تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

ما قالاه في أوصاف الديار والبكاء عليها

قال أبو تمام:

طلل الجميع لقد عفوت حميداوكفى على رزئي بذاك شهيدا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»
دمنٌ كأن البين أصبح طالباًدينا لدى آرامها وحقودا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»
قربت نازحة القلوب من الجوىوتركت شأو الدمع فيك بعيدا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»
خضلاً إذا العبرات لم تبرح لهاوطناً سرى قلق المحل طريدا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»

وقوله " وكفى على رزئي بذاك شهيدا " ليس بالجيد، وقد ذكرت معناه فيما تقدم من ذكر معانيه في باب الابتداءات عند ذكر البيت، وقوله قربت نازحة القلوب من الجوى " يريد القلوب التي بعد عهدها بمرض الحب فأدنيتها من ذلك عند الوقوف عليك، يخاطب الطلل والدمن، وقوله " وتركت شأو الدمع فيك بعيداً " أي: دائماً طويلا، وقوله " خضلا إذا العبرات لم تبرح لها وطناً سرى قلق المحل طريداً " أي: من كان إنما يبكي في وطنه على الحوادث التي تحدث عليه فيه سرى هذا الدمع قلق المحل طريدا، أي اعتسف المسير لطوله حتى يحل بهذه الدمن، وهذا نحو من قوله:

فما وجدت على الأحشاء أبرد مندمعٍ على وطن لي في سوى وطني

فقوله " على وطن " يعني الرسوم والطلول التي يقف عليها، وهذا من جيد ألفاظه وصحيح معانيه، وغرضه فيما وصف من الدمع غرضٌ حسن، وأحسن منه وألطف وأغرب قوله:

أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفافلا تكفن عن شانيك أو يكفا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا»
لا عذر للصب أن يقنى السلو ولاللدمع بعد مضى الحي أن يقفا
حتى يظل بماء سافحٍ ودمٍفي الربع يحسب من عينيه قدر عفا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا»

وهذا المعنى ليس له، وإنما أخذه من قول أبي وجزة السعدي:

عيونٌ ترامى بالرعاف كأنهامن الشوق صردانٌ تدب وتلمع

قيل في تفسيره: شبه الدمع وقد عصفره الدم بالرعاف، وشبه العيون - وهي تفيض بالدمع تارة وتحبسه أخرى - بالصردان تنتفض تارة وتظهر قريبا من الأرض تارة، وبيت أب يتمام أجود لفظاً ونظماً، ولا أظن البحتري ذهب إلى مثل هذا المعنى، ولا للمعنى الذي قبله

في وصف الدمع، ولكنه يعتذر مرةً بقلة دمعه، ومرة يذكر كثرته ويفتخر بغزره، وفي كل ذلك يحسن ويجيد؛ فمن اعتذاره قوله في قصيدته التي أولها:

فيم ابتدار كما الملام ولوعاأبكيت إلا دمنةً وربوعا
يا دار غيرها الزمان وفرقتأيدي الحوادث شملها المجموعا
للشاعر البحتري، من قصيدة «فيم ابتداركم الملام ولوعا»
لو كان لي دمعٌ يحسن لوعتيخليته في عرصتيك خليعا
للشاعر البحتري، من قصيدة «فيم ابتداركم الملام ولوعا»
لاتخطبي دمعي إلى؛ فلم يدعفي مقلتي جوى الفراق دموعا

قوله في ابتداء القصيدة " أبكيت إلا دمنةً وربوعا " قد أخبر أنه بكى ثم قال " لو كان لي دمع يحسن لوعتي " أي: لو كان ل يدمع غزير يليق بلوعتي وينبئ عنها، وكذلك قوله " فلم يدع في مقلتي جوى الفراق دموعا " أي: دموعا كافية أرضاها، أو دموعا تشفيني؛ لأنه استقل دمعه واستنزره، أو أن يكون انقطع دمعه وفنى، ولله در كثير إذ يقول:

وقضين ما قضين ثم تركننيبفيفا خريم واقفاً أتلدد
ولم أر مثل العين ضنت بمائهاعلى، ولا مثلي على الدمع يحسد

وقال أبو تمام:

أقشيب ربعهم أراك دريساًتقرى ضيوفك لوعةً ورسيسا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أقشيب ربعهم أراك دريسا»
ولئن حبست علىلبلى لقد اغتدىدمعى عليك إلى الممات حبيسا
وأرى رسومك موحشاتٍ بعدماقد كنت مألوف المحل أنيسا
وبلاقعاً حتى كأن قطينهاحلفوا يميناً أخلفتك غموسا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أَقَشيبَ رَبعِهِم أَراكَ دَريسا»

وهذا كلام رصينٌ، وقوله " حلفوا يمينا أخلفتك " أي: كأنهم حلفوا يمينا ألا يعودوا إليك، فأخلفتك هذه اليمين.

ومن حلو معانيه وجيد ألفاظه في البكاء على الديار قوله:

دمنٌ لوت عزم الفؤاد ومزقتفيها دموع العين كل ممزق
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا برق طالع منزلا بالأبرق»

وقال أيضاً:

سقى عهد الحمى سبل العهادوروض حاضرٌ منه وبادي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سقى عهد الحمى سبل العهاد»
نزحت به ركى العين إنيرأيت الدمع من خير العتاد

وهذا البيت في غاية الجودة لفظه ومعناه،

يريد فيا حسن الرسوم ولم يمش إليها الدهر: أي لم يصبها الدهر ببعد أهلها عنها، فأخرجه هذا المخرج القبيح المستهجن.

ومن إحسان أبي عبادة المشهور في هذا قوله:

أمحلتى سلمى بكاظمة اسلماوتعلماً أن الهوى ما هجتما
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمحلتي سلمى بكاظمة اسلما»
هل ترويان من الأحبة هائماًأو تسعدان على الصبابة مغرما
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمحلتي سلمى بكاظمة اسلما»
أبكيكما دمعاً ولو أنى علىقدر الجوى أبكى بكيتكما دما
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمحلتي سلمى بكاظمة اسلما»

ومن جيد شعر أبي تمام أيضا في هذا الباب قوله:

أرامة كنت مألف كل ريملو استمتعت بالأنس القديم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرامة كنت مألف كل ريم»
أدار البؤس حسنك التصابيإلى فصرت جنات النعيم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرامة كنت مألف كل ريم»
لئن أصبحت ميدان السوافيلقد أًصبحت ميدان الهموم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرامة كنت مألف كل ريم»
ومما ضرم البرحاء أنىشكوت وما شكوت إلى رحيم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرامة كنت مألف كل ريم»
أظن الدمع في خدي سيبقىرسوماً من بكائي في الرسوم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرامة كنت مألف كل ريم»

وهذا من أسهل كلامه وأسلس نظمه، ومن أبعد قولٍ من التكلف والتعسف، وأشبهه بكلام المطبوعين وأهل البلاغة، وقوله " فصرت جنات النعيم " معنىً حسنٌ، ولكن فيه إسراف أن يجعل داراً خلت من أهلها وسماها دار بؤس وهو باكٍ فيها جنات النعيم.

وقد أتى البحتري بهذا المعنى متبعاً فيه أبا تمام، ولكنه جاء به على سبيل اقتصادٍ واعتدالٍ، واجتنب إفراطه، فقال:

يا مغاني الأحباب صرت رسوماًوغدا الدهر فيك عندي ملوما
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا مغاني الأحباب صرت رسوما»
ألف البؤس عرصتيك وقد كنت بعيني جنةً ونعيماً

فقال " ألف البؤس عرصتيك " ثم قال " وقد كنت بعيني جنة ونعيما " فجعلها جنة ونعيما فيما مضى، ومع هذا فإني أقول: إن بيت أبي تمام أحسن، وهو في سائر أبياته أشعر.

وقال البحتري:

لعمرك إن الدراسات لقد غدتبريا سعاد وهي طيبة العرف
بكينا فمن دمع يمازجه دمهناك، ومن دمع نجود به صرف
للشاعر البحتري، من قصيدة «أبالمنحنى أم بالعقيق أم الجرف»

وهذا حسن جداً، وإنما أخذ قوله ((بريا سعدا وهي طيبا العرف) من قول الآخر، أنشده الأخفش عن المبرد:

وأستودعت نشرها الديار؛ فماتزداد إلا طيبا على القدم

وهذا أجود من بيت البحتري، لما فيه من الزيادة الحسنة، وهي قوله ((فما تزداد إلا طيبا على القدم)).

وهذا أجود من بيت البحتري، لما فيه من الزيادة الحسنة، وهو قوله: "فما تزداد إلا طيباً على القدم"

وقال البحتري:

ترى الليل يقضى عبقةً من هزيعهأو الصبح يجلو غرة من صديعه
أو المنزل العافي يرد أنيسهبكاء على أطلاله وربوعه
للشاعر البحتري، من قصيدة «ترى الليل يقضي عقبة من هزيعه»
إذا ارتفق المشتاق كان سهادهأحق بجفني عينه من هجوعه
للشاعر البحتري، من قصيدة «ترى الليل يقضي عقبة من هزيعه»

وهذا لفظ فحلٌ، ومعان في غاية الصحة والاستقامة.

وللبحتري في وصف الديار والبكاء عليها مذهب آخر، وهو حسنٌ جداً، ومن ذلك قوله:

أبكاءً في الديار بعد الدار؟وسلواً بزينب عن نوار؟
لا هناك الشغل الجيد بحزوىعن رسوم برامتين قفار
ما ظننت الأهواء قبلت تحمىمن صدور العشاق محو الديار
نظرةٌ ردت الهواء الشرق غرباًوأمالت نهج الدموع الجواري

وهذا غرض حلو، ومعنى لطيف،

ومثله قوله، ولكن ليس فيه ذكر البكاء:

أبيت بأعلى الحزن والرمل دونهمغانٍ لها ومجفوةٌ وطلولُ
وقد كنت أرجو الريح غرباً مهبهافقد صرت أهوى الريح وهي قبول

وذلك لأن القبول هي الصبا، ومهبها من مطلع الشمس، ونحوه قوله:

كلفتني أريحيات الصباطلقاً في الحب ممتد الرسن
نقلتني في هوى بعد هوىوابتغت لي سكناً بعد سكن
للشاعر البحتري، من قصيدة «قلما لا تتصباني الدمن»

وقوله:

ما ظننت الأهواء بعدك تمحىمن صدور العشاق محو الديار

معنىً حسنٌ، وإنما أخذه من قول أبي تمام:

زعمت هواك عفا الغداة كما عفتمنها طلولٌ باللوى ورسوم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أسقى طلولهم أجش هزيم»

وبيت البحتري أحلى وأبرع وقال البحتري في وجه آخر، وهو أيضاً حسن لطيف:

في كل يومٍ دمنةٌ من حبهمتقوى، وربعٌ بعدهم يتأبد
أوما كفانا أن بكينا غرباحتى شجتنا بالمنازل ثهمد
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا يوم عرج بل وراءك يا غد»

ومثله قوله:

هو الدمع موقوفاً على كل دمنةٍتعرج فيها أو خليطٍ تزايله
للشاعر البحتري، من قصيدة «هب الدار ردت رجع ما أنت قائله»
تراد فهم خفض الزمان ولينهوجادهم طل الربيع ووابله

وإنما حذا البحتري هذا المعنى على حذو قول كثير:

وكنت امرأ بالغور مني صريمةوأخرى بنجدٍ، ما تعبد وما تبدى
فطوراً أكر الطرف نحو نهامةٍوطوراً أكر الطرف كراً إلى نجد
وأبكي إذا فارقت هنداً صبابةًوأبكي إذا فارقت دعداً على دعد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وكنت امرءا بالغور مني ضمانة»

وهذا ما لا مزيد فيه على حسنه وطلاوته، ومثله قول جرير:

أخالد قد علقتك بعد هندٍفشيبني الخوالد والهنود
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا زارت وأهل منى هجود»
هوى بتهامة هوى بنجدٍفقتلني التهائم والنجود
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا زارت وأهل منى هجود»

وقال جرير في نحو هذا:

إلى الله أشكو أن بالغور حاجةًوأخرى إذا أبصرت نجداً بداليا
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي رهبى ثم حي المطاليا»

ومثله قوله أيضاً:

أحب ثرى نجدٍ، وبالغور حاجةٌفغار الهوى يا عبد قيسٍ وأنجدا
للشاعر جرير، من قصيدة «غدا باجتماع الحي نقضي لبانة»

هذا

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.