تجاوز إلى المحتوى

من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)

اجتماع وفود العرب بباب سلامة ذي فائش ليعزوه فِي ابنه وما قالوه فِي التعزية

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنَا عمى، عَنْ أبيه، عَنِ ابن الكلبي، عَنْ أبيه، قَالَ: نشأ لسلامة ذي فائش ابن كأكمل أبناء المقاول، وكان به مسروراً يرشحه لموضعه، فركب ذات يوم فرساً صعباً فكبا به فوقصه، فجزع عليه أبوه جزعاً شديداً وامتنع من الطعام، واحتجب عَنِ الناس، واجتمعت وفود العرب ببابه ليعزوه، فلامه نصحاؤه في إفراط جزعه، فخرج الى الناس فقام خطباؤهم يؤسونه، وكان في القوم الملبب بن عوف بن سلمة بن عمرو بن سلمة الجعفى، وجعادة بن أفلح بن الحارث، وهو جد الجراح بن عبد الله الحكمى صاحب خراسان، فقام الملبب فقَالَ: أيها الملك، إن الدنيا تجود لتسلب، وتعطى لتأخذ، وتجمع لتشتت، وتحلي لتمر، وتزرع الأحزان فِي القلوب، بما تفجأ به من استرداد الموهوب، وكل مصيبة تخطأتك جلل، ما لم تدن الأجل، وتقطع الأمل، وإن حادثاً ألم بك، فاستبد بأقلك وصفح عَنْ أكثرك لمن أجل النعم عليك وقد تناهت إليك أنباء من رزئ فصبر، وأصيب فاغتفر، اذ كان شوى فيما يرتقب ويحذر، فاستشعر اليأس مما فات اذ كان ارتجاعه ممتنعاً، ومرامه مستصعباً، فلشىء ما ضربت الأسى، وفزع أولو الألباب إِلَى حسن العزاء، وقام جعادة،

فقَالَ: أيها الملك، لا تشعر قلبك الجزع عَلَى ما فات، فيغفل ذهنك عَنِ الاستعداد لما يأتي، وناضل عوارض الحزن بالأنفة عَنْ مضاهاة أفعال أهل وهي العقول، فإن العزاء لحزماء الرجال، والجزع لربات الحجال، ولو كان الجزع يردّ فائتاً، أو يحيي تالفاً، لكان فعلاً دنيئاً، فكيف به وهو مجانب لأخلاق ذوي الألباب! فارغب بنفسك أيها الملك عما يتهافت فيه الأرذلون، وصن قدرك عما يركبه المخسوسون، وكن عَلَى ثقةٍ أن طمعك فيما استبدت به الأيام، ضلة كأحلام النيام: المقاول والأقيال: دون الملوك العظماء، ووقصه: كسره، ويؤسونه: يعزونه، وأصله، أن يُقَال: لك أسوة بفلان وفلان، والجلل: الصغير، والجلل: الكبير، وهو من الأضداد، والبدّة: النصيب، واستبد به أي جعله نصيبه، والشوى: الهين اليسير، والشوى أيضاً: رذال المال، والمناضلة: المراماة.

والمضاهاة: المشاكلة، والتهافت: التتابع.

وقرأنا عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد:

حبسن بين رملة وقفوبين نخل هجر الملتف

ثمت أصدرن بغير كفّ

هذه إبل خرجت للميرة فرجعت بغير كفٍّ من طعام

النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأمالي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.