من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
خطبة عمر بن عبد العزيز ﵁
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن عبيد، قَالَ: حَدَّثَنَا الزنادي، قَالَ: يُقَال: إن عمر بن عبد العزيز، ﵀، تكلم بهذا الكلام فِي خطبته: ما الجزع مما لا بد منه، وما الطمع فيما لا يرجى، وما الحيلة فيما سيزول! وإنما الشيء من أصله، فقد مضت قبلنا أصولٌ نحن فروعها، فما بقاء فرعٍ بعد أصله! إنما الناس في الدنيا أغراضٌ تنتضل فيهم المنايا، وهم فيها نهبٌ للمصائب، مع كل جرعة شرقٌ، وفي كل أكلة غصص، لا ينالون نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يعمّر معمر يوماً من عمره إلا بهدم آخر من أجله، وأنتم أعوان الحتوف عَلَى أنفسكم، فأين المهرب مما هو كائن! وإنما نتقلب فِي قدرة الطالب، فما أصغر المصيبة اليوم مع عظيم الفائدة غداً، وأكبر خيبة الخائب فيه! والسلام.
لا رأي لحاقن وما تمثل به عَلَى ﵁ فِي هذا المعنى
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَدِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الرَّبَعِيُّ الْهَاشِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَهْشَلُ بْنُ دَارِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الْحَارِثِ الأَعْوَرِ، قَالَ: سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، عَنْ مَسْأَلَةٍ فَدَخَلَ مُبَادِرًا، ثُمَّ خَرَجَ فِي حِذَاءٍ وَرِدَاءٍ وَهُوَ مُتْبَسِمٌ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ كُنْتَ إِذَا سُئِلْتَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ تَكُونُ فِيهَا كَالسّكَّةِ الْمُحْمَاةِ، قَالَ: إِنِّي كُنْتُ حَاقِنًا وَلا رَأْيَ لِحَاقِنٍ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
إِذَا الْمُشْكِلاتُ تَصَدَّيْنَ لِيكَشَفْتُ حَقَائِقَهَا بِالنَّظَرِ
وَإِنْ بَرَقَتْ فِي مَخْيلِ الصَّوَابِعَمْيَاءَ لا يَجْتَلِيهَا الْبَصَرُ
مُقَنَّعَةً بِغُيُوبِ الأُمُورِوَضَعْتُ عَلَيْهَا صَحِيحَ الْفِكْرِ
لِسَانًا كَشَقْشَقَةِ الأَرْحَبِيِّأَوْ كَالْحُسَامِ الْيَمَانِيِّ الذَّكَرْ
وَقَلْبًا إِذَا اسْتَنْطَقَتْهُ الْفُنُونُأَبَرَّ عَلَيْهَا بِوَاهِ دُرَرْ
وَلَسْتُ بِإِمَّعَةٍ فِي الرِّجَالِيُسَائِلُ هَذَا وَذَا مَا الْخَبَرْ
وَلَكِنَّنِي مُذْرِبُ الأَصْغَرَيْنِأُبَيِّنُ مِمَّا مَضَى مَا غَيَرْ
المخيل: السحاب الذي يخال فيه المطر، والشقشقة: ما يخرجه الفحل من فيه عند هياجه، ومنه قيل لخطباء الرجال: شقاشق
أنشدني أَبُو المياس لتميم بن مقبل:
عاد الأذلة فِي دارٍ وكان بهاهرت الشقاشق ظلاّمون للجزر
وأبرّ: زاد عَلَى ما تستنطقه، والإمعة: الأحمق الذيلا يثبت عَلَى رأي، والمذرب: الحاد، وأصغراه: قلبه ولسانه.
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع