من «البديع» لابن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
الباب الثاني من البديع وهو التجنيس
وهو أن تجيء الكلمة تُجانس أُخرى في بيت شعر وكلام، ومجانستها لها أن تشبهها في تأليف حروفها على السبيل الذي ألف الأصمعي كتاب الأجناس عليها.
وقال الخليل: الجنسُ لكل ضرب من الناس والطير والعروض والنحو، فمنه:
ما تكون الكلمة تُجانس أخرى في تأليف حروفها ومعناها ويشتق منها، مثل قول الشاعر "من الكامل":
يوم خلجت على الخليج نفوسهم
أو يكون تُجانِسها في تأليف الحروف دون المعنى مثل قول الشاعر "من البسيط":
إن لوم العاشق اللُّوم
قال الله تعالى: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقال سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾. وقال رسول الله ﷺ: "عصية عصت الله، وغفار غفر الله لها". وقال: "الظلم ظلمات". وقال معاوية لابن عباس ﵀: "ما لكم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم؟ "فقال": كما تصابون في بصائركم" ويقال: ان عقيل بن أبي طالب تكلم بذلك. وقال أبو تمام "من الطويل":
جلا ظلمات الظلم عن وجه أمةأضاء لها من كوكب الحق آفله
وسرقه من قول النبي ﷺ الذي تقدم. وقال القطامي "من الوافر":
ولما ردها في الشول شالتبذيال يكون لها لفاعا
ويروى في بعض الحديث عن عمر ﵁ أنه قال: "هاجروا ولا تهجروا".
وقال محمد بن كناسة "من الطويل":
وسميته يحيى ليحيا ولم يكنإلى رد أمر الله فيه سبيل
تيممت في الفأل حين رزقتهولم أدرِ أن الفألَ فيه يفيل
وقال جرير "من الطويل":
فما زال معقولاً عقال عن الندىوما زال محبوساً عن المجد حابس
وقال ذو الرمة "من الطويل":
كأن البرى والعاج عيجت متونهعلى عشر يرمى به السيل أبطح
وقال زياد الأعجم "من الطويل":
ونبئتهم يستنصرون بكاهلوللؤم منهم كاهل وسنام
وفي هذا البيت تجنيس واستعارة. وقال رجل من بني عبس "من البسيط":
أبلغ لديك بني سعد مغلغلةإن الذي بيننا قد مات أو دنفا
وذاكم أن ذل الجار حالفكموأن أنفكم لا يعرف الأنفا
وقال مسكين الدارمي "من البسيط":
وأقطع الخرق بالخرقاء لاهيةإذا الكواكب كانت في الدجى سرجا
وقال حيان بن ربيعة الطائي "من الوافر":
لقد علم القبائل أن قوميلهم حد إذا لبس الحديد
وقال النعمان بن بشير لمعاوية "من الطويل":
ألم تبتدركم يوم بدر سيوفناوليلك عما ناب قومك نائم
وقال الكميت "من الطويل":
ونحن طمحنا لامرئ القيس بعدمارجا الملك بالطماح نكباً على نكب
وأخذه من قول امرئ القيس "من الطويل":
لقد طمح الطماح من بعد أرضهليلبسني من دائه ما تلبسا
وقال الفرزدق "من الطويل":
خفاف أخف الله عنه سحابةوأوسعه من كل ساف وحاصب
وقال أوس بن حجر يصف وادياً وموضعاً "من البسيط":
لكن بفرتاج فالخلصاء أنت بهافحنبل فعلى سراء مسرور
وقال زهير بن أبي سُلمى "من البسيط":
كأن عيني وقد سال السليل بهموجيرة ما هم لو أنهم أمم
وقال الكميت "من الطويل":
فقل لجذام قد جذمتم وسيلةإلينا كمختار الرداف على الرحل
وقال الأرقط "من الرجز":
مرتجز في عارض عريض
وحدثني العنزي قال: حدثني عمر بن عبيدة قال: حدثني الوليد بن
هشام قال: مر عامر بن عبد الله بن الزبير بحسن بن حسن بمر قال: نزلت بمر فمرر عليك عيشك، فقال: بل نزلت في مر في حال طاب لي أكله إذ أنت متلوث في أدناس بني أمية. وقال أعرابي وذكر عباداً: ما تراهم إلا في وجه وجيه.
المحدثون: كتب أبو العيناء إلى ابن مكرم في بعض ما يذمه وأخاه وكيف أظهرتم حب النساء وبكم عرق النسا، وكيف تقدمتم المهور مع حاجتكم إلى الذكور. قال الطائي "من البسيط":
ويوم أرشق والهيجاء قد رشقتمن المنية رشقاً وابلاً قصفا
وقال "من الطويل":
إذا ألجمت يوماً لجيم وحولهابنو الحصن نجل المحصنات النجائب
فإن المنايا والصوارم والقناأقاربكم في الروع دون الأقارب
وقال "من الخفيف":
فاض فيض الأتي حتى غدا الموسم من فضل سيبه موسوماً
وقال "من الخفيف":
سعدت غربة النوى بسعادفهي طوع الاتهام والإنجاد
وهذا من الأبيات الملاح، ثم مدح فيها فقال "من الخفيف":
عاتق معتق من الهون إلامن مقاساة مغرم أو نجاد
للحمالات والحمائل فيهكلحوب الموارد الأعداد
كادت المكرمات تنهد لولاأنها أيدت بحي إياد
ملائك الأحساب أي حياةوحياة أزمة وحية وادي
وقال سعيد بن حميد "من الكامل":
طلعت أوائل الرياض فبشرتنور الربيع بجدة وشباب
وغدا السحاب يكاد يسحب في الرباأذيال أسحم حالك الجلباب
وترى السماء إذا أسف ربابهاوكأنها كسيت جناح غراب
وترى الغصون إذا الرياح تنفستملتفعة كتعانق الأحباب
تبكي لتضحك نورهن فيا لهضحكاً تكشف عن بكاء سحاب
أردنا قوله: "وغدا السحاب يكاد يسحب". وقال مسلم بن الوليد "من الكامل":
دار الغواني بدلت أطلالهاحور المها وشوادن الغزلان
لعبت بها حتى محت آثارهاريحان رائحتان باكرتان
وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير في المطر "من الطويل":
وعلا لغاط فبات يلغط سيلهويعج في لبب الرغام ويصخب
جمع في هذا البيت التجنيس والاستعارة. وقال الطائي "من الكامل":
راحت لأربعك الرياح مريضةوأصاب مغناك الغمام الصيب
وقدم في بعض المجالس إلى صديق لنا بخور، فقال له غلام صاحب المنزل: "تبخر فإنه ند، فلما ألقاه على النار لم يستطبه فقال: هذا ند عن الند". وقال بعضهم في "البسيط":
لا تصغ للوم إن اللوم تضليلواشرب ففي الشرب للإخوان تعليل
فقد مضى القيظ واحتثت رواحلهوطابت الراح لما آل أيلول
لم يبق في الأرض نبت يشتكي مرهاًإلا وناظره بالطل مكحول
وقال أبو محمد اليزيدي للأصمعي "من المتقارب":
وما أنت هل أنت إلا امرؤإذا صح أصلك من باهلة
وللباهلي على خبزهكتاب لآكله الآكله
وقال أبو العباس: وكتب إلى بعض الإخوان: "قد رخصت الضرورة في الإلحاح، وأرجو أن تحسن النظر كما أحسنت الانتظار". وقال إسحاق بن ابراهيم الموصلي: نزل بأبي دلامة أضياف له فغداهم ثم بعث إلى سندية نباذة يقال لها: دوم، وأرسل إليها بجرة، فوجهت إليه، فشربوها، ثم أعاد فبعثت بأخرى، وجاءت تقتضيه الثمن، فقال: ليس عندي ما أعطيك، ولكن أدعو لك، فقال "من الوافر":
ألا يا دوم دام لك النعيموأحمرُ ملء كفك مستقيم
شديد الأصل بنبض حالباهقوى فوقه فهر عظيم
يقويه الشباب ويزدهيهوينفخ فيه شيطان رجيم
وقال مسلم بن الوليد "من البسيط":
يا صاح إن أخاك الصب مهمومفارفق به إن لوم العاشق اللوم
وقال أيضاً "من البسيط":
تورى بزندك أو تسعى بجدك أوتفرى بحدك كل غير محدود
وقال بعضهم يصف السحاب "من الخفيف":
نسجته الجنوب وهي صناعوترقى كأنه حبشي
وقرى كل قرية كان يقرؤها قرىً لا يجف منه القرى
وقال آخر "من الكامل":
وقالت فراسة من يطور بمشبلورد وتزعم أنه لا يفرس
وقال أبو يعقوب إسحاق بن حسان الخريمي "من الكامل":
يوم خلجت على الخليج نفوسهمغضباً وأنت بمثلها مستام
وقلت من الكامل:
يا دار أين ظباؤك اللعسقد كان لي في إنسها أنس
أين البدور على غصون نقامن تحتهن خلاخل خرس
وقال أبو نواس "من الكامل":
تدع المطي أمامها وكأنهاصفت تقدمهن وهي إمام
وقال والبة بن الحباب يرثي أخاً له "من المنسرح":
أمسيت في حفرة ببلقعةجاورها في محلها حفر
وكنت لي مألفاً إذا نفرمن بعض إخوان ودهم نفروا
وقال البحتري "من البسيط":
لولا علي بن مر لاستمر بناخلق من العيش فيه الصاب والصبر
برد الحشا وهجير الروع محتفلومسعر، وشهاب الحرب مستعر
ألوي إذا شابك الأعداء كدهمحتى يروح وفي أظفاره ظفر
جافى المضاجع ما ينفك في لجبيكاد يقمر من لألائه القمر
وقال أيضاً "من الكامل":
ورمى بثغرته الثغور فسدهاطلق اليدين مؤملاً مرهوباً
وقال أيضاً "من الطويل":
حيا الأرض ألقت فوقه الأرض ثقلهاوهول الأعادي حوله الترب هائل
ستبكيه عين لا ترى الجود بعدهإذا فاض منها هامل عاد هامل
وقال أبو تمام "من الكامل":
وله إذا خلق التخلق أو نباخلق كروض الحزن أو هو أخصب
وأنشد العتبي "من الكامل":
دنس القميص غليظهمن غير لحمته سداه
وشعار من شعرهفكأنه من مسك شاه
ويقال: إن عبد الله بن إدريس سئل عن النبيذ فقال: جل أمره عنه المسألة، أجمع أهل الحرمين على تحريمه، ولم يقصده فيما أظن، ولكن كما تهيأ له في الكلام.
ومن التجنيس المعيب في الكلام والشعر قول بعض المحدثين، وهو منصور بن الفرج "من المتقارب":
أكابد منك أليم الألمفقد أنحل الجسم بعد الجسم
وقال أيضاً "من الكامل":
إن كان يوم صائراً لمنيةإلفاً فيوم تفرق الإلفين
وقال آخر "من البسيط":
كم رأس راس بكى من غير مقلتهدماً وتحسبه بالقاع مبتسماً
وهذا أيضاً يدخل في باب المطابقة. وقال أيضاً بعض المحدثين يعرف بالبندنيجي يمدح عبيد الله بن عبد الله بن طاهر "من البسيط":
هي الجآذر إلا أنها حوركأنها صور لكنها صور
نور الحجال ولكن من معايبهاإذا طلبت هواها إنها نور
غيداء لو بل طرف البابلي بهالارتد وهو بغير السحر مسحور
إن الرواح حكى روح العراق لناأصلاً وقد فصلت من مكة العير
تشكي العقوق وقد عق العقيق لهاوأرض عروة من بطحان فالنير
يحتثها كل زوال دأبه دأبمن طول شوق وهجيراه تهجير
مقورة الآل من خوض الفلات إذاما اعتم بالآل من أرْجائها القور
وقال أبو تمام "من الكامل":
ذهبت بمذهبه السماحة فالتوتفيه الظنون أمذهب أم مذهب
وقال "من البسيط":
أحطت بالحزم حيزوماً أخا هِمَمكشاف طخياء لا ضيقاً ولا حرجا
وقال البهروي في طاهر بن الحسين "من البسيط":
ولو رأى هرم معشار نائلهلقيل في هرم قد جن أو هرما
النص من طبعة دار الجيل (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف دراسة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع