من «البديع» لابن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
الباب الأول من البديع وهو الاستعارة
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. وقال: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾. وقال:
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾. وقال: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. وقال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾.
الأحاديث: فأما أحاديث النبي ﷺ فقوله: "خير الناس رجل ممسك بعِنَانِ فرسه في سبيل الله، كلما سمع هيعة طار إليها". وقوله: "ضموا ماشيتكم حتى تذهب فحمة العشاء". وقوله: "إنا لا نقبل زبد المشركين" أي: رفدهم. وقال ﷺ: "رب تقبل توبتي واغسل حوبتي". وقال ﷺ: "غلب عليكم داء الأمم الذين من قبلكم: الحسد والبغضاء، وهي الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر".
كلام الصحابة: قال علي بن أبي طالب ﵁ في كتابه إلى ابن عباس وهو عامله على البصرة في بعض كلامه: "أرغِب راغبهم واحلل عُقد الخوف عنهم". وسُئل عن تغيير الشيب وما رُوي في ذلك عن النبي ﷺ في قوله: "غيِّروا الشيب ولا تشبهوا باليهود". فقال علي ﵁: "إنما قال ذلك والدين في قُلٍ، فأما وقد اتسع نطاق الإسلام فكل امرئ وما اختار لنفسه". وقال أبوبكر الصديق ﵁ وذكر الملوك فقال: "إن الملوك إذا ملك أحدهم زهّده الله في ماله، ورغّبه في مال غيره، وأشرب قلبه الإشفاق
وهو يحسد على القليل، ويتسخط على الكثير، جذلُ الظاهر، حزين الباطن، فإذا وجبت نفسهُ ونضب عمره وضحاً ظلّه [حاسبه الله ﷿] فأشد حسابه وأقل غفره"، أراد من هذا نضب عمره، وهو الاستعارة.
ورووا أن علياً ﵁ سأل كبير فارس عن أحمد سير ملوكهم عندهم فقال: لأردشير فضيلة السبق غير أن أحمدهم سيرة أنوشروان، قال: فأي أخلاقه كان أغلب "عليه"؟ قال: الحِلْم والأناة، قال علي ﵁: هما توءمان ينتجهما علو الهمة.
وقال علي ﵁: "العلم قفل مفتاحه السؤال".
ورووا أن علياً ﵁ قال لبعض الخوارج في حديث طويل: "والله ما عُرفْتَ حتى نعرَ الباطل فنجمت نجوم قرن الماعزة" أردنا قوله: نعر الباطل.
ورووا أن عمر ﵁ لما حصّب المسجد قال له رجل: لِمَ فعلت ذلك؟ قال: هو أغفرُ للنخامة.
وقال الشعبيّ: "كتب خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس عند مقدمه العراق: أما بعد، فالحمد لله الذي فض خدمتكم
وفرَّق كلمتكم. الخدمة: الحلقة المستديرة، ومنه قيل للخلاخيل: خدام، قال الشاعر "من المتقارب":
وتُبْدي لذاك العذارى الخِداما
وسُئلت عائشة ﵂: هل كان النبي ﷺ يفضل بعض الأيام على بعض؟ قالت: كانت عمله ديمة؛ أي: دائماً.
ولما قتل عثمان ﵁ قال أبو موسى: هذه حيصة من حيصات من حيصات الفتن، بقيت المثقلة الرداح.
وقال الحجاج يوماً في حديث ذكره الشعبي: دلوني على رجل سمين الأمانة.
ولما عقدت الخوارج الرياسة لعبد الله بن وهب الراسبي أرادوه على الكلام فقال: لا خير في الرأي الفطير والكلام القضيب، فلما فرغوا من البيعة له قال: دعوا الرأي يغب؛ فإن غبوبه يكشف لكم عن فصة.
وقال بعض الصالحين في ذمة الدنيا: "دار غرست فيها الأحزان، وسكنها الشيطان، وذمَّها الرحمن،
وعوقب بها الإنسان. وكان يقال: رأس المآثم الكذب، وعمود الكذب البهتان. وقال ابراهيم النخعي: الفكر مخ العمل. وقيل لأعرابي: إنك لحسن الكدنة، قال: ذلك عنوان نعمة الله عندي. ووصف أعرابي قوماً فقال: كانوا إذا اصطفوا سفرت بينهم السهام، وإذا تصافحوا بالسيوف قعد الحمام.
وقال أكثم: الحلم دعامة العقل. وسُئل آخر عن البلاغة فقال: دنو المآخذ، ونزع الحجة، وقليل من كثير.
وقال خالد بن صفوان لرجل: رحم الله أباك؛ فإنه كان يقرى العين جمالاً والأذن بياناً. وسئل أعرابي عن صديق له فقال: صفرت عياب الود بيني وبينه بعد امتلائها، واكفهرت وجوه كانت بمائها. وذكر أعرابي رجلاً فقال: إن الناس يأكلون أماناتهم لقماً وفلان يحسوها حسواً. وقيل لأعرابية: أين بلغتْ قِدْرك؟ فقالت: حين قام خطيبها. وقال بعضهم: من ركب ظهر الباطل نزل دار الندامة. وقيل
لأعرابي: كم أهلك؟ قال: أب وأم وثلاثة أولاد، أنا سبيل عيشهم. وقيل لرؤبة: كيف خلَّفت ما رواءك؟ قال: المراد يابس والمال عابس.
ومن الاستعارة قول امرئ القيس "من الطويل":
وليل كموج البحر أرخى سدولهعليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطَّى بصلبهوأردف أعجازاً وناء بكلكل
هذا كله من الاستعارة؛ لأن الليل لا صلب له ولا عجز، وقال "من الطويل:
يضيء سناه أو مصابيح راهبأمال السليط بالذبال المفتل
أردنا من البيت قول: "أمال السليط". وقال زهير "من الطويل":
إذا لقحت حرب عوان مضرةضروس تهر الناس أنيابها عصل
تهر: أي تحملهم على أن يكرهوا، يقال: هرّ فلان كذا إذا كرهه، وأهررته أنا: حملته عليه، وهرير الكلب صوت يردده إلى جوفه إذا كره الشيء أو الشتاء لشدّة البرد أو لغيره، وقال أبو سعيد: القول تهر ومن قال: تهر الناس أراد أنها أساءت أخلاقهم لشدتها، وتهر كأنها تنبح في وجوههم. وقال أيضاً "من الطويل":
صحا القلب عن سلمى واقصر باطلهوعرى أفراس الصبا ورواحله
وقال أيضاً "من الوافر":
إذا سدت به لهوات ثغريشار إليه جانبه سقيم
وقال النابغة "من الطويل":
وصدر أراح الليل عازب همهتضاعف فيه الحزن من كل جانب
أراد قوله: أراح الليل عازب همه، هذا مستعار من إراحة الراعي الإبل إلى مباءتها: أي موضع تأوي إليه. وقال أيضاً "من الطويل":
على أن حجليها إذا قلت أوسعاصموتان من ملء وقلة منطق
وقال الأعشى "من الكامل":
إذ لمتى سوداء أتبع ظلهاغزلاً قعود بطالة أمشى ددا
وقال أيضاً "من الطويل":
سما لابن هر في العثار بطعنةتفور على سرباله نعراتها
وقال أيضاً "من الوافر":
فإن الحرب أمسى فحــلها في الناس مغتلما
وقال أوس بن حجر "من الطويل":
وإني امرؤ أعددت للحرب بعدمارأيت لها نابًا منالشر أعصلا
وقال عنترة بن معاوية العبسي "من الكامل":
جادت عليه كل بكر حرةفتركن كل قرارة كالدرهم
البكر: أول السحاب، أراد أنها لم تمطر قبل ذلك.
وقال مهلهل "من الكامل":
تلقى فوارس تغلب ابنة وائليستطعمون الموت كل همام
وقال الأفوه الأودى "من الرمل":
ملكنا ملك لقاح أولوأبونا من بني أود خيار
قال أبو سعيد: اللقاح من العرب الذين لا يدينون للملوك، وهو مأخوذ من لقاح الإبل؛ أي: هم مستغنون بما عندهم من العز عن غيرهم. وقال علقمة بن عبدة "من البسيط":
بل كل قوم وإن عزوا وإن كرمواعرفهم بأثافي الشر مرجوم
وقال المسيب بن علس "من المتقارب":
وإنهم قد دعوا دعوةيتبعها ذنب أهلب
وقال الأسود بن يعفر "من الوافر":
فأدِّ حقوق قومك واجتنبهمولا يطمح بك العز الفطير
قال أبو سعيد: أراد عزاً ليس بالمحكم، كما أن الفطير من العجين ليس بمستحكم، والفطير في غير ذا: الجلد الذي لم يدبغ. وقال طفيل "من الكامل":
وجعلت كوري فوق ناجيةيقتات شحم سنامها الرحل
وقال أيضاً "من الطويل":
جذت حول أطناب البيوت وسوفتمراداً فإن تقرع عصا الحرب تركب
سوفت: شمت. مرادها: الموضع الذي ترود فيه. وقال الحارث بن حلزة "من الكامل":
حتى إذا التفع الظباء بأطرافالظلال وقلن في الكنس
قال أبو سعيد: التفع من اللفاع وهو اللحاف الذي يلتفع به ثم صار كل ثوب
يجلل به الإنسان لفاعًا. وقال عمرو بن كلثوم "من الطويل":
ألا ابلغ النعمان عني رسالةفمجدك حولي ولؤمك قارح
وقال النابغة الجعدي "من المتقارب":
إذا أغلق الأمر أبوابهوعىّ ذوو الحزم بالمذهب
علا بهم لجة مهلكاًوإن يطف أصحابه يرسب
وقال الحطيئة "من الطويل":
ألا من لقب عارم النظراتيقطع طول الليل بالزفرات
وقال أبو ذؤيب الهذلي "من الكامل":
وإذا المنية أنشبت أظفارهاألفيت كل تميمة لا تنفع
وقال أبو خرش الهذلي "من الطويل":
أراد شجاع البطن قد تعلمينهوأوثر غيري من عيالك بالطعم
وقال لبيد "من الكامل":
فبتلك إذا رقص اللوامع بالضحىواجتاب أردية السراب إكامها
وقال أيضاً "من الكامل":
وغداة ريح قد كشفت وقرةإذا أصبحت بيد الشمال زمامها
وقال أوس بن مغراء يهجو بني عامر "من الطويل":
يشيب على لؤم الفعال كبيرهاويغذى بثدي اللؤم فيها وليدها
وقال مزرد "من الطويل":
عسوف السرى خبازة في عشائهارءوس الأفاعي بين خف ومنسم
هو ضربها بيدها، ومنه أخذ الخبز لإلصاقه بالتنور. وقال الأخطل "من الطويل":
وأهجر هجراناً جميلاً وينتحىلنا من ليالينا الأوائل أول
وقال جرير "من الطويل":
لحقت وأصحابي على كل حرةمروح تباري الأخنسي المكاريا
وقال المرار الفقعسي "من البسيط":
والقوم قد طلحوا والعيس رازحةكأن أعينها نزح القوارير
وقال الفرزدق "من الطويل":
ليغمز عزاً قد عسا عظم رأسهقراسية كالفحل يصرف بازله
ومن البديع والاستعارة من كلام المحدثين وأشعارهم قول مالك بن دينار:
القلب إذا لم يكن فيه فكرة خرب. ورأى المأمون بعض ولده في يده دفتر فقال: ما هذا يا بني؟ فقال: بعض ما يشحذ الفطنة ويؤنس في الوَحْدَة، فقال المأمون: الحمد لله الذي أراني من ذريتي من ينظر بعين عقله.
وقال المنصور لمحمد بن عمران التيمي قاضي المدينة: بلغني أنك بخيل، قال: والله ما أجمد في حق ولا أذوب في باطل. وقال إسحاق بن ابراهيم الموصلي: حدثني أبو دلف قال: دخلت على الرشيد وهو في طارمة، وإذا بباب الطارمة شيخ جليل على طنفسة، فلما سلمت قال لي الرشيد: كيف أرضك؟ قلت: خراب يباب، خربها الأعراب والأكراد، فقال قائل: هذا آفة الجبل هو أفسده، فقلت: فأنا أصلحه، فقال الرشيد: وكيف ذاك؟ قلت: أفسدته وأنت عليَّ فأصلحه وأنت معي، فقال الشيخ
إن همته لترمي به من وراء نسه مرمى بعيداً، فسألت عنه فقيل لي: العباس بن الحسن العلوي. ووقع بين أحمد بن يوسف وبين رجل شر بين يدي المأمون، فقال أحمد للمأمون: قد -والله- رأيته يا أمير المؤمنين يستملي عن عينيك ما يلفاني به. وقال الرشيد وقد أنشده النمري "من البسيط":
ما كنتُ أوفي شبابي كنه غرتهحتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
وما خير الدنيا لا يخطر فيها برداء الشباب. وكتب خالد بن برمك إلى ابنه يحيى لعمرو بن عثمان التيمي: عافانا الله وإياك من السوء برحمته، قد عرفت حال عمرو بن عثمان التيمي، وتقادم وده، وانخراطه في سلكنا، فتول
من أمره ما يشبهك أو يشبهه، فأمر له يحيى بألف ألف درهم. وقال إسحاق: قلت للعباس بن الحسن: إني لأحبك، فقال: رائد ذاك معي، وذكر له رجلًا فقال: دعني أتذوَّق فراقه، فهو والله لا تشجي به النفس، ولا تكثر في أثره الالتفات. وكتبت إلى بعضهم: إنما قلبي نجى ذكرك ولساني خادم شكرك.
وكتبت في بعض الكتاب: قد طالت علتك أو تعالك واشتد شوقنا إليك فعافاك الله مما بك من مرض في بدنك أو إخائك ولا أعدمناك. وقال عبد الله بن إدريس قال: كان لي جار معتوه فقلت له يوماً: ما أجود الشعر؟ فقال: ما لم يحجبه عن القلب شيء، انظر إلى قوله "من الطويل":
ألا أيها النيام ويحكمو هبوا
وأنشده بصوت جهير، ثم قال: أعرابي استأذن على القلب فلم يؤذن له، ثم أنشد "من الطويل":
أسائلكم هل يقتل الرجل الحب
بصوت لين، ثم قال: هذا مخنث استأذن على القلب فأذن له. وقال أبو عبد الله الزبيري: ما سمع النبي ﷺ أحداً يحمد الله إلا جاذبه الحمد. وقال عمر بن عبد العزيز: وجبت حجة الله على ابن الأربعين، وأنشد "من الطويل":
إذا المرء وفى الأربعين ولم يكنله دون ما يأتي حياء ولا ستر
فدعه ولا تنفس عليه الذي مضىوإن مد أسباب الحياة له العمر
يقال: نفست بالشيء على فلان أنفس: إذا بخلت به عليه. وكان رجل من أهل أدب له أصحاب يشرب معهم وينادمهم فدعوه فلم يجبهم فقالوا: ما منعك؟ قال: دخلت البارحة في الأربعين، وأنا استحي من سني. وحج المهدي فمر ببلاد بني جعفر، فقالت امرأة منهم: أي شرف وجمال لو أن الله دعمه بأم جعفرية. وقال يحيى بن خالد: العقل خادم للجهل. وقال بعضهم في رسالة: وحصن الله وليه، وأوقع بأسه بجرثومة الضلال، ومناخ الشرك،
ومركز الظلم، بعد طول الإملاء، وقلة المراقبة والارعواء. وقال آخر: الاستطالة لسان الجهالة. وقال ذو الرياستين: الطب استدامة الصحة، ومرمة السقم.
وكتب ابن مكرم في تعزيته أحمد بن دينار بأخيه: ليس لأهله وولده مرجع إلا غيرك، ولا مقيل إلا في ظلك، فأنشدك الله فيهم؛ فإنه خربهم بعمارة مروّته. ولإبراهيم بن العباس في بعض كتبه: إن أحق من أشاد بنعمة، ناطقاً بلسان شكرها، من ألبس من نعمة أعز ملابسها، وحبى أفضل مواهبها، كتبت إليك وأمير المؤمنين من لين الطاعة، واتساق الكلمة، ممن في بلدانه وحواشي سلطانه، على ما يحمد الله عليه ويستزيده منه. وقال يحيى بن خالد: الشكر كفاء النعمة، ولبعضهم: فأتيتك حين أنفد الصبر مدته، وبلغ المكروه غايته، ولم يبقَ من الستر إلا ما يشف دونه. ولبعضهم في رسالة:
إن شدة الحجاب تنغل أديم المودة. ودخل أبو سعيد المخزومي على إسحاق بن ابراهيم المصعبي فأنشده قصيدة، وكان حسن الإنشاد، ثم دخل بعده الطائي فأنشده، وكان رديء الإنشاد، فقال المصعبي للطائي: لو رأيت المخزومي أنشدنا آنفاً!! فقال الطائي: أيها الأمير، نشيد المخزومي يطرق بين يدي نشيدي. وحدثني أبو عبد الله قال: قال الحسن بن سهل: خرير الماء لحن العمارة. ولأعرابي في البرق "من الطويل":
إذا شيم أنف الليل أومض وسطهسناً كابتسام العامرية شاعف
وقال أبو نواس "من الكامل":
صهباء تفترس العقول فما ترىمنها بهنّ سوى السبات جراحا
وقال آخر "من الكامل":
أما الطلول فمخبرات أنهم ظعنوا قريبا
أخذتني الأحزان حيــن وقفت فيها والكروبا
فتركن في قلبي الندوباوزرعن في رأسي المشيبا
وقال أبو الشيص "من الخفيف":
ربع دار مدرس العرصاتوطلول ممحوة الآيات
خفق الدهر فوقها بجناحيــن مريشين بالبلى والشتات
وقال سليمان بن أبي الجنوب بن مَرْوان بن أبي حفصة "من الكامل":
يتبعن جاهلة الزمام كأنهاإحدى القناطر وهي حرف ضامر
وقال أبو نواس "من الكامل":
في مجلس ضحك السرور بهعن ناجذيه وحلت الخمر
وقال مسلم "من الطويل":
فأقسمت أنسى الداعيات إلى الصباوقد فاجأتها العين والستر واقع
قطفت بأيديها ثمار نحورهاكأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع
وقال أشجع "من الطويل":
وجارية لم تسرق الشمس نظرةإليها، ولم يعبث بأيامها الدهر
وقال العتابي "من الطويل":
ومعضلة قام الربيع إزاءهاليعمد ركن الدين لما تهدما
غداة عدة الملك شاحذة المدىعليه وغلو الحرب فاغرة فما
وقال "من البسيط":
إن البرامك لا تنفك أنجيةبصفحة الدين من نجواهم ندب
تجرمت حجج عشر ومنصلهممضرج بدم الإسلام مختضب
وقال "من الطويل":
ومن فوق أكوار المطايا لبانةأحل لها أكل الذرى والغوارب
فتى ظفرت منه الليالي بزلةٍفأقلعْن عنه داميات المخالب
وقال "من الكامل":
ناهضتُّ بالحسنِ بن عمران العلاوتنبهت لذكائه آمالي
سكتاته عدة وفي نطقاتهتفريق بين قرائن الأموال
لما لجأت إلى ذراك وأشرفتعنق من الحدثان قلت نزال
وقال النمري للرشيد "من الوافر":
مننت علي ابن عبد الله يحيىوكان من الحتوف على شفير
وقد سخطت بسخطتك المنايافظلت وهي حائمة النسور
لهم رخم تصوركم عليهموتكسر عنكم حمة النكير
وقال يصف بغداد "من البسيط":
تحيا النفوس إذا أرواحها نفحتوحرشت بين أوراق الرياحين
وقال العباس بن الأحنف "من البسيط":
قد سحب الناس أذيال الظنون بناوفرق الناس فينا قولهم فرقا
فكاذب قد رمى بالظن غيركموصادق ليس يدري أنه صدقاً
وقال محمود الوراق "من الوافر":
أإن ناصى سواد الرأس شيبفزعت إلى التعلل بالخضاب
ألم تعلم وفرط الجهل أولىبمثلك أنه كفن الشباب
وقال أشجع من "الطويل":
تعض بأنياب المنايا سيوفهوتشرب من أخلاف كل وريد
وقال بشّار "من الكامل":
تبعث عطاياه مواهبهكالسيل متبعاً قفا مطره
وقال "من المتقارب":
صببت هواك على قلبهفضاق وأعلن ما قد كُتم
وبيضاء يضحك ماء الشباب في وجهها لك أو يبتسم
ألا أيها السائلي جاهلاًليعرفني أنا أنف الكرم
نمت في الكرام بني عامرفروعي وأصلي قريش العجم
وقال "من الوافر":
شربنا من فؤاد الدن حتىتركنا الدن ليس له فؤاد
وقال محمد بن احمد من ولد طباطبا العلوي الإصفهاني "من المنسرح":
رُبَّ نهار أمست أصائلهترشف من شمسه صبابات
وقال محمد بن يزيد -من ولد مسلمة بن عبد الملك- يصف فرسه "من الكامل":
عودته فيما أزور حبائبيإهماله وكذاك كل مخاطر
فإذا احتبى قربوسه بعِنَانهعلك الشكيم إلى انصراف الزائر
وقال أبو العتاهية "من المديد":
راكب الأيام يجري عليهاوله منهن يوم حرون
وقال أبو نواس السابق في ميدان الشعراء "من الرجز":
يغتال خزان الصحارى الرقطا
يلقين منه حاكماً مُشتطا
للعظم حطماً والأديم عطا
وقال "من الكامل":
عرم الزمان على الذين عهدتهمبك قاطنين وللزمان عرام
وقال "من الخفيف":
إسقني الراح في شباب النهاروانف همي بالخدريس العقار
فكأن الربيع يجلو عروساًوكأنَّا من قطره في نثار
وقال أبو الشيص "من الطويل":
سقاني بها والليل قد شاب رأسهغزال بحناء الزجاجة مختضب
وقال الخريمي يذكر الإبل "من الطويل":
وكم خبطت من فحمة لدُجُنةوحمرة وهاج من الصيف جاحم
وقال أبو نواس "من الكامل":
عين الخليفة بي موكلةعقد الحذار بطرفها طرفي
صحت علانيتي له وأرىدين الضمير له على حرف
فلئن وعدتك تركها عدةإني عليك لخائف خلفي
سلبوا قناع الطين عن رمقحي الحياة مشارف الحتف
فتنفست في البيت إذ مُزجتكتنفس الريحان في الأنف
وقال في الفرس "من الكامل":
يبني العجاج على مفارقهبمقعب لم يعد أن وقحا
وقال العلوي الإصفهاني ابن طباطبا "من الخفيف":
صدف شق على لآلئ درأم كتاب قد فض عن نظم شعر؟
وقواف مقومات لدى الأبيــات موزونة بقسطاس فكر
وقال الطائي "من الكامل":
مطر يذوب الصحو منه وبعدهصحو يكاد من النضارة يمطر
وقال "من البسيط":
أمطرتهم عزمات لو رميت بهايوم الكريهة ركن الدهر لانهدما
حتى انتهكت بحد السيف هامهمجزاء ما انتهكوا من قبلك الحرما
وقال يخاطب منزلاً "من الكامل":
يا منزلاً أعطى الحوادث حكمهالا مطل في عدة ولا تسويفا
أرسى بناديك الندى وتنفستنفساً بعقوتك الرياح ضعيفا
ولئن ثوى بك ملقيًا بجرانهضيف الخطوب لقد أصاب مضيفا
المعنى: أنه أصاب موضعاً يضيف إليه فيه أي: يميل إليه؛ لأن أهله قد فارقوه، ومضيف محال؛ لأن البلد لا يضيف، ولأن الزمان لا يحتاج؛ وإنما المعنى أن الزمان مال عليك فأصاب موضع محل ومنزل.
وقال "من الكامل":
يا سهم كيف يفيق من سكر الهوىحران يصبح بالفراق ويغبق
عمري لقد نصح الزمان وإنهلمن العجائب ناصح لا يُشفق
نصح الزمان: أي أدبك بما يريك من غيره واختلافه، والزمان لا يشفق على أحد؛ لأنه يأتي على الإنسان بما يقضي عليه، فقال: "من العجائب أن ينصحك الدهر وهو لا يشفق".
وقال "من الطويل":
كلوا الصبر غضاً واشربوه فإنكمأثرتم بعير الظلم والظلم بارك
من يأتك المقدار لا تك هالكاًولكن زمان غال مثلك هالك
وقال العباس بن الأحنف "من البسيط":
ولي جفون جفاها النوم فاتصلتأعجاز دمع بأعناق الدم والسرب
وهذا وأمثاله من الاستعارة مما عُيب من الشعر والكلام؛ وإنما نخبر بالقليل ليُعرف فيتُجنب.
قال المهلب لرجل من الأزد: متى أنت؟ قال: أكلت من
حياة رسول الله ﷺ سنتين، فقال: أطعمك الله لحمك. وقال عبيد الله بن زياد يوماً وكانت فيه لُكنه: افتحوا سيفي، يريد: سلوه، فقال يزيد بن مفرغ "من الوافر":
ويوم فتحت سيفك من بعيدأضعت وكل أمرك للضياع
وقال عبيد الله أيضاً لسويد بن منجوف: اقعُد على است الأرض، فقال سويد: ما أعلم أن للأرض استاً.
وقال الجاحظ: رأى قوم مع رجل خفًّا فقالوا: ما هذا؟ فقال: قلنسوة، فضحكوا منه، فقال عياض: صدق، هذه قلنسوة الرجل.
وقال بعضهم في يوم مطر شديد: قد انقطع شريان الغمام.
وقال بعض أهل زماننا في مخاطبته لصاحبه: يا إمام الخطباء، ويا عنصر الخلصاء، ومولى الأدباء.
ولعلي بن عاصم العبدي الإصفهاني "من الكامل":
زُم العزاء غداة زم جِمالهمفحدا الحداةُ به مع الأجمال
والحادثات متى فغرن بغُصتيلقمتهنّ شجاً بوخد جمال
وقال آخر "من الطويل":
خطوب المنايا صرحت عن مواهبمواهب أجر من نتاج المصائب
وقال الطائي "من الخفيف":
فضربت الشتاء في أخدعيهضربة غادرته عوداً ركوباً
ومن عجيب هذا الباب قول الكميت "من الطويل":
ولما رأيت الدهر يقلب ظهرهعلى بطنه فعل الممعك في الرمل
كما طعنت عنا قضاعة طعنةهي الجد مأدوم النحيزة بالهزل
النص من طبعة دار الجيل (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف دراسة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع