تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

باب في وصف أطلال الديار وآثارها

قال أبو تمام:

قفوا نعطي المنازل من عيونٍلها في الشوق أحساءٌ غزار
عفت آياتهن، وأي ربعٍيكون له على الزمن الخيار؟
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نوار في صواحبها نوار»
أثافٍ كالخدود لطمن حزناًونويٌ مثل ما انفصم السوار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نوار في صواحبها نوار»

قوله " أحساء " جمع حسي، وهو الماء يغيض في الرمل، فإذا وصل إلى الصلابة وقف؛ فيحفر عنه ويشرب، وقد قال في موضع آخر:

ودع حسي عينٍ يحتلب ماءه الوجد

وقوله " أثافٍ كالخدود لطمن حزناً " من قول المرار الفقعسي:

أثر الوقود على جوانبهابخدودهن كأنه لطم
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة

وقال البحتري:

عوضٌ منهم خسيسٌ وقد حلوا اللوى منزلٌ بوجرة عافي

لم تدع منه مبليات اللياليغير نؤيٍ تسفى عليه السوافي
وأثافٍ أتت لها حججٌ دون لظى الناء مثلٌ كالأثافي
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألما فات من تلاق تلاف»

وقوله " مثل " أي قائمة ثابتة " كالأثافي " يريد الكواكب التي عند الفرقدين وهي ثلاثة، قيل لها أثاف لشبهها بالأثافي، فشبه البحتري الأثافي بها لثبوتها وأنها مثلٌ على مر الدهر؛ قال أبو حنيفة الدينوري في كتابه في الأنواء: إن في تثليثها طولاً، ولو شبهها البحتري بالنسر الواقع - لأنه أشهر وأظهر وأقرب شبهاً - لكان ذلك أحسن وأليق وأكشف للمعنى من أن يشبهها بشيء إنما استعير له اسمها، وليس يعرفه كل أحد، ولكنه جاء به من أجل القافية، وقال البحتري:

لها منزلٌ بين الدخول فتوضحمتى تره عين المتيم تسفح
للشاعر البحتري، من قصيدة «لها منزل بين الدخول فتوضح»
عفا غير نؤي دارسٍ في فنائهثلاث أثافٍ كالحمائم جنح
للشاعر البحتري، من قصيدة «لها منزل بين الدخول فتوضح»

وهذا جيد حسن وعلى منهج الشعراء، وأظنه أخذه من قول عدي بن زيد:

وثلاث كالحمامات بهابين مجثاهن توشيع الحمم
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «لمن الدار تعفت بخيم»

قال ابن الأعرابي: لا يكون " مجثاهن " إنما هو " مجراهن ".

أو من قول أبي نواس:

كما اقترنت عند المبيت حمائمبعيدات ممسى ما لهن وكون

وهذا أجود من بيت عدي ومن بيت البحتري.

وقد شبه الأثافي بالحمائم غير واحدٍ من الشعراء، والبديع النادر في وصف الأثافي قول كثير:

أمن آل قيلة بالدخول رسوموبحوملٍ طللٌ يلوح قديم؟
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أمن آل قيلة بالدخول رسوم»
لعب الزمان برسمه فأجدهحونٌ عواكف في الرماد جثوم

سفع الخدود كأنهن وقد مضتحججٌ عوائد بينهن سقيم

قوله " فأجده جونٌ عواكف " يعني الأثافي؛ لأن الريح لما كشفت عنها فظهرت سوداء، شبهها بالعوائد، والجون: الأسود، والجون: الأبيض، وهو من الأسماء المتضادة، قال الأصمعي: يقال: غابت الجونة، وطلعت الغزالة، يعني مغيب الشمس وطلوعها، وهما أسمان من أسماء الشمس، وإنما سميت الشمس جونة عند الغروب لما يعرض فيها من تغير اللون إلى السواد.

وقال حميد بن ثورٍ:

على أن سجقاً من رمادٍ كأنهحصى إثمدٍ بين الصلاء سحيق

وقال أبو سعيد المخزومي:

يبكي ثلاثاً كالحمام ركداتسفى بها الريح رماداً أرمدا

كأنما يطحن فيها إثمدا

وقال بشار بن برد:

ومسجد شيخٍ كنت في زمن الصباأحييه أحياناً وفيه نكوب
غدا بثلاثٍ ما ينام رقيبهاوأبقى ثلاثاً ما لهن رقيب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «طربت إلى حوضى وأنت طروب»

" غدا " يريد الشيخ " غدا بثلاث " أي بثلاث نسوة " ما ينام رقيبها " يعني الشيخ أنه ما ينام عن رقبتها " وأبقى ثلاثا " يعني الأثافي.

وأخذ أبو تمام قوله " ونؤى مثل ما انفصم السوار " من قول آخر:

نؤى كما نقص الهلال محاقهأو مثل ما فصم السوار المعصم

وهذا العجز ما لحسنه نهاية. وقال كثير:

عرفت لسعدى بعد عشرين حجةبما درس نؤيٌ في المحلة منحن
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أأطلال دار من سعاد بيلبن»
قديمٌ كوقف العاج، ثبتٌ حواؤهمغادر أوتادٍ برضمٍ موضن

قوله " منحن " مستدير. والوقف: السوار من الذبل ومن العاج. والرضم: صخور عظام. والرضم - أيضاً - هضاب صغار. والموضن: هو الذي بعضه فوق بعض. يقول: ضربت الأوتاد بحجارة الرضمة.

وما أحسن قول بشار:

ونؤي كخلخال الفتاة وصائمأشج على ريب الزمان رقوب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «طربت إلى حوضى وأنت طروب»
الصائم الأشج يعنى الوتد، والصائم القائمقال النابغة:
خيلٌ صيامٌ، وخيلٌ غير صائمةٍتحت العجاج، وخيلٌ تعلك اللجما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «خيل صيام وخيل غير صائمة»

فجعله رقوبا لانفراده، على الاستعارة. والمرأة الرقوب ولاشيخ الرقوب: الذي لا يعيش له ولد، والذي لا ولد له فهو ينتظره. والمستعمل في الرقبة أن يقال: رقيبٌ، وراقبٌ. وأظنه ذهب إلى توكيد الفعل، مثل قولهم " ضارب " فإذا وكدوا قالوا " ضروبٌ ". وكذلك " شاربٌ وشروبٌ، وآكلٌ وأكولٌ " أي كثير الأكل والشرب. وقال أبو تمام:

والنؤى أهمد شطره فكأنهتحت الحوادث حاجبٌ مقرون
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «وأبي المنازل إنها لشجون»

وهذا أيضاً في وصف النؤى حسنٌ،

ولست أعرف للبحتري في مثل هذا شيئا إلا ما لا يشتبه فيه، وهو قوله:

آثار نؤيٍ بالفناء مثلمٍورمام أشعث بالعراء مشجج
للشاعر البحتري، من قصيدة «لم يبق في تلك الرسوم بمنعج»

وهذا على مذاهب الناء. وقال النابغة:

رمادٌ ككحل العين ما إن تبينهونؤيٌ كجذم الحوض أثلم خاشع

ووصل البحتري بيته بأن قال:

دمنٌ كمثل طرائق الوشى انجلتلمعاتهن من الرداء المنهج
للشاعر البحتري، من قصيدة «لم يبق في تلك الرسوم بمنعج»
يضعفن عن إذ كارنا عهد الصباأو أو يهجن صبابةً لم تهتج
ولرب عيشٍ قد تبسم ضاحكاعن طرق زمنٍ بهن مدبج
للشاعر البحتري، من قصيدة «لم يبق في تلك الرسوم بمنعج»

وهذا كله على مذاهب الناس، ونحو قوله " كمثل طرائق الوشى " قول النابغة:

على الغصن الحالي كأن رسومهاالركنين وشيٌ مرجع

" مرجع " بعضه على بعض في النساجة، وقال كثير:

مغاني ديارٍ لا تزال كأنهابأفنية الشطآن ريطٌ مضلع
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «تقطع من ظلامة الوصل أجمع»

وقال كثير أيضا:

غشى الركب ربعها فعجبنامن بلاه، وما المدى بقديم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «يا لقومي لحبلك المصروم»
كحواشي الرداء قد مح منهبعد حسنٍ عصائب التسهيم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «يا لقومي لحبلك المصروم»

وهذا حسن جداً. وقول البحتري " يضعفن عن إذكارنا عهد الصبى " يعني لطول عهدهن ودروسهن.

وقد تصرف شعراء الجاهلية والإسلام في وصف آثار الديار أحسن تصرفٍ، وأتوا فيه بكل تشبيه مستحسن ومعنى مستغرب؛ فمنه قول طرفة:

تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

الوشم: أثر الحناء. وخص ظاهر اليد لأن دروسه أسرع. وقال لبيد:

وجلا السيول عن الطلول كأنهازبرٌ تجد متونها أقلامها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

وهذا ما زلت أسمع العلماء تعجب من حسنه ولطافة معناه، وكان الفرزدق إذا أنشده يسجد ويقول: إنا نعرف مكان السجود في الشعر كما تعرفونه في القرآن. وقال آخر، وأنشده إسحاق بن إبراهيم:

تمتع بكر الطرف في رسم منزلٍتحمل عنه قاطنوه فأقفرا
ترى فيه آثاراً، وإن كان داثراًتذكرك الشوق القديم فتذكرا

قوله " فتذكرا " ليس بالجيد، ووجهه الرفع، ولكنه جاء به على إدارة التوكيد، وقد جاء مثله في أشعارهم، قال جذيمة الأبرش:

ربما أوفيت في علمٍترفعن ثوبي شمالات
للشاعر جَذيمَة الأبرش، اقرأ القصيدة

وقال الجعدي:

وأقبل على مجدي ومجدك نبتحثمساعينا حتى نرى كيف نفعلا

ومثله قليلٌ. وأحسن من هذا ومن كل حسنٍ قول محمد بن عبيد الأزدي:

فلم تدع الأرواح والماء والبلىمن الدار إلا ما يشوق ويشغف
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «أرسم ديار بالستارين تعرفُ»

وأنشد إسحاق، ووجدته في التعليقات ليعلى الطائي:

لبسن البلى حتى كأن رسومهاطعمن الهوى أو ذقن هجر الحبائب

وقال ابن وهيب في مثله يذكر منزلين:

لبسا البلى فكأنما وجدابعد الأحبة مثل ما أجد
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة

وقال البحتري في مثل هذا:

صبٌ يخاطب مفحمات طلولمن سائل باكٍ ومن مسئول
للشاعر البحتري، من قصيدة «صب يخاطب مفحمات طلول»
حملت معالمهن أعباء البلىحتى كأن نحولهن نحولي
للشاعر البحتري، من قصيدة «صب يخاطب مفحمات طلول»

وأنشدني غير واحد من الشيوخ:

ما غير الدار بعد بينهمريحٌ عفت آيها ولا مطر
كأنما جزعةٌ يمانيةٌقد نشرت في عراصها الحبر

وقال آخر، وأنشده حماد:

قد وقفنابطلول وأرسم
لائحاتٌ كأنهابرد وشى منمنم
وسألنا فألحمتعن جواب المكلم

وهذا كله أحلى وألطف معاني، وألوط بالنفس من كل ما قال الطائيان.

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.