من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
وصف ضرار الصدائي لعلي ﵁ وقد طلب منه ذلك معاوية
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنِي الْعُكْلِيُّ، عَنِ الْحِرْمَازِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ هَمْدَانَ، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ لِضِرَارٍ الصُّدَائِيِّ: يَا ضِرَارُ، صِفْ لِي عَلِيًّا ﵁، قَالَ: اعْفِنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: لَتَصِفَنَّهُ، قَالَ: أَمَّا إِذْ لابُدَّ مِنْ وَصْفِهِ، فَكَانَ وَاللَّهِ بَعِيدَ الْمَدَى، شَدِيدَ الْقُوَى، يَقُولُ فَصْلا، وَيَحْكُمُ عَدْلا، يَتَفَجَّرُ الْعِلْمُ مِنْ جَوَانِبِهِ، وَتَنْطِقُ الْحِكْمَةُ مِنْ نَوَاحِيهِ، يَسْتَوْحِشُ مِنَ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا، وَيَسْتَأْنِسُ بِاللَّيْلِ وَوَحْشَتِهِ، وَكَانَ وَاللَّهِ غَزِيرَ الْعِبْرَةِ، طَوِيلَ الْفِكْرَةِ، يُقَلِّبُ كَفَّهُ، وَيُخَاطِبُ نَفْسَهُ، يَعْجِبُهُ مِنَ اللِّبَاسِ مَا قَصُرَ، وَمِنَ الطَّعَامِ مَا خَشُنَ، كَانَ فِينَا كَأَحَدِنَا يُجِيبُنَا إِذَا سَأَلْنَاهُ وَيُنَبِّئُنَا إِذَا اسْتَنْبَأْنَاهُ، وَنَحْنُ مَعَ تَقْرِيبِهِ إِيَّانَا وَقُرْبِهِ مِنَّا لا نَكَادُ نُكَلِّمُهُ لِهَيْبَتِهِ، وَلا نَبْتَدِئُهُ لِعَظَمَتِهِ، يُعَظِّمُ أَهْلَ الدِّينِ، وَيُحِبُّ الْمَسَاكِينَ، لا يَطْمَعُ الْقَوِيُّ فِي بَاطِلِهِ، وَلا يَيْأَسُ الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِهِ، وَأَشْهَدُ لَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِهِ وَقَدْ أَرْخَى اللَّيْلُ سَدُولَهُ، وَغَارَتْ نُجُومُهُ، وَقَدْ مَثُلَ فِي مِحْرَابِهِ قَابِضًا عَلَى لِحْيَتِهِ يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ السَّلِيمِ، وَيَبْكِي بُكَاءَ الْحَزِينِ، وَيَقُولُ: يَا دُنْيَا، غرّي غيري إِلَى تعرّضت، أم إِلَى تشوقت، هيهات هيهات! قد باينتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك حقير، أه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق! فبكى معاوية ﵀ وقَالَ: رحم الله أبا الحسن، فلقد كان كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قَالَ: حزن مع ذبح واحدها فِي حجرها
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع