميزان» إنه مقدوح في عدالته ليس بأهل أن يروى عنه.
وقال رجل في حضرة عمر بن عبد العزيز: أمير المؤمنين يزيد، فضربه عمر عشرين سوطا.
واستفتي الكيا الهرّاسي فيه فذكر فصلا واسعا من مخازيه حتى نفدت الورقة، ثم قال: ولو مددت ببياض لمددت العنان في مخازي مخازي هذا الرجل.
وأشار الغزالي إلى التوقّف في شأنه، والتنزّه عن لعنه، مع تقبيح فعله.
وذكر ابن عبد البرّ، والذّهبيّ وغيرهما مخازي مروان بأنه أول من شق عصا المسلمين بلا شبهة، وقتل النّعمان بن بشير أول مولود من الأنصار في الإسلام، وخرج على ابن الزّبير بعد أن بايعه على الطاعة، وقتل طلحة بن عبيد الله يوم الجمل، وإلى هؤلاء المذكورين، والوليد بن عقبة، والحكم بن أبي العاص، ونحوهم، الإشارة بما ورد في حديث المحشر وفيه: «فأقول:
يا ربّ أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» ولا يرد على ذلك ما ذكره العلماء من الإجماع على عدالة الصحابة، وأن المراد به الغالب وعدم الاعتداد بالنادر، والذين ساءت أحوالهم ولابسوا الفتن بغير تأويل ولا شبهة، وقال اليافعي: وأما حكم من قتل الحسين أو أمر بقتله ممن استحلّ
ذلك، فهو كافر، وإن لم يستحلّ فهو فاسق فاجر، والله أعلم.
وفيها توفي حمزة بن عمرو الأسلميّ، وله صحبة ورواية.
وأمّ المؤمنين هند المعروفة بأمّ سلمة، وقيل: توفيت سنة تسع وخمسين، وهي آخر أمهات المؤمنين موتا، تزوجها رسول الله ﷺ بعد سنتين من الهجرة، وحين خطبها اعتذرت بكبر السّنّ والأولاد وكونها غيورا فذكر النبيّ ﷺ أنه كبير أيضا وذو أولاد، وأما الغيرة، فأدعو الله ﷿ أن يذهبها عنك، فكان أزوّاج النبيّ ﷺ يتحاكمن إليها، لعلمهنّ ببراءتها من الغيرة، وهي صاحبة المشورة المباركة يوم الحديبية، ورأت جبريل ﵇ في صورة دحيّة الكلبيّ.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع