من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما لأبي تمام في البكاء على النساء المفارقات
قال أبو تمام:
سرت تستجير الدمع خوف نوى غدوعاد قتادًا كل مرقد
قوله: «سرت» يريد أنها سهرت فكأنها قطعت الليل بالسهر، مستجيرة بالدمع، تبكي ليلها أجمع، ولم يرد أنها سارت ليلاً، فجعل سهرها سرى، وفسر ذلك بقوله: «وعاد قتاداً عندها كل مرقد».
وهذا ابتداء ليس من جيد الابتداءات، ولا من رديئها.
وقال أيضاً:
بدلت عبرة من الإيماضيوم شدوا الرحال بالأغراض
«الإيماض» أراد تبسمها وبريق ثغرها، جعله مثل وميض البرق.
يريد أنها بدلت من الضحك البكاء لما استعدوا للرحيل.
وهذا بتداء جيد.
وقد عابه «ابن عمار» وغيره لقوله: «الأغراض»، ولحنوه، وقالوا: الأغراض جمع غرض، وفعل لا يجمع على أفعال.
أفما سمعوا بقولهم: فرخ وأفراخ، وفرد وأفراد، وشكل وأشكال، وجفن وأجفان، وعصر وأعصار، وزند وأزناد؟!.
وقول الأعشى:
وزندك أثقب أزنادها
وقولهم أيضًا: شرط وأشراط، وقول الله تعالى: «فقد جاء أشراطها» فقد نطقت العرب بهذا الجمع بعينه، قال الراجز في وصف الإبل:
حتى إذا ما قلقت أغراضهاونصحت بمائها أعراضها
وقال غيلان بن حريث الربعي:
بكل سام في الزمام نهاضخيسة بالذل روض الرواض
في قلص تمطو سفيف: نسيج، والأغراض: جمع غرض، وهو للبعير مثل الحزام للفرس.
وأنشدنا الأخفش لرجل من طيء:
إذا العيس أضحت بالفلاة كأنهاوقد قلقت أغراضهن جفون
ومثله في الشعر -إذا تتبعته- كثير.
وقال أبو تمام:
بسطت إليك بنانة أسروعاتصف الفراق، ومقلة ينبوعا
وهذا ابتداء ليس بالجيد، ولا بالرديء.
والأسروع: دويبة ناعمة تكون في الرمل تشبه بها أصابع النساء.
وقال أيضاً:
نثرت فريد مدامع لم تنظموالدمع يحمل بعض ثقل المغرم
وقال أيضاً:
أظن دموعها سنن الفريدوهي سلكاه من نحر وجيد
وهذان ابتداءان جيدان.
وقال:
ذريني منك سافحة المآقيومن سرعان عبرتك المراق
وهذا قول فيه جفاء.
ووجدت الناس يستحسنون قوله:
خذي عبرات عينك عن زماعيوصوني ما أزلت من القناع
زماعه: إزماعه الرحيل، يقال: أزمع يزمع.
وقوله: «وصوني ما أزلت من القناع» لأنها برزت عند الفراق جزعاً، وكشفت القناع.
ومن ابتداآتهما من باب الفراف في معانٍ شتى
قال أبو تمام:
سعدت غربة النوى بسعادفهي طوع الإتهام والإنجاد
وقال أيضاً:
ألا صنع البين الذي هو صانعفإن تك مجزاعاً فما البين جازع
وهذا ابتداء صالح.
وقال أيضاً:
أصغى إلى البين مغتراً فلا جرماأن النوى أسأرت في عقله لمما
قوله: أصغى إلى البين، أي سمع ما أخبروه به من ذكر الفرقة فغير ذلك من عقله، ويريد باللمم: الجنون.
وقد أوضح هذا المعنى في البيت التالي، وهو قوله:
أصمني سرهم أيام فرقتهمهل كنت تعرف سراً يورث الصمما
أي صرت لا أفهم شيئاً بعد ذلك السر الذي دلهني، وأطار عقلي، فكأني أصم عن كل قيل.
وهذا المعنى ليس من اختراعاته، وقد ذكرته في سرقاته، وما جاء في معناه لغير واحد من الشعراء.
وقال:
أهلوك أضحوا راحلاً ومقوضاومزمماً يصف النوى ومغرضا
المقوض: الذي يقوض البيوت، ويقتلعها للرحيل، ومزمماً يصف النوى: الذي يزمم الإبل والأزمة، [والمغرض] يشدها بالغرض.
وهو كالحزام للفرس.
وهذا ابتداء صالح.
وقال أيضاً:
تحمل عنه الصبر يوم تحملواوعادت صباه في الصبا وهي شمأل
قال ذلك لأن الصبا: ريح تحبها العرب محبتها للجنوب؛ لأنها ريح لينة عذبة، وقد تجلب المطر في بعض أقطار الأرض كما تجلبه الجنوب، قال امرؤ القيس:
راح تمريه الصبا ثم انتحىمنه شؤبوب جنوب منفجره
فأراد أن صباه -أي ريحه في الصبا التي كانت تولف له ما يهواه ويحبه مع من يحبه- عادت شمالاً؛ لأن الشمال في أكثر نواحي الأرض لا تولف السحاب؛ بل تمحقه وتشينه، كما قال:
لعمري لئن ريح المودة أصبحتشمالاً لقدماً كنت وهي جنوب
وقال أبو تمام:
تصدت وحبل البين مستحصد شزروقد سهل التوديع ما وعر الهجر
تصدت: أي بدت، وظهرت، ومستحصد: شديد الفتل، والشزر: الفتل إلى فوق، واليسر: الفتل إلى أسفل.
وقوله: «وقد سهل التوديع ما وعر الهجر» يريد أنها كانت هاجرة فبرزت عند التوديع.
وقال أيضاً:
مالي بعادية الأيام من قبللم يثن كيد النوى كيدي ولا حيلي
وهذا من جيد ابتداآت هذا الباب.
وقال البحتري:
راجع القلب بثه وخبالهلخليط زمت لبين جماله
وقال أيضاً:
له الويل من ليل بطاء أواخرهووشك نوى حي تزم أباعره
وقال أيضاً:
شط من ساكن الغوير مزارهوطوته البلاد فالله جاره
وقال أيضاً:
إذا عرضت أحداج سلمى فنادهاسقتك روايا المزن صوب عهادها
وقال أيضاً:
تظن شجوني لم تعتلجوقد خلج البين من قد خلج
وقال أيضاً:
بمثل لقائها شفي الغليلغداة تزايلت تلك الحمول
وقال:
فؤاد بذكر الظاعنين موكلومنزل حي فيه للشوق منزل
وقال أيضاً:
لما وصلت أسماء من حبلنا شكروإن حم بالبين الذي لم نرد قدر
وقال أيضاً:
على الحي سرنا عنهم وأقامواسلام، وهل يدني البعيد سلام؟
وقال أيضاً:
لأوشك شعب الحي أن يتفرقافيدني الجوى، أو يرجع الحب أو لقا
أي يصير الحب جنوناً، وهذا كقول أبي تمام:
أسارت في عقله لمما
وقال: عاد للصب شجوه واكتئابهببعاد الذي يراد اقترابه
وقال أيضاً:
أصدود غلا بها أم دلاليوم زمت برامة الأجمال
وهذه كلها ابتداآات جياد، حسان، مختارة المعاني.
وقال أبو تمام:
يوم الفراق لقد خلقت طويلالم تبق لي جلداً، ولا معقولا
فجعل يوم الفراق طويلاً.
وقال البحتري كأنه يرد هذا المعنى على أبي تمام، وينسب يوم الفراق غلى القصر، وذكر العلة في ذلك فقال:
ولقد تأملت الفراق فلم أجديوم الفراق على امريء بطويل
قصرت مسافته على متزودمنه لدهر صبابة وعويل
وهذه إنما هي حال من كان محبوبه محجوباً منه، ورؤيته متعذرة عليه قبل يوم الفراق.
وقد بين هذا المعنى بقوله:
إن للبين منة لن تؤديويداً في تماضر بيضاء
حجبوها حتى بدت لفراقكان داء لعاشق ودواء
أضحك البين يوم ذاك وأبكىكل ذي صبوة، وسر وساء
فجعلنا الوداع فيه سلامًاوجعلنا الفراق فيه لقاء
وهذا مذهب صحيح، ومعنى واضح.
وقال البحتري أيضاً:
ويوم تلاق في فراق شهدتهبعين إذا نهنهتها دمعت دما
فكيف يكون يوم تلاق طويل؟
وقال في نحوه أيضاً:
إن الفراق جلا لنا عن غادةبيضاء تجلو عن شتيت أشنب
ألوت بموعدها القديم وأيأستمنه بلي بنانه لم تخضب
وقال أيضاً فيما يؤكد هذا المعنى، ويزيده صحة:
من وراء العيون كثبان رملتنثني أفنانهن فنونا
وبود القلوب يوم استقلتظعن الحي أن تكون عيونا
وقد قال بعض الأعراب، أنشدناه الأخفش عن المبرد:
جزى الله يوم البين خيراً؛ فإنهأرانا -على علاتها- أم ثابت
تباهي بها الأرض السماء إذا مشتعليها وتحي غشية المتماوت
وقال بعض الظرفاء:
من يكن يكره الفراق فإنيأشتيهه لموضع التسليم
إن في اعتناقة لوداعوانتظار اعتناقة لقدوم
وقال البحتري:
ما كفى موقف التفرق حتىعاد بالبث موقف الإجتماع
أعناق اللقاء أثلم في الأحــشاء والقلب، أم عناق الوداع؟
وقال أيضاً:
لم يكن يومنا طويلاً بنعمان ولكن كان البكاء طويلاً
وإنما ذهب أبو تمام في معنى طول يوم الفراق إلى ما يعهده الناس، ويتعارفونه من أن وقت البؤس، وزمان المحنة أبداً طويل، ولعله ما كان مهجوراً قبل يوم الفراق، ولا كانت حاله التي وصفها البحتري.
وعلى أن البحتري قد ذهب إلى مثل ما ذهب إليه أبو تمام فقال:
يا ابنة العامري عما قليليأذن الحي فاعلمي بالرحيل
قد سمعت الغراب يذكر بيناًوانصراماً لحبلك الموصول
كيف لي بالسلو لا كيف والبيــن نازل بخطب جليل
إن يوم النوى ليوم طويلليس يفنى، ويوم حزن طويل
وإنما قال البحتري هذا لأن من يهواه كان مواصلاً له، وذلك قوله: «وانصراماً لحبلك الموصول».
ولم يقتع بأن قال: «إن يوم النوى ليوم طويل» حتى قال: «ليس يفنى، ويوم حزن طويل».
فلعل أبا تمام كانت هذه حاله أيضاً في مواصلة من فارق، واستطال يوم الفراق لذلك.
ومن رديء ابتداآت أبي تمام في هذا الباب قوله:
هن عوادي يوسف وصواحبهفعزماً فقدماً أدرك النأي طالبه
وإنما جعله رديئاً قوله: «هن» فابتدأ بالكناية عن النساء، ولم يجر لهن ذكر بعد.
ثم قال: «عوادي يوسف»، ومعناها صوارف، يقال: عداني عنك كذا: أي صرفني، أراد: هن صوارف يوسف، وصواحبه، وصوارف ههنا لفظة ليست قائمة بنفسها؛ لأنه يحتاج أن يعلم صوارفه عن ماذا، واللفظة القائمة بنفسها أن لو قال: «واتن يوسف»، أو «شواغق يوسف»، أو نحو ذلك، وكأنه أراد صوارف يوسف عن تقاه، أو عن هداه، أو عن
صحيح عزمه حتى هم بالمعصية، وإنما يتم معنى الكلمة بمثل هذه الألفاظ ألو وصلها بها.
ثم ألحق بيوسف التنوين، فجاء بثلاثة ألفاظ متوالية كلها رديئة في موضعها.
وتمم البيت بعجز لا يليق بصدره، وهو أردأ معنى من الصدر، وذلك قوله: «فعزماً فقدماً أدرك النأي طالبه».
فتصير جملة معنى البيت: هن صوارف يوسف فاعزم؛ فقديماً أدرك البعد طالبه.
وهذا كلام لا يلائم بعضه بعضاً، ولا يتشابه، وإنما كانت ألفاظه ومعانيه تتشابه لو قال:
هن عوادي يوسف وصواحبهفلا يعدونك مطلب أنت طالبه
أو «فلا يعدونك العزم فيما تطالبه»، أي لا يتجاوزك.
أو «فلا تعدلن عن مطلب أنت طالبه»، أي هن صوارف يوسف عن عزمه، فلا تنصرف أنت عن عزمك ومطلبك لعذلهن، ومن أجلهن.
وقد عاب أبا تمام بهذا البيت أبو سعيد الضرير وأبو العميثل الأعرابي، وكانا على خزانة الأدب لعبد الله بن طاهر بخراسان وكان الشاعر إذا قصده، عرض عليهما شعره، فإن كان جيداً عرضاه عليه، أو دعي به فأنشده، وإن كان رديئاً نبذاه، ودفع إلى صاحبه البر على غير
الشعر، فلما قدم أبو تمام على عبد الله قصدهما، ودفع القصيدة إليهما فضماها إلى أشعار الناس، فلما تصفحا الأشعار مرت هذه القصيدة على أيديهما، فلما وقفا على الابتداء طرحاها مع الشعر المنبوذ.
فأبطأ خبرها على أبي تمام فكتب إلى أبي العميثل أبياتًا يعاتبه فيها ويقول:
وأرى الصحيفة قد علتها فترةفترت لها الأرواح في الأجسام
ثم لقيهما فقالا له: لم لا تقول ما يفهم؟ فقال: ولم لا تفهمان ما يقال؟
فاستحسن هذا الجواب من أبي تمام.
والرجلان ما عابا إلا معيباً، وما أنكرا إلا منكراً، وكانا من أعلم الناس بالشعر وبكلام العرب.
مضت ابتداآتهما بذكر الفراق فلنذكر الآن ما جاء عنهما من ذلك وسط الكلام.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع