من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
ما دار بين عبد الملك بن مروان وعزة صاحبة كثير يوم دخلت عليه
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنباري، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عَنْ عكرمة الضّبّي، قَالَ: قَالَ العتبي: دخلت عزّة عَلَى عبد الملك بن مروان، فقَالَ لها: يا عزّة، أنت عزّة كثيّر؟ فقَالَت: أنا أمّ بكر الضّمريّة، فقَالَ لها: أتروين قول كثيّر:
وقد زعمت أني تغيّرت بعدهاومن ذا الذي يا عز لا يتغيّر
تغيّر جسمي والخليقة كالتيعهدت ولم يخبر بسّرك مخبر
فقَالَت: لا أروي هذا، ولكني أروي قوله:
كأني أنادي صخرةً حين أعرضتمن الصّمّ لو تمشى بها العصم زلّت
صفوحاً فما تلقاك إلا بخيلةًفمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت
قصيدة كثير التائية التي منها البيت المشهور
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا...... الخ
وقرأت هذه القصيدة عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، ﵀، فِي شعر كُثيِّر وهي من منتخبات شعر كثير، وأولها:
خليليّ هذا ربع عزّة فاعقلاقلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت
ويروى:
خليليّ هذا رسم عزة فاعقلاقلوصيكما ثم انظرا حيث حلت
وما كنت أدري قبل عزة ما الهوىولا موجعات الحزن حتى تولت
فقد حلفت جهداً بما نحرت لهقريشٌ غداة المأزمين وصلّت
أناديك ما حجّ الحجيج وكبّرتبفيفا غزالٍ رفقةٌ وأهلّت
وكانت لقطع الحبل بيني وبينهاكناذرةٍ نذراً فأوفت وحلّت
ويروى: وفت فأحلّت.
فقلت لها يا عزّ كل مصيبةٍإذا وطّنت يوماً لها النفس ذلّت
ولم يلق إنسانٌ من الحب ميعةًتعمّ ولا غمّاء إلا تجّلت
كأني أنادي صخرة حين أعرضتمن الصّمّ لو تمشى بها العصم زلّت
صفوحاً فما تلقاك إلا بخيلةًفمن ملّ منها ذلك الوصل ملت
ويروى: صفوح، والصفوح: المعرض.
ويروى: ذلك البخل.
أباحت حمىً لم يرعه الناس قبلهاوحلّت تلاعاً لم تكن قبل حلّت
فليت قلوصي عند عزة قيّدتبحبل ضعيفٍ غر منها فضلت
وغودر فِي الحي المقيمين رحلهاوكان لها باغٍ سواي فبلّت
وكنت كذي رجلين رجلٍ صحيحةٍورجلٍ رمى فيها الزمان فشلّت
وكنت كذات الظّلع لما تحاملتعَلَى ظلعها بعد العِثار استقلت
أريد الثواء عندها وأظنهاإذا ما أطلنا عندها المكث ملّت
فما أنصفت أما النساء فبغّضتإِلَى وأمّا بالنوال فضنّت
يكلفها الغيران شتمي وما بهاهواني ولكن للمليك استذلّت
هنيئاً مريئاً غير داء مخامرٍلعزة من أعراضنا ما استحلّت
قيل لكثير: أنت أشعر أم جميل؟ فقَالَ: بل أنا، فقيل له: أتقول هذا وأنت روايته؟ فقَالَ: جميل الذي يقول:
رمى الله فِي عيني بثينة بالقذىوفي الغر من أنيابا بالقوادح
وأنا أقول:
هنيئاً مريئاً غير داء مخامرٍلعزة من أعراضنا ما استحلت
فوالله ما قاربت إلا تباعدتبصرمٍ ولا أكثرت إلا أقلّت
ويروى: ولا استكثرت:
فإن تكن العتبى فأهلا ومرحباوحقت لها العتبى لدينا وقلّت
وإن تكن الأخرى فإن وراءنامنادح لو سارت بها العيس كلّت
خليليّ إن الحاجبية طلّحتقلوصيكما وناقتي قد أكلّت
فلا يبعدن وصلٌ لعزة أصبحتبعاقبةٍ أسبابه قد تولّت
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومةلدينا ولا مقلية إن تقلّت
ولكن أنيلي واذكري من مودةًلنا خلةً كانت لديكم فطلّت
فإني وإن صدّت لمثنٍ وصادقٌعليها بما كانت إلينا أزلّت
فما أنا بالداعي لعزّة بالجوىولا شامت إن نعل عزّة زلّت
فلا يحسب الواشون أن صبابتيبعزة كانت غمرةً فتجلّت
فأصبحت قد أبللت من دنفٍ بهاكما أدنفت هيماء ثم استبلّت
فوالله ثم الله ما حلّ قبلهاولا بعدها من خلّةٍ حيث حلّت
وما مرّ من يومٍ عَلَى كيومهاوإن عظمت أيام أخرى وجلّت
وأضحت بأعلى شاهقٍ من فؤادهفلا القلب يسلاها ولا العين ملّت
فيا عجباً للقلب كيف اعترافهوللنفس لما وطّنت كيف ذلّت
وإني وتهيامي بعزة بعد ماتخليت مما بيننا وتخلت
لكالمرتجى ظل الغمامة كلماتبوأ منها للمقيل اضمحلت
كأني وإياها سحابةُ ممحلرجاها فلما جاوزته استهلت
فإن سأل الواشون فيم هجرتهافقل نفس حر سليت فتسلت
: المازمان: بين عرفة والمزدلفة، وأناديك: أجالسك، وهو مأخوذ من النّدى والنادي جميعاً، وهما المجلس، وميعة كل شيء: أوله، والصّفوح: المعرضة، بلت: ذهبت.
: وما أعرف بلّت ذهبت إلا فِي تفسير هذا البيت، والعتبي: الإعتاب، يُقَال: عاتبني فلان فاعتبته إذا نزعت عما عاتبك عليه، والعتبى: الإسم والإعتاب المصدر، وقوله طلحت، الطليح: المعى الذي قد سقط من الإعياء، وطلّت: هدرت، وأزلّت: اصطنعت، ويقَالَ: بلّ من مرضه وأبلّ واستبلّ إذا برأ، واعترافه: اصطباره، يُقَال: نزلت به مصيبةٌ فوجد عروفاً أي صبورا، والعارف: الصابر
وأنشدنا أَبُو عبد الله، ﵀، لنفسه:
وقائل تبح باسمي فقلت لههبني أكاتم جهدي ما أعانيه
أنشدنيه جهدي، وأنا أختار جهدي.
فكيف لي بارتياعي حين تبصرنيحتى أقول بدا ما كنت أخفيه
أم كيف يسعدني صبرٌ ولي كبدٌحرّى تذوب وقلبٌ فيه ما فيه
يا ساحر اللخط قد والله برّح بيشوقي إليك وأعيا ما ألاقيه
وأنشدني لابن أذينة:
قَالَت وأبثثتها شجوى فبحت بهقد كنت عندي تحب الستر فاستتر
ألست تبصر من حولي فقلت لهاغطّى هواك وما ألقى عَلَى بصري
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعي:
إِلَى الله أشكو ثم أثني فأشتكيغريماً لواني الدّين منذ زمان
لطيف الحشا عبل الشّوى طيّب اللّمىله عللٌ لا تنقضي وأماني
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع