تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

التسليم على الديار

قال أبو تمام:

دمنٌ ألم بها فقال: سلامكم حل عقدة صبره الإلمام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»

هذا المصراع الأول في غاية الجودة والبراعة والحسن والصحة والحلاوة، وعجز البيت أيضاً جيد بالغ.

وقال:

سلم على الربع من سلمى بذى سلمعليه وسمٌ من الأيام والقدم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سلم على الربع من سلمى بذي سلم»

وهذا ابتداء ليس بالجيد؛ لأنه جاء بالتجنيس في ثلاثة ألفاظ، وإنما يحسن إذا كان بلفظتين، وقد جاء مثله في أشعار الناس، والردئ لا يؤتم به.

وقال الأبيرد بن المعذل الرياحي:

جزعت ولم تجزع من البين مجزعاوكنت بذكر الجعفرية مولعا

وقد جعل بعض الرواة هذا البيت أول قصيدة لامرئ القيس على هذا الوزن، وذلك باطل، وما ينبغي للمتأخر أن يحتذى الأخذ إلا للجيد المختار؛ لسعة مجاله، وكثرة أمثلته.

وقال البحتري:

هذي المعاهد من سعاد فسلمواسأل وإن وجمت ولم تتكلم
للشاعر البحتري، من قصيدة «هذي المَعاهِدُ مِنْ سُعَادَ، فَسَلِّمِ»

وقال أيضاً:

أمحلتى سلمى بكاظوة اسلماوتعلما أن الهوى ما هجتما

وهذا ابتداءان جيدان.

وقال أيضاً:

حييتما من مربع ومصيفكانا محلى زينبٍ وصدوف
للشاعر البحتري، من قصيدة «حييتما من مربع ومصيف»

وهذا ابتداء صالح.

وقال أيضاً:

ميلوا إلى الدار من ليلى نحييهانعم، ونسالها عن بعض أهليها
للشاعر البحتري، من قصيدة «ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها»

وهذا البيت ردئ؛ لقوله " نعم " وليس بالمعنى إليها حاجة، جاء بها حشواً. ومن الحشو ما لا يقبح، و " نعم " ههنا قبيحة، وقد أولع بها كثير بن عبد الرحمن في ابتداءاته فقال:

أمن أم عمرو بالحريق ديارنعم دارساتٌ قد عفون قفار

وقال:

أمن آل سلمى الركب أم أنت سائلنعم، والمغاني قد درسن مواثل

وقال:

أهاجتك ليلى إذ أجد رحيلهانعم، وثنت لما احزألت حمولها

احزألت: انتصبت وارتفعت.

وقال:

أبائنةٌ سعدى؟ نعم ستبينكما انبت من حبل القرين قرين
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أبائنة سعدى نعم ستبين»

وهي في كل هذه البيات رديئة، وموضعها من هذا البيت الأخير أصلح؛ لأن إسقاطها من الجميع يحسن، ولا يحتاج الاستفهام فيها إلى جواب، إلا هذا البيت فإن الاستفهام فيه يقتضي أن يكون " نعم " جوابا له، ومع هذا فليس لها حلاوة ولا حسن، ولكثير استفهامات لا جواب لها على عادات الشعراء المحسنين.

ومنها قوله:

من آل قيلة بالدخول رسوموبحومل طللٌ يلوح قديم

وكل أبيات كثير أجود من بيت البحتري؛ لأن " نعم " فيها جواب، وهي في بيت البحتري حشو، وقال البحتري في بيته " نحييها " والأجود "

نحيها " جزم لأنه جواب الأمرن وقد يكون " نحييها " رفعاً على الحال، والجواب ههنا أجود من الحال.

فهذا ما وجدته من تسليمهما على الديار، وأبو تمام عندي ف يقوله " دمن ألم بها فقال سلام " أشعر من البحتري في سائر أبياته.

وما سمعت من التسليم على الديار أحسن من قول أبي نواس:

وإذا مررت على الديار مسلماًفلغير دار أميمة الهجران
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «حي الديار إذ الزمان زمان»

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.