من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
ما وصفت به أم الفضل ابنها عبد الله بن عباس وهي ترقصه
قَالَ: وأَخْبَرَنِي عمي، عَنْ أبيه، عَنْ هشام، قَالَ: قَالَت أم الفضل بنت الحارث الهلالية وهي ترقص ابنها عبد الله بن العباس:
ثكلت نفسي وثكلت بكريإن لم يسد فهراً وغير فهر
بالحسب العدّ وبذل الوفرحتى يوارى فِي ضريح القبر
سمعت ابن خيرٍ الورّاق، وقد سأل أَبُو بَكْرِ بن دريد، فقَالَ له: مم اشتق العقل؟ فقَالَ: من عقال الناقة، لأنه يعقل صاحبه عَنِ الجهل أي يحبسه، ولهذا قيل: عقل الدراء بطنه أي أمسكه، ولذلك سميت خبراء بالدهناء معقلة، لأنها تمسك الماء، قَالَ: فممّ اشتق اللحد؟ قَالَ: من قولهم لحد إذا عدل، لأنه عدل إِلَى أحد شقي القبر، قَالَ: فمم استق الضريح؟ قَالَ: هو بمعنى مضروح كأنه ضرحه جانباه أي دفعاه فوقع فِي وسطه
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد من شعر الحطيئة:
وإن التي نكبتها عَنْ معاشرعَلَى غضابٍ أن صددت كما صدوا
أتت آل شمّاس بن لأيٍ وإنماأتاهم بها الأحلام والحسب العدّ
فإن الشقي من تعادي صدورهموذو الجد من لانوا إليه ومن ودوا
الحسب: الشرف، والعدّ: القديم، ويقَالَ: بئر عدّ، إذا كانت لها مادةٌ من الأرض.
يسوسون أحلاماً بعيداً أناتهاوإن غضبوا جاء الحفيظة والجد
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكممن اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنىوإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
: البنى واحدها بنية، مثل رشوة ورشىً.
فإن كانت النعمى عليهم جزوا بهاوإن أنعموا لا كدروها ولا كدّوا
وإن قَالَ مولاهم عَلَى جلّ حادثمن الدهر ردوا فضل أحلامكم ردّوا
مطاعين فِي الهيجا مكاشيف للدّجىبنى لهم آباؤهم وبنى الجدّ
فمن مبلغٌ أبناء سعدٍ فقد سعىإِلَى السورة العليا لهم حازمٌ جلد
رأى مجد أقوام أضيع فحثّهمعَلَى مجدهم لما رأى أنه الجهد
وروى الأصمعي: لما راى أنه المجد.
ويروى: لما رأى أنه الجدّ، فمن روى أنه الجهد اراد به أنه الجهد منه، لأن تضييعهم أحسابهم قد جهده، ومن روى أنه الجدّ أراد أنه الجد من هؤلاء المضيعين فِي تضييعهم أحسابهم.
وتعذلني أفناء سعدٍ عليهموما قلت إلا بالذي علمت سعد
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ أنشدني أبي:
إذا المرء لم يترك طعاماً يحبهولم ينه قلباً غاوياً حيث يمّما
فلا بد أن تلغى له الدهر سبّةٌإذا ذكرت أمثالها تملأ الفما
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، لأشجع:
مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرقٌولا مغربٌ إلا له فيه مادح
وما كنت أدري ما فواضل كفّهعَلَى الناس حتى غيّبته الصفائح
فأصبح فِي لحدٍ من الأرض ميتاًوكانت له حياً تضيق الصحاصح
وما أنا من رزء وإن جلّ جازعٌولا بسرور بعد موتك فارح
كأن لم يمت حيٌّ سواك ولم تقمعَلَى أحد إلا عليك النوائح
لئن حسنت فيك المراثي وذكرهالقد حسنت من قبل فيك المدائح
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم:
ألا فِي سبيل الله ماذا تضمّنتبطون الثرى واستودع البلد القفر
بدورٌ إذا الدنيا دجت أشرقت بهموإن أجدبت يوماً فأيديهم القطر
فيا شامتاً بالموت لا تشمتن بهمحياتهم فخرٌ وموتهم ذكر
حياتهم كانت لأعدائهم عمىًوموتهم للفاخرين بهم فخر
أقاموا بظهر الأرض فاخضرّ عودهاوصاروا ببطن الأرض فاستوحش الظهر
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: سمعت عمي يقول: سمعت أعرابياً ينشد:
كلاب الناس إن فكرت فيهمأضرّ عليك من كلب الكلاب
لأن الكلب لا يؤذي صديقاًوإن صديق هذا فِي عذاب
ويأتي حين يأتي فِي ثيابوقد حزمت عَلَى رجل مصاب
فأخزى الله أثواباً عليهوأخزى الله ما تحت الثياب
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: خرج أعرابي إِلَى الشام، فكتب عمه كتباً فلم يجيبوه عنها، فكتب إليهم:
ألا أبلغ معاتبتي وقوليبني عمي فقد حسن العتاب
وسل هل كان لي ذنب إليهمهم منه فاعتبهم غضاب
كتبت إليهم كتباً مراراًفلم يرجع إِلَى لهم جواب
فلا أدري أغيّرهم تنائيوطول العهد أم مالٌ أصابوا
فمن يك لا يدوم له وفاءوفيه حين يغترب انقلاب
فعهدي دائم لهم ووديعَلَى حال إذا شهدوا وغابوا
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع