من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما يخلف الظاعنين في الديار من الوحش وغيرها
قال أبو تمام يخاطب الربع:
قد كنت معهوداً بأحسن ساكنثاو فأحسن دمنة ورسوم
أيام للأيام فيك غضارةوالدهر في وفيك غير مليم
وظباء أنسك لم تبدل منهمبظباء وحشك ظاعناً بمقيم
من كل ريم لو تبذل قطعتألحاظ مقلته فؤاد الريم
قوله: «ثاو بأحسن دمنة ورسوم» غلط؛ لأن رسوم الدار لا تسمى رسوماً إذا كان أهلها ثاوين فيها، بل إنما تسمى رسوماً: إذا فارقها ساكونها وارتحلوا عنها؛ لأن الرسم هو الأثر الباقي بعدهم.
والصحيح المستقيم قول البحتري:
يا مغاني الأحباب صرت رسوماًوغدا الدهر فيك عندي ملوما
وليس أبو تمام ممن يذهب هذا عليه، ولكنه يسامح نفسه في ألفاظه، فيقع الغلط عليه عند كلال خاطره، ألا تراه قال:
قالوا: أتبكي على رسم فقلت لهم: من فاته العين هدى شوقه الأثر
فجاء بالرسم في موضعه، وقد ذكرت هذا فيما تقدم.
وقوله: «من كل ريم لو تبذل» لفظ غير لائق بالمعنى، ولا ملتئم معه؛ لأنه يريد بالريم: المرأة؛ وتبذلها لا يقطع فؤاد الريم، فإن كان
أراد بالتبذل ظهروها للريم، فإن ظهروها للريم ليس بتبذل، ولا هي محجوبة ولا مصونة عن الريم، وإنما كان المعنى يصح وينتظم لو قال: «من كل ريم لو عرف الريم كنه جماله، ثم رآه أو واجهه»، فأما التبذل فقد يقع منها وربما لا يراها.
ويروى: «من كل ريم لو تبدى» أي لو ظهر، وليس بشيء؛ لأنها ليس بشيء، لأنها ليست محجوبة عن الريم.
وقال:
أأطلال هند ساء ما اعتضت من هندأقايضت حور العين بالعون والربد
إذا شئت بالألوان كن عصابةمن الهند والآذان كن من الصغد
أعجنا عليك العيس بعد معاجهاعلى البيض أتراباً على النوى والود
فلا دمع أو يعفو على إثره دمولا وجد ما لم تعي عن صفة الوجد
قوله: «حور العين» يريد النساء.
وقوله: «بالعين» يريد بقر الوحش، وقيل لها عين: لعظم أعينها.
والربد: النعام، جعلها ربداً في ألوانها.
وقوله: «كن عصابة من الهند» لأن الهند سمر إلى الصفرة الكدرة وتلك هي الربدة
والصغد: إذ أنهم صغار جداً، وربما وجد فيهم من لا يكون له أذن ظاهرة، لصغرها ولصقوها برأسه، قال ذلك: لأن النعام لا آذان لها، فقال: إذا شئن، من أجل ألوانهن، كن من الهند، أو من أجل أنهن لا آذان لهن، من الصغد.
وقوله: «أو يعفو على إثره دم» أي يكثر، يقال: عفا شعره: إذا كثر، وهو من الأضداد، وهذه طريقة لا حلاوة لها.
والبيت الأول والأخير جيدان.
وقوله: «أعجنا عليك العيس» بيت مضطرب النظم، رديء اللفظ؛ لأنه يخاطب الأطلال، فكأنه أراد أن يقول: أعجنا العيس منك على النوى والود، بعد معاجها على البيض أتراباً، فجعل «عليك» في موضع «منك».
وقال أيضاً:
تبدل غاشية بريم مسلمتردى رداء الحسن طيفاً مسلما
ومن وشى خد لم ينمنم فرندهمعالم يذكرن الكتاب المنمنما
وبالحلي إن قامت ترنم فوقهاحماماً إذ لاقى حماماً ترنما
وبالخدالة الساق المخدمة الشوىقلائص يتلون العبنى المخدما
قوله: «تبدل غاشية بريم مسلم» يعني المرأة.
«طيفاً مسلماً» يعني خيالها يعنى خيالها، ولم يرد أن من يغشى هذا المنزل ينام فيه حتى يرى الطيف في منامه، وإنما أراد: أن يتصور له خيال من كان يهواه فيه فسماه طيفاً، وهذا غير منكر.
وقوله: «ومن وشي خد لم ينمنم فرنده» ففرنده: ماؤه ورونقه.
لم ينمنم: لم ينقش كما تنقش الخدود إذا زينت، لاستغنائه عن ذلك بحسنه، وجعله وشياً، والوشي: ما كان ألواناً مختلفة كألوان الزهر في الرياض، فجعل بياض الخد وتلونه بالأحمر وشياً، أي يدل غاشي الربع من ذلك معالم يذكرن الكتاب المنمنم، أو المكتوب، وبالحلي إن قامت ترنم فوقها حماماً يترنم.
وقوله: «وبالخدلة الساق» أي الممتلئة، يعني المرأة.
والمخدمة الشوى: التي في رجلها خدمة، وهي الخلخال.
والشوى: الأطراف.
والقلائص من الإبل: جمع قلوص، وهي الفتية السن.
من يقف على الربع يتلون العبني، وهو الفحل الغليظ.
والمخدم: الذي في رجله خدمة، وهي سير غليظ محكم، يشد مثل الحلقة في رسغ البعير، ثم يشد إليه نعله، وسموا الخلخال خدمة.
ثم قال بعد هذا:
سوار إذا قابلن ممتنع الفلاجعلن الشعارين: الجديل وشدقما
وهما فحلان، يقول: إذا قابلت هذه الإبل سير الفلاة رجعت إلى أنها من نتاج هذين الفحلين الكريمين، فتقوى على قطع الفلا، فجعل ذلك شعاراً لها.
وقال: سوار -رفع- وهو وصف القلائص والعبني، وهي منصوبة.
وهذا تحمل إذا اعتمد بالكلام الاستئناف.
والمعنى أيضاً ليس بالجيد؛ لأنه جعل الإبل التي ذكر أنها مجتازة بهذا المنزل وغير مقيمة لقوله: سوار - أسوة معالمه التي قد درست، وحمائمه التي تألفه وتقطنه، ولو كان هذا المنزل عامراً بأهله، لما خلوا من إبل مقطورة تجتاز بهم، لقوم مسالمين من العشائر أو مخالفين أو متاجرين، أو أبل لهم أنفسهم يقطرونها لبعض مسيرهم ومآربهم.
ولعل منزلهم كان يألف من هذا الجنس من الإبل وهو عامر، أكثر مما يجتاز وهو خراب.
وقال البحتري:
ويزيده شجواً تقارض وحشهاوصلين وصل أحبة وحبائب
ترعى السهولة والحزون يقينهابينا لهن صدى الغراب الناعب
ما كان أحسن هذه من وقفةلو كان ذاك السرب سرب كواعب
وقوله: «وصلين» يريد وصل الذكور للإناث، ووصل الإناث للذكور.
والأحبة: الذكور.
والحبائب: الإناث؛ جمع حبيبة.
وقوله: «ترعى السهولة والحزون يقينها» يريد بالحزون: المواضع التي
يعتصم بها، ويستتر فيها من جوارح الطير والسباع.
وقوله: «صدى الغراب» يعني صوته، والصدى: هو ما يسمع بعد الصوت من جبال أو نحوه، وهو حكاية الصوت سواء، فجعل صوت الغراب صدى ولعل له أصلاً.
وقال البحتري:
أأنت ديار الحي أيتها الربى الــأنيقة أم دار المهى والنعائم
وسرب ظباء الوحش هذا الذي أرىأمامك؟ أم سرب الظباء النواعم
وأدمعي اللاتي عفاك انسجامهاوأبلاك؟ أم صوب الغيوث السواجم
وأيامنا فيك اللواتي تصرمتمع الوصل؟ أم أضغاث أحلام حالم
وهذا كأنه في مذهب أبي تمام في استقصاء المعاني؛ وليس هو بوصف جيد.
وقوله أيضاً: إن الدموع السجام هي التي عفت الديار وأبلتها أم الغيوث؛ إسراف ومبالغة غير حسنة ولا جميلة.
وأجود من هذا ومن جميع ما قاله الطائيان في هذا الباب، وأبرع لفظاً وألطف معنى ما أنشده إبراهيم الموصلي:
وما يستفيق القلب إلا انبرى لهتوهم ضيف من سعاد ومربع
أخادع عن عرفانها العين إنهمتى تعرف الأطلال عيني تدمع
عهدت بها وحشاً عليها براقعوهذي وحوش أصبحت لم تبرقع
تشابه في أجيادها وعيونهاولم يتفق أشباه سوق وأذرع
وأخذ بشار -فيما أظن- قول هذا الشاعر:
متى تعرف الأطلال عيني تدمع
فقال:
متى تعرف الدار التي بان أهلهابسعدى فإن الدمع منك قريب
فأساء إساءة بينة، لأنه جعل الدمع قريباً ولم يجعله جارياً، وقد كان يمكنه أن يقول: فدمع المقلتين سكوب، أو جرى المقلتين غروب، أو نحو هذا ولكنه وصله ببيت في غاية الحسن، فقال:
تذكر من أحببت إذ أنت يافعغلام، فمغناه إليك حبيب
ومن هنا أخذ ابن الرومي قوله:
وحبب أوطان الرجال إليهممآرب قضاها الشباب هنالكا
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع