من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما قالاه في قتل الفراق للمفارق وسفك دمه
قال أبو تمام:
قالوا: الرحيل غداً لا شك قلت لهمالآن أيقنت أن اسم الحمام غد
كم من دم يعجز الجيش اللهام إذابانوا ستحكم فيه العرمس الأجد
ما لامريء خاض في بحر الهوى عمرإلا وللبين منه السهل والجلد
كأنما البين في إلحاحه أبداعلى النفوس أخ للموت أو ولدا
اللهام: الذي يلتهم كل شيء لكثرته، والعرمس: الناقة الشديدة، وكذلك الأجد: هي الموثقة الخلق.
ولم يك هذا عندي وجه الكلام، بل كان وجهه لما قال: الجيش اللهام أن يقول: الناب الضعيفة، فيهون أمرها، لا الناقة الأجد؛ لأن الناب قد يقطع بها السفر البعيد كما قال:
وقد تقطع الدوية الناب
وقوله: «ما لامريء خاض في بحر الهوى عمر» قد أساء فيه إساءة ذكرتها فيما ذكرت من أغاليطه.
وقال أبو تمام:
لو حار مرتاد المنية لم يجدإلا الفراق على النفوس سبيلا
قالوا: الرحيل فما شككت بأنهانفسي عن الدنيا تريد رحيلا
إني تأملت النوى فوجدتهاسيفاً علي مع العدا مسلولا
قد عابه ابن عمار في قوله: «إني تأملت النوى»، وقالوا: مثل هذا الأمر الفظيع الذي مكروهه أبداً مصبوب على الخلق لا تعلم البلية فيه إلا بعد التأمل، وهذا إنكار صحيح، وليس هذا كقول البحتري:
ولقد تأملت الفراق فلم أجديوم الفراق على امريء بطويل
لأن مثل هذا يوجبه التأمل، وقد فسره البحتري، وذكر علته، وكأنه رد لقول أبي تمام: «يوم الفراق لقد خلقت طويلا».
وقد ذكرت ذلك مشروحاً في باب الابتداآت من هذا الباب.
وقال أبو تمام:
أظله البين حتى إنه رجللو مات من شغله بالبين ما علما
أخذ المعنى من قول أبي الشيص:
فكم من ميتة قد مت فيهاولكن كان ذاك وما شعرت
وبيت أبي تمام أجود، وقوله: «وما شعرت» لفظ سخيف.
وقال أبو تمام أيضاً:
طلت دماء هريقت عندهن كماطلت دماء هدايا مكة الهمل
هانت على كل شيء فهو يسفكهاحتى المنازل، والأحداج، والإبل
الهمل: وصف لقوله: «دماء هدايا مكة» من همل يهمل، والمصدر هو الهمول، والهمل -ساكنة الميم- فحركها.
وقوله:
هانت على كل شيء فهو يسفكهاحتى المنازل، والأحداج والإبل
رديء جداً؛ لأنه إذا لم يسفك دماء العاشقين المنازل إذا خلت من أهلها، والإبل إذا سارت بهم؛ فأي شيء يسفكها؟ وهل شيء عند المحبين أعظم من فراق الأحباب حتى يجعل أسباب فراقهم من أهون الأشياء وأقلها في سفك دماهم؟
وقد قال البحتري:
وقتل المحبين العيون ولم أكنأظن الرسوم الدارسات قواتلا
فأحسن، وأجاد وملح، ولم يفصح بتخسيس أمر الرسوم.
وقال أبو تمام:
ضعفت جوانح من أذاقته النوىطعم الفراق فذم طعم العلقم
هي ميتة إلا سلامة أهلهامن خلتين: من الثرى والمأتم
قوله: «ضعفت» دعاء عليها، أي أضعف الله جوانح من أذاقته النوى طعم الفراق فذم طعم العلقم.
والجوانح: هي الأضلاع الصغار في الصدر، التي تلي الفؤاد، الواحدة جانحة، فكأنه يدعو عليها بأن تضعف عن حمل حرارة التشوق، وحرق الفراق إن كان صاحبها قد ذاق طعم الفراق، وعلم مرارته فذم طعم العلقم.
و «ضعفت» كلام ضعيف في هذا الغرض جداً، و «أضعف الله» لو كان استوى له أن يقولها أحسن، وأبلغ من ضعفت.
وعلى أنه كلام لا يشبه بعضه بعضاً، و «حواس» ههنا أحسن وأليق، وأشبه من «جوانح»؛ لأنه ذكر الطعم فكانت الحواس مع الطعم لفظاً يشبه لفظاً، ومعنى يشبه معنى، أو كان يقول لو استوى نظمه: «ضعفت جوانح من أحرقت نار الهوى جوانحه فذم حرارة النار، أو فوجد للنار حرارة».
ومنهم من يجعل «ضعفت» خبراً، أي لقد ضعفت جوانح من ذاق
طعم الفراق فذم طعم العلقم، وليس بشيء، وأظنه لو استوى له ذكر «الحواس» في هذا البيت لما عدل عنه.
وليس هذا البيت من الباب الذي نحن فيه، وإنما أوردته لأصل به البيت الذي بعده، وكلاهما رديء.
وقال أبو تمام:
الموت عندي والفراق كلاهما ما لا يطاق!
يتعاونان على النفوس فذا الحمام، وذا السياق
لو لم يكن هذا كذاما قيل: موت أو فراق
وهذه أبياته المشهورة المتداولة في الفراق.
ذكر أبو الحسن: علي بن يحيى المنجم أنه أخذ هذا المعنى من قول النمري:
إن المنية والفراق لواحدأو توأمان تراضعا بلبان
وليس هو عندي من دقيق المعاني التي يتهم آخر أنه أخذها من أول.
ومما غرى الناس به من شعر أبي تمام في هذا المعنى قوله:
البين جرعني نقيع الحنظلالبين أثكلني وإن لم أثكل
ما حسرتي أن كدت أقضي إنماحسرات نفسي أنني لم أفعل
قوله: «أثكلني» أي أثكلني من هويت، بمارقته إياي، وإن لم أثكل على الحقيقة بموته، ويكون أثكلني أي أثكلني أهلي، أي جعلني قد ثكلوني وإن لم أثكل على الحقيقة وهذا سائغ؛ لأنه أراد قتل الحب الذي ليس بإتيان على النفس.
وقوله: «ما حسرتي أن كدت أقضي» أي أهلك، وأتلف، «وإنما حسرات نفسي أنني لم أفعل»، أي لم أقض وأتلف، وهذا لفظ ومعنى في غاية الضعف والاختلال والرداءة.
ثم وصل هذا القول بالمعنى الذي كان يفتخر به، وهو قوله:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوىما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتىوحنينه أبداً لأول منزل
وكان أبو تمام يقول: أنا ابن قولي: نقلويذكر البيت، كما كان أبو نواس يقول: أنا ابن قولي:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفتله عن عدو في ثياب صديق
وكما كان مسلم بن الوليد يقول: أنا ابن قولي:
تجود النفس إذ ضن الجواد بهاوالجود بالنفس أقصى غاية الجود
وكما كان دعبل يقول: أنا ابن قولي:
لا تعجبي يا سلم من رجلضحك المشيب برأسه فبكى
وقال البحتري:
أما وفتور لحظك يوم أبقىتقلبه فتوراً في عظامي
لقد كلفتني كلفاً أعنيبه وشغلتني عما أمامي
سيقتل في المسير إذا رحلناعليل كان يمرض في المقام
وحسبك بهذا حلاوة وحسناً.
ومما أبر فيه على إحسان كل محسن قوله:
أيا سكناً فات الفراق بأنسهوحال التعادي دونه والتزيل
بكرهي رضا العذال عني وإنهمضى زمن كنت فيه أعذل
فلا تعجبا إن لم يغل جسمي الضنىولم يخترم نفسي الحمام المعجل
فمن قبل بان الفتح عني مودعاًوفارقني شفعاً له المتوكل
فما بلغ الدمع الذي كنت أرتجيولا فعل الوجد الذي خلت يفعل
وما كل نيران الجوى تحرق الحشاولا كل أدواء الصبابة تقتل
وقد كان قوم من الرواة يقولون: أجود الشعر أكذبه، ولا والله، ما أجوده إلا أصدقه، إذا كان له من يلخصه هذا التلخيص، ويورده هذا الإيراد على حقيقة الباب.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع