تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

سؤال الديار واستعجامها عن الجواب

قال أبو تمام:

الدار ناطقةٌ وليست تنطقلدثورها؛ إن الجديد سيخلق
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الدار ناطقة وليست تنطق»

وقال في مثل معناه:

وأبي المنازل إنها لشجونوعلى العجومة إنها لتبين
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «وأبي المنازل إنها لشجون»

وهذا معنى شائع على ألسن العرب أن تقول لمن يعقل: وأبيك لقد أجملت، وكثرت على الألسن حتى تعدوا بها إلى مالا يعقل، قسماً وغير قسم، وكذلك قالوا: لأمك الهبل، ولأمك الويل، ثم قالوا مثل ذلك لما لا أم له، وقال محرز بن المكعبر يرثي بسطام بن قيس:

لأم الأرض ويلٌ ما أجنتبحيث أضر بالحسن السبيل

فجعل للأرض أما.

وقد قال البحتري:

لعمر أبي الأيام ما جار حكمهاعلي، ولا أعطيتها ثنى مقودي
للشاعر البحتري، من قصيدة «لعمر المغاني يوم صحراء أربد»

فجعل للأيام أباً، وقوله " شجون " جمع شجن، وما أفل ما يجمع فعلٌ على فعول، قالوا: أٍد وأسود، وليس هو بابه، والشجن: الحاجة، والشجن: الهم والحزن.

وقال أبو تمام:

من سجايا الطلول أن لا تجيبافصوابٌ من مقلتي أن تصوبا

هذا البيت صدره جيد، وقوله " فصواب " ليست بالجيدة في هذا الموضع، وإنما أراد التجنيس.

وقال البحتري:

لا دمنةٌ بلوى خبتٍ ولا طللترد قولاً على ذى لوعةٍ بسل
للشاعر البحتري، من قصيدة «لا دمنة بلوى خبت ولا طلل»

وهذا بدأ جيد لفظه ومعناه.

وقال البحتريّ:

صب يخاطب مفحمات طولمن سائل باك ومن مسئول

أراد أنه باكٍ والطلول باكية، وهذا ابتداء صالح.

وقال البحتري:

عزمت على المنازل أن تبيماوإن دمن بلين كما بلينا

أي: عزمت عليها أن توضح لنا، ويكون ((تبين)) بمعنى تفصح هي في نفسها، يقال: بأن الشيء وأبان، قوله ((وإن دمن بلين كما بليان)) أي: عزمت عليها أن تبين لنا القول وإن كانت قد بليت كما بلينا نحن، وهذا بيت ردئ العجز.

وقال البحتي:

أقم عليها أن ترجع القول أو علىأخلف فيها بعض ما بي من الخبل

وهذا أيضاً بيت ردئ الصدر لفظه ومعناه؛ لأنه أراد أن يقول: قف لعلها أن ترجع القول أو على، فقال ((أقم)) مكان قف، وليس هذه اللفظة نائبة عن تلك؛ لأن الإقامة ليست من الوقوف في شيء، والدليل إلى أنه أراد أن يقول قف قوله بعد هذا:

فإن لم تقف من أجل نفسك ساعةفقفها على تلك المعالم من أجلي
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقم علها أن ترجع القول أو علي»

وقال ((علها أو على)) وهما وإن كانتا لفظتين عربيتين فلعل أحسن من عل وأبرع، وزاد في تهجينها أنه كررها في مصارع، وقوله ((أخلف بعض مابى من الخبل)) عجز حسن، أي:

أطرحه عني، أي: لعلي أبكي فأخفف بعض ما بي من البكاء، وإلى هذا المعنى ذهب، وإن لم يكن البكاء في البيت فقد ذكره من بعد.

وقال:

بالله يا ربع لما زدت تبيانافقلت لي الحي لما بان لم بانا

وقا لأيضاً:

هب الدار ردت رجع ما أنت سائلهوأبدى الجواب الربع عما تسائله
للشاعر البحتري، من قصيدة «هب الدار ردت رجع ما أنت قائله»

وهذا بيت غير جيد؛ لأن عجز البيت مثل صدره سواء ف يالمعنى، وكأنه بنى الأمر على أن الدار غير الربع، وأن السؤال إن وقع وقع في محلين اثنين، والبيت أيضا لا يقوم بنفسه؛ لأنه جعله معلقا بالبيت الثاني وهو قوله:

أفي ذاك برءٌ من جوى الهب الحشاتوقده واستغزر الدمع جائله
للشاعر البحتري، من قصيدة «هَبِ الدّارَ رَدّتْ رَجْعَ ما أنتَ قائِلُهْ»

وقال أيضاً:

هل الربع قد أمست خلاءً منازلهمجيبٌ صداه أو يخبر سائله؟
للشاعر البحتري، من قصيدة «هل الربع قد أمست خلاء منازله»

وهذا ابتداء صالح.

وقال أيضاً:

عست دمنٌ بالأبرقين خواليترد سلامي أو تجيب سؤالي

وهذا ابتداء حسن.

فهذا ما وجدته لهما من الابتداءات في الباب، وليس لهما فيه بيت بارع، والجيد للبحتري قوله:

لا دمنةٌ بلوى خبتٍ ولا طلل

وقوله:

عست دمنٌ بالأبرقين خوالي

والجيد لأبي تمام بيتاه الأولان، ومعناهما غي رمعنى هذين البتين، وبيتا البحتري أجود لفظاً، وأصح سبكاً، وهما في هذا الباب متكافئان.

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.