من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
قصيدة الصلتان العبدي وقد جعلوا إليه الحكم بين الفرزدق وجرير أيهما أشعر
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، ﵀، للصّلتان العبدي:
إن الصلتاني الذي قد علمتم متىما يحكم فهو بالحق صادع
أتتني تميم حين هابت قضاتهافإني لبالفصل المبين قاطع
كما أنفذ الأعشى قضيّة عامروما لتميم فِي قضائي رواجع
ولم يرجع الأعشى قضية جعفروليس لحكمي آخر الدهر راجع
سأقضي قضاءً بينهم غير جائزفهل أنت للحكم المبين سامع
قضاء امرئ لا يتقي الشتم منهموليس له فِي المدح منهم منافع
قضاء امرئ لا يرتشي في حكومةإذا مال بالقاضي أبّرشا والمطامع
فإن كنتما حكّمتماني فأنصتاولا تجزعا وليرض بالحكم قانع
فإن تجزعا أو ترضيا لا أقلكماوللحق بين الناس راض وجازع
فاقسم لا آلو عَنِ الحق بينهمفإن أنا لم أعدل فقل أنت ظالع
فإن يك بحر الحنظلّيين واحداًفما يستوي حيتانه والضفادع
وما يستوي شمّ الذّرى والأجارعوليس الذّنابي كالقدامى وريشه
وما يستوي صدر القناة وزجّهاوما يستوى فِي الكّف منك الأصابع
ألا إنما تحظى كليب بشعرهاوبالمجد تحظى دارم والأقارع
ومنهم رءوس يهتدى بصدورهاوالأذناب قدما للرءوس توابع
أرى الخطفى بذّ الفرزدق شعرهولكن خيراً من كليب مجاشع
فيا شاعراً لا شاعر اليوم مثلهجريرٌ ولكن فِي كليب تواضع
جريرٌ أشد الشاعرين شكيمةًولكن علته الباذخات الفوارع
ويرفع من شعر الفرزدق أنهله باذخٌ الذي الخسيسة رافع
وقد يحمد السيف الدّدان بجفنهوتلقاه رثّاً غمده وهو قاطع
يناشدني النصر الفرزدق بعدماألحت عليه من جريرٍ صواقع
فقلت له إني ونصرك كالذييثبت أنفاً كشّمته الجوادع
وقَالَت كليب قد شرفنا عليهمفقلت لها سدت عليك المطالع
كشم أنفه إذا قطعه، والأكشم أيضاً: الناقص الخلق، قَالَ حسان:له جانب وافٍ وآخر أكشم
وقرأن عَلَى أبي عمر، عَنْ أبي العباس، عَنِ ابن الأعرابى، قَالَ: أهجي بيت قالته العرب:
وقد علمت عرساك أنَك آئبٌتخبّرهم عَنْ جيشهم كل مربع
أخبر أن من عادته أن ينهزمفيتحدث بخبر جيشه
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنباري، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الصمد بن المعدل ابن غيلان، قَالَ: ركب أبي إِلَى عيسى بن جعفر ليسلم عليه، فأخبر أنه متأهب للركوب فانتظره، لما أبطأ خروجه دخل إِلَى المسجد ليصلى، وكان المعدل إذا دخل فِي الصلاة لم يقطعها، فخرج عيسى وصاح يا معذّل، يا أبا عمرو، فلم يجبه فغضب ومضى، فأتم المعذل صلاته ثم لحقه فأنشده:
قد قلت إذ هتف الأميريأيها القمر المنير
حرم الكلام فلم أجبوأجاب دعوتك الضمير
لو أن نفسي طاوعتنيإذ دعوت ولا أحير
لبّاك كلّ جوارحيبأناملي ولها السرور
شوقاً اليك وحق ليولكدت من فرحٍ أطير
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: جلس كاملٌ الموصليّ فِي المسجد الجامع يقرئ الشعر، فصعد مخلدٌ الموصليّ المنارة وصاح:
تأهبوا للحدث النازلقد قرئ الشعر عَلَى كامل
وكامل الناقص فِي عقلهلا يعرف العام من القابل
يهيهةٌ يخلط ألفاظهكأنه بعض بني وائل
وإنما المرء ابن عم لناونحن من كوثى ومن بابل
أذنابنا ترفع قمصاننامن خلفنا كالخشب الشائل
وأنشدنا أَبُو عبد الله إبراهيم بن محمد النحوي، لأعرابي مات ابنه وهو غائب:
يا ليتني كنت فيمن كان حاضرهإذ ألبسوه ثياب الفرقة الجددا
قالوا وهم عصبٌ يستغفرون لهنرجو لك الله والوعد الذي وعدا
قلّ الغناء إذا لاقى الفتى تلفاًقول الأحبّة لا يبعد وقد بعدا
بعد: هلك، وبعد: نأى المراثي التي قالها بعض العرب عَلَى قبر عمرو بن حممة الدوسي بعد أن عقروا رواحلهم عليه
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: حَدَّثَنِي عمى، عَنْ أبيه، عَنِ ابن الكلبي، عَنْ أبي مسكين، وعَنِ الشرقي بن قطاميّ، قالا: لما مات عمرو بن حممة الدوسي، وكان أحد من تتحاكم إليه العرب، مرّ بقبره ثلاثة نفر من أهل يثرب قادميين من الشام: الهدم بن امرئ القيس بن الحارث بن زيد أَبُو كلثوم ابن الهدم الذي نزل عليه النَّبِيّ ﷺ، وعتيك بن قيس بن هيشة بن أمية بن معاوية، وحاطب بن قيس بن هيشة الذي كانت بسببه حرب حاطب، فعقروا رواحلهم عَلَى قبره، وقام الهدم، فقَالَ: لقد ضمّت الأثراء منك مرزّأ عظيم رماد النار مشترك القدر حليماً إذا ما الحلم كان حزامةً وقوراً إذا كان الوقوف عَلَى الجمر إذا قلت لم تترك مقالاً لقائل وإن صلت كنت الليث يحمى حمى الأجر ليبك من كانت حياتك عزّه فأصبح لمّا بنت يغضي عَلَى الصغر سقى الأرض ذات الطول والعرض مثجمٌ أحمّ الرّحا واهي العرى دائم القطر ومابي سقيا الأرض لكن تربةً أضلّك فِي أحشائها ملحد القبر،
الرّحى: وسط الغيم ومعظمه، ووسط الحرب ومعظمها، وقام عتيك بن قيس فقَالَ:
برغم العلى والجود والمجد والندىطواك الردى يا خير حافٍ وناعل
لقد غال صرف الدهر منك مرزأًنهوضاً بأعباء الأمور الأثاقل
يضمّ العفاة الطارقين فناؤهكما ضمّ أمّ الرأس شعب القبائل
ويسرو دجى الهيجا مضاء عزيمةٍكما كشف الصبح اطّراق الغياطل
ويستهزم الجيش العرمرم باسمهوإن كان جرّاراً كثير الصواهل
وينقاد ذو البأو الأبيّ لحكمهفيرتدّ قسراً وهو جمّ الدغاول
ويمضي إذا ما الحرب مدّ رواقهعَلَى الروع وارفضّت صدور العوامل
فإمّا تصبنا الحادثات بنكبةرمتك بها إحدى الدواهي الضآبل
فلا تبعدن إن الحتوف مواردٌ ...
وكل فتىً من صرفها غير وائل
: الضآبل: الدواهي، واحدها ضئبل، وقام حاطب بن قيس فقَالَ:
سلامٌ عَلَى القبر الذي ضمّ أعظماًتحوم المعالي حوله فتسلّم
سلام عليه كلما ذرّ شارقٌوما امتدّ قطعٌ من دجى الليل مظلم
فيا قبر عمرو جاد أرضا تعطفتعليك ملثٌّ دائم القطر مرزم
تضمنت جسما طلب حيّاً وميّتاًفأنت بما ضمّنت فِي الأرض معلم
فلو نطقت أرضٌ لقَالَ ترابهاإِلَى قبر عمرو الأزد حلّ التكرم
إِلَى مرمسٍ قد حلّ بين ترابهوأحجاره بدرٌ وأضبط ضيغم
فلو وألت من سطوة الموت مهجةٌلكنت ولكن الردى لا يثمثم
فلا يبعدنك الله حياً وميتاًفقد كنت نورا لخطب والخطب مظلم
وقد كنت تمضي الحكم غير مهلّلإذا غال فِي القول الأبلّ الغشمشم
لعمر الذي حطّت إليه عَلَى الوناحدابير عوجٌ نيّها متهمّم
لقد هدّم العلياء موتك جانباًوكان قديما ركنها لا يهدم
وألت: نجت، ويثمثم: يبطئ، ويثمم: يحرّك ويدفع، والمهلّل: المتوقّف، يُقَال: حمل عليه فما هلّل، والغيطلة: الظلمة، والغيطلة: اختلاط الأصوات، قَالَ أَبُو النجم:
مستأسداً ذبّانه فِي غيطل
وهو جمع غيطلة، والغيطلة: البقرة الوحشية، قَالَ زهير:
كما استغاث بسيٍّ فزّ غيطلةٍخاف العيون فلم ينظر به الحشك
والغيطلة: الشجر الملتف، وقَالَ ابن الأعرابي: الغيطلة: التفاف الناس واجتماعهم، والغيطلة: غلبة النعاس، والدغاول: الدواهي، ولم أسمع له بواحد، قَالَ الهذلي:
فقلصي لكم ما عشتم ذو دغاول
والأبلّ: الظلوم، والغشمشم: الذي يركب رأسه لا يثنيه شيء عما يجب ويهوى، والحدابير جمع حدبار: وهي المنحنية الظهر، والنيّ: الشحم، والمتهممّ: الذائب.
وقرأت عَلَى أبي عمر، عَنْ أبي العباس، أن ابن الأعرابي، أنشدهم فِي صفة قدر:
ألقت قوائمها خساً وترنّمتطرباً كما يترنم السكران
قوائمها: الأثافي، وخساً: فرد ما تعاقب فيه اللام الراء: قَالَ الأصمعي: يُقَال لثدت القصعة بالثريد إذا تراجع حيث أنها غير واضحة بالكتاب بعضه إِلَى بعض وسوّى، وقد رثدت، وقد رثد المتاع إذا نضّد وسوّى، والرثيد: المنضود، ومنه سمى مرثد، ويقَالَ: تركت فلاناً مرتثداً أي قد ضم متاعه بعضه إِلَى بعض ونضّده، قَالَ الشاعر:
فتذكّرا ثقلاً رثيداً بعدماألقت ذكاء يمينها فِي كافر
تذكر الظليم والنعامة رثيداً يعني بيضهما منضوداً بعضه فوق بعض، وذُكاء: الشمس، وابن ذكاء: الصبح، والكافر: الليل.
وإنما سمي كافراً لأنه يغطّي بظلمته كل شيء، ولهذا قيل: تكّفر الرجل بالسلاح إذا لبسه، وكفر الغمام النجوم أي غطاها، ومنه سمي الكافر كافراً لأنه يغطي نعمة الله، وسمي أيضاً الزرّاع كافراً لأنه يغطي الحبّة، وعنى بقوله:
بعدما ألقت ذكاء يمينها فِي كافر
أي ابتدأت فِي المغيب، ويقَالَ: هدمٌ ملّدم ومردّم أي مرقّع، وقد ردّم ثوبه أي رقعه، قَالَ عنترة:
هل غادر الشعراء من متردّمأم هل عرفت الدار بعد توهّم
يقول: هل ترك الشعراء شيئا يرتع، وهذا مثلٌ، وإنما يريد: هل تركوا مقالاً لقائل، ويقَالَ: اعلنكس واعرنكس الشيء، إذا تراكم وكثر أصله، قَالَ العجاج:
بفاحمٍ دووي حتى اعلنكسا
بفاحم يعني شرا أسود، دووي: عولج وأصلح، وقَالَ أيضاً
واعرنكست أهواله واعرنكسا
أي ركب بعضه بعضا، وهدل الحمام يهدل هديلاً، وهدر الحمام يهدر هديراً، وطلمساء وطرمساء: للظلمة، ويقَالَ للدرع: نثلة ونثرة إذا كانت واسعة، ويقَالَ: امرأة جلبّانة وجربّانة: وهي الصّخّابة السيئة الخلق، قَالَ حميد بن ثور:
جربّانة ورهاء تخصي حمارهابغى من بغى خيراً إليها الجلامد
ويروى: جلبّانة، ويقَالَ: عودٌ متقطّل ومتقطّر ومنقطل ومنقطر أي: مقطوع، وقَالَ أَبُو عبيدة: يُقَال: سهم أملط وأمرط إذا لم يكن عليه ريش، وقد تملّط ريشه وتمرّط، ويقَالَ: جلمه وجرمه إذا قطعه، ومنه سميّ الجلم الذي يؤخذ به الشعر، يُقَال لكل واحد من الحديدتين: جلم، فإذا اجتمعا فهما جلمان وكذلك مقراضان، الواحد منهما مقراض، والتلاتل والتراتر: الهزاهز، قَالَ الأصمعي: يُقَال: مرّ يرتكّ ويرتجّ إذا ترجرج، ويقَالَ: أصابه سكٌّ وسج إذا لان عليه
بطنه.
ويقَالَ: الزمكّي والزمجّي لزمكّي الطائر، ويقَالَ: ريح سيهك وسيهج وسيهوك وسيهوج: وهي الشديدة، قَالَ رجل من بني سعد:
يا دار سلمى بين دارات العوججرّت عليها كلّ ريح سيهوج
والسّهج والسّهك والسّحق، يُقَال: سحقه وسهكه وسهجه، وقَالَ أَبُو عمرو الشيباني السّهك والسّهج: ممرّ الريح.
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع