من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
ما جرى بين عبد الملك بن مروان وأهل سمره من إنشاد كل منهم
أحسن ما قيل فِي الشعر وإنشاده هو شعر معن بن أوس الذي أوله: وذي رحم قلمت أظفار ضغنه
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنْ أبى عبيدة، قَالَ: كان عبد الملك بن مروان ذات ليلة فِي سمره مع ولده وأهل بيته وخاصته، فقَالَ لهم: ليقل كل واحد منكم أحسن ما قيل فِي الشعر، وليفضل من رأى تفضيله، فأنشدوا وفضلوا، فقَالَ بعضهم: امرؤ القيس، وقَالَ بعضهم: النابغة،
وقَالَ بعضهم: الأعشى، فلما فرغوا، قَالَ: أشعر والله من هؤلاء جميعًا عندي الذي يقول: أنشد عبد الملك بعض هذه الأبيات التي أنا ذاكرها وضممت إليها ما اخترت من القصيدة وقت قراءتي شعر معن بن أوس، عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، وما رواه ابن الأعرابي فِي نوادره:
وذي رحم قلّمت أظفار ضغنهبحلمي عنه وهو ليس له حلم
يحاول رغمي لا يحاول غيرهوكالموت عندي أن يحلّ به الرغم
فإن أعف عنه أغض عيناً عَلَى قذىًوليس له بالصفح عَنْ ذنبه علم
وإن أنتصر منه أكن مثل رائشٍسهام عدوٍّ يستهاض بها العظم
صبرت عَلَى ما كان بيني وبينهوما تستوي حرب الأقارب والسلم
وبادرت منه النأي والمرء قادرعَلَى سهمه ما دام فِي كفه السهم
ويشتم عرضي فِي المغيب جاهداًوليس له عندي هوانٌ ولا شتم
إذا سمته وصل القرابة سامنيقطيعتها تلك السفاهة والإثم
وإن أدعه للنصف يأب ويعصنيويدعو لحكم جائر غيره الحكم
فلولا اتقاء الله والرحم التيرعايتها حقٌّ وتعطيلها ظلم
إذاً لعلاه بارقي وخطمتهبوسم شنارٍ لا يشاكهه وسم
ويسعى إذا أبنى ليهدم صالحيوليس الذي يبني كمن شأنه الهدم
يودّ لو أني معدم ذو خصاصةٍوأكره جهدي أن يخالطه العدم
ويعتدّ غنماً فِي الحوادث نكبتيوما إن له فيها سناءٌ ولا غنم
فما زلت فِي ليني له وتعطفيعليه كما تحنو عَلَى الولد الأم
وروى:
فما زلت فِي رفق به وتعطفعليه
وزاد ابن الأعرابي:
وخفضٍ له مني الجناح تألفاًلتدنيه مني القرابة والرحم
وقولي إذا أخشى عليه مصيبةألا اسلم فداك الخال ذو العقد والعم
وروى:
وقولي إذا أخشى عليه ملمةألا اسلم
وصبري عَلَى أشياء منه تريبنيوكظمي عَلَى غيظي وقد ينفع الكظم
لأستل منه الضغن حتى استللتهوقد كان ذا ضغنٍ يضيق به الجرم
رأيت انثلاماً بيننا فرقعتهبرفقي وإحيائي وقد يرقع الثلم
وأبرأت غلّ الصدر منه توسعاًبحلمي كما يشفى بالأدوية الكلم
وزاد ابن الأعرابي:
فداويته حتى ارفأنّ نفارهفعدنا كأنا لم يكن بيننا صرم
وأطفأ نار الحرب بيني وبينهفأصبح بعد الحرب وهو لنا سلم
وروى: فأطفأت نار الحرب، فقيل له: يا أمير المؤمنين، من قائل هذه الأبيات؟ قَالَ: معن بن أوس المزني.
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، ﵀:
لنعم الفتى أضحى بأكناف حائلغداة الوغى أكل الردينية السمر
لعمري لقد أرديت غير مزلجولا مغلقٍ باب السماحة بالعذر
سأبكيك لا مستبقياً فيض عبرةولا طالباً بالصبر عاقبة الصبر
وقرأت عليه لرجل مات له أخ بعد أخ:
كأن وصيفياً خليلي لم نقللموقد نارٍ آخر الليل أوقد
فلو أنها إحدى يدي رزئتهاولكن يدي بانت عَلَى إثرها يدي
فأقسمت لا آسى عَلَى إثر هالكٍقدي الآن من وجدٍ عَلَى هالك قدى
وأنشدني محمد بن السري السراج، لأبي عبد الرحمن العطوي:
حنطته يا نصر بالكافوروزففته للمنزل المهجور
هلا ببعض خلاله حنطتهفيضوع أفق منازل وقبور
تالله لو بنسيم أخلاقٍ لهتعزى إِلَى التقديس والتطهير
طيّبت من سكن الثرى وعلا الربىلتزودوه عدةً لنشور
فاذهب كما ذهب الوفاء فإنهعصفت به ريحاً صباً ودبور
واذهب كما ذهب الشباب فإنهقد كان خير مجاورٍ وعشير
والله ما أبنته لأزيدهشرفاً ولكن نفثه المصدور
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، ﵀، قول الشاعر:
وقد كتب الشيخان لي فِي صحيفتيشهادة عدل أدحضت كل باطل
يعني والديه، يقول: بينا شبهى فِي صحيفة وجهي
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع