من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
وفي البكاء على الديار
قال أبو تمام:
على مثلها من أربع وملاعبأذيلت مصونات الدموع السواكب
قد أنكر " مصونات الدموع السواكب " بعضهم وقال: كيف من السواكب ماهو مصون وإنما أراد أبو تمام أذيلت مصونات الدموع التى هى الآن سواكب، ولفظة يحتمل ما أراده، والبت لفظاً ومعنى ونظماً.
وقال أيضاً:
أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفافلا تكفن من شانيك أو يكفا
هذا ابتداء حسن.
وقال أيضاً:
أزعمت أن الربع ليس يتيموالدمع في دمنٍ عفت لا يسجم
وقال أيضاً:
قرى دارهم منى الدموع السوافكوإن عاد صبحى بعدهم وهو حالك
وهذان ابتداءان جيدان.
وقال أيضاً: تجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد ودع حسى عينٍ يحتلب ماءه الوجد الجرع والأجرع والجرعاء: أرض ذات رملٍ وحجارة مختلطة خشنة، وقد قيل: رملة سهلة، والحسى: ماء المطر يغيض في الرمل قليلا ثم يصير إلى الصلابة فيقف فيحفر عنه ويشرب، وجمعه أحساء.
وقال البحتري:
متى لاح برقٌ أو بدا طللٌ قفرجرى مستهلٌ لا بكئٌ ولا نزر
وهذا بيت حسبك به جودةً وحسنا وبراعة وفصاحة.
ونحوه قوله:
لها منزلٌ بين الدخول فتوضحمتى تره عين المتيم تسفح
هذا مثل قول امرئ القيس " بين الدخول فحومل " وهذا أيضاً بيت جيد، وليس كالأول.
وقال أيضاً:
أفي كل دارٍ منك عينٌ ترقرقوقلبٌ على طول التذكر يخفق
وهذا أيضاً غاية في جودته وبراعته وكثرة مائه.
وقال أيضاً:
ألما يكف في طللى زرودبكاؤك دارس الدمن الهمود
وقال أيضاً:
أعن سفه يوم الأبيرق أم حلموقوفٌ بربعٍ أو بكاءٌ على رسم
هذه الأبيات الثلاثة كأنه منكر على نفسه البكاء، وقد أحسن فيما اعتمد من ذلك وأجاد، وهو ضد ما ذهب إليه أبو تمام في أبياته.
وقال البحتري، وهو حسن جداً:
وقوفك في أطلالهم وسؤالهايريك غروب الدمع كيف انهمالها
وقال:
عند العقيق فماثلات ديارهشجنٌ يزيد الصب في استعباره
وقال:
يأبى الخلي بكاء المنزل الخاليوالنوح في دمنٍ أقوت وأطلال
وقال:
أبكاءً في الدار بعد الداروسلوا عن زينبٍ بنوار
وهذا من البحتري تصرفٌ في البكاء على الديار حسن، ومعانٍ فيه مختلفة عجيبة، كلها جيد نادر، وأبو تمام لزم طريقة واحدة لم يتجاوزها، والبحتري في هذا الباب أشعر.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع