من «البديع» لابن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
الباب الخامس من البديع وهو المذهب الكلامي
وهو مذهب سماه عمرو الجاحظ المذهب الكلاميّ.
وهذا باب ما أعلم أني وجدت في القرآن منه شيئاً، وهو ينسب إلى التكلف -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
المتقدمون: قال أبو الدرداء: إن أخوف ما أخاف عليكم أن يقال: علمت فماذا عملت.
وقال الفرزدق "من الطويل":
لكل امرئ نفسان نفس كريمةٌوأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها
ونفسك من نفسيك تشفع للندىإذا قل من أحرارهن شفيعها
وقال عمر لعبد الله بن عباس: من ترى أن نوليه حمص؟ قال: رجلاً صحيحاً منك صحيحاً لك، قال: كن أنت ذلك الرجل، قال: لا ينتفع بي مع سوء ظني في سوء ظنك بي.
المحدثون: قال أبو عبد الرحمن العطوي "من الخفيف":
فوحق البيان يعضده البرهان في مأقط ألد الخصام
ما رأينا سوى الحبيبة شيئاًجمع الحسن كله في نظام
هي تجري مجرى الأصالة في الرأي ومجرى الأرواح في الأجسام
وقال إبراهيم بن المهدي للمأمون "من البسيط":
ألبر بي منك وطا العذر عندك ليفيما فعلت فلم تعذل ولم تلم
وقام علمك بي فاحتج عندك ليمقام شاهد عدل غير متهم
وقال إبراهيم بن العباس "من الطويل":
وعلمتني كيف الهوى وجهلته
وعلمكم صبري على ظلمكم ظلمي
وأعلم مالي عندم فيميل بيهواي إلى جهلي فأعرض عن حلمي
وقال أبو نواس "من الخفيف":
إن هذا يرى -ولا رأى للأحمــق- أني أعده إنسانا
ذاك في الظن عنده وهو عنديكالذي لم يكن وإن كان كانا
وقال الطائي "من الكامل":
ألمجد لا يرضى بأن ترضى بأنيرضى المؤمل منك إلا بالرضا
وبلغنا أن إسحاق بن إبراهيم رأى حبيبًا الطائي ينشد هذا وأمثاله عند الحسن بن وهب فقال: يا هذا، شددت على نفسك. ولما ودع المأمون الحسن بن سهل مخرجه إلى بغداد فقال له المأمون: يا أبا محمد، ألك حاجة؟ قال نعم، يحفظ على من قلبك ما لا أستعين على حفظه إلا بك.
وكتب أحمد بن يوسف إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي وقد زاره إبراهيم المهدي: عندي من أنا عنده وحجتنا عليك إعلامنا ذلك إياك والسلام.
وقال إبراهيم بن العباس "من المتقارب":
ولما نأت كيف كنا لهاولما دنت كيف كنا بها
وكتب بعضهم إلى صاحب له: ارضَ بما حكم بالحق في أمرك أكن بالمكان الذي أنزلتني به الحق بيني وبينك. وقلت في هذا الباب "من المجتث":
أسرفت في الكتمانوذاك مني دهاني
كتمت حبك حتىكتمته كتماني
ولم يكن لي بدمن ذكره بلساني
ما عيب من ذلك: كُتب إلى بعض أهل زماننا: أطال الله بقاءك، منشئاً لك ريح عز لا يعدم هبوبها، ومطلعاً لنعمتك شمس نصرة يؤمن غروبها وأراك أمنيتك ببلوغكها، قد جعل الله إبداءك وإعادتك في الجود أذاناً وإقامةً يدلان العفاة إلى مباءتك للري من ساحتك، ولما رأيت ذكرك عطراً، ولمن رجاك سترًا، جئتك ظامئًا مستقيًا ماء أنعمك، وغير غرو أن أكون ممن يمدحك بمبلغ طاقته وفرط محبته، فإن رأيت أعزك الله أن تقرأ رقعته، وليكن شعره فعلت إن شاء الله، وصلى الله على محمد نبيه والسلام كثيراً، وفي هذا الباب استعارة وتعقيد أيضاً على بغضه كما ترى.
وكتب الحسن بن وهب إلى صديق له استزاره: لما أذن الله في النهوض إليك أحدث القدر ما لم أكن أحتسبه من شغل يعم قلبي، فلا أجد بقية تتذوقك فكرهت أن آتيك على هذه الحال، فيكون نظري إليك حسرة يجلجلها الضمير؛ إذ كان الشغل حاجبًا على استقصائك بكنهك.
وللحكم بن قنبر "من البسيط":
فلا تسدوا فما لي غيركم أملعلى علي بالصد مجرى ريح آمالي
وقلت لسليمان الطبيب: كم آكل من الرطب؟ فقال: سبعين؛ يعني: أربع عشرة رطبة. وممن أساء في هذا المعنى العلوي الكوفي؛ حيث يقول "من البسيط":
أشكو إلى الله قلبا ولو كحلت بهعينيك لاكتحلت من حره بدم
وقال آخر "من الطويل":
نعم منك كانت مثل لا إذ بلوتهافما لنعم عندي على لاء من فضل
انتهت أبواب البديع الخمسة:
قد قدمنا أبواب البديع الخمسة وكمل عندنا، وكأنى بالمعاند المغرم بالاعتراض على الفضائل قد قال: البديع أكثر من هذا [أ] وقال: البديع باب أو بابان من الفنون الخمسة التي قدمناها، فيقل من يحكم عليه؛ لأن البديع اسم موضوع لفنون من الشعر، يذكرها الشعراء ونقاد المتأدبين منهم، فأما العلماء باللغة والشعر
القديم فلا يعرفون هذا الاسم ولا يدرون ما هو، وما جمع فنون البديع، ولا سبقني إليه أحد، وألفته سنة أربع وسبعين ومائتين، وأول من نسخه مني علي بن هارون بن يحيى بن أبي المنصور المنجم.
النص من طبعة دار الجيل (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف دراسة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع