من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما قالاه في سؤال الدار واستعجامها عن الجواب والبكاء عليها أيضاً
قال أبو تمام:
من سجايا الطلول ألا تجيبافصواب من مقلة أن تصوبا
فاسألنها واجعل بكاك جواباًتجد الشوق سائلاً ومجيبا
وقد ذكرت هذا الابتداء في الابتداءات.
وقوله: «فاسألنها واجعل بكاك جواباً»، لأنه قال: من سجاياها ألا تجيب، فليكن بكاؤك الجواب؛ لأنها لو أجابت: أجابت بما يبكيك، أو لأنها لما لم تجب علمت أن من كان يجيب قد رحل عنها، فاوجب ذلك بكاءك.
وقوله: «تجد الشوق سائلاً ومجيباً»، أي أنك إنما وقفت على الدار وسألتها لشدة شوقك إلى من كان بها، ثم بكيت شوقاً إليهم، فكان الشوق سبباً للسؤال، وسبباً للبكاء.
وهذه فلسفة حسنة، ومذهب من مذاهب أبي تمام، وليس على مذاهب الشعراء ولا طريقتهم، ومثله قوله:
تجرع أسى قد أقفر الجرع الفردودع حسى عين يجتلب ماءه الوجد
إذا انصرف المحزون قد فل صبرهسؤال المغاني فالبكاء له رد
فالجرع: الموضع من الأرض له ارتفاع، ويقال هو حزن، ويقال هو سهل يشبه الرمل، والجمع: اجراع.
وقوله: «فالبكاء له رد»، أي للسؤال، على معنى قوله:
تجد الشوق سائلاً ومجيبا
ولم يسلك البحتري هذه الطريق، بل جرى في هذا الباب على مذاهب الناس فقال:
وقفنا على ذات النخيلة فانبرتسواكب قد كانت بها العين تبخل
على دارس الآيات عاف تعاقبتعليه صباً ما تستفيق وشمأل
فلم يدر رسم الدار كيف يجيبناولا نحن من فرط البكا كيف نسأل
وقول أبي تمام وإن كان فيه دقة وصنعة، فهذا عندي أولى بالجودة، وأحلى في النفس، وألوط بالقلب، وأشبه بمذاهب الشعراء.
ومثله في الحسن والجودة والحلاوة قوله:
خلفت بعدهم ألاحظ نيةقذفاً وأنشد دارساً مترسما
طللاً أكفكف فيه دمعاً معرباًبجوى واقرأ فيه خطاً أعجما
تأبى رباه أن تجيب ولم يكنمستخبر ليجيب حتى يفهما
وقال أبو تمام:
قد مررنا بالدار وهي خلاءفبكينا طلولها والرسوما
وسألنا ربوعها فانصرفنابشفاء وما سألنا حكيما
وهذه معنى حسن حلو، ومذهب صحيح قد تقدم الناس فيه.
وقال البحتري في مثله أو قريب منه:
يا دار لا زالت رباك مجودةمن كل غادية تعل وتنهل
فهمتنا دول الزمان وصرفهوأريتنا كيف الخطوب النزل
أراد تعل الربى وتنهل من كل غادية.
وقوله: «فهمتنا دول الزمان وصرفه» مع تمام البيت، وقريب من قول أبي تمام: «فانصرفنا بشفاء»، وإن كان أبو تمام إنما انصرف بشفاء من العلم بأهل الدار أنها منهم مقفرة.
والبحتري قد دل على هذا إلا أنه جاء في بيت بأسره، ومعنى أبي تمام جاء به في حكمة واحدة، وأتى بزيادة في غاية الحلاوة والصحة، وهو قوله: «وما سألنا حكيما».
فأبو تمام في هذا عندي أشعر من البحتري.
ومما يشبه قول أبي تمام: «فانصرفنا بشفاء»، أو يقاربه قوله:
وأبى المنازل إنها لشجونوهلى العجومة إنها لتبين
وهذا بيت حسن، وقد ذكرته في الابتداءات.
وقد قال مسلم بن الوليد:
وقفت على أطلال لهم فكأنهاتفهم إلا أنها لم تحاور
وقال أبو تمام:
هل أثر من ديارهم دعسحيث تلاقى الأجراع والوعس
مخبر السائل الرذية في الـأطلال أين الجآذر اللعس؟
لا تسألنها فليس يسمع جرس الـقول غلا شخص له جرس
وهذه أبيات متعسفة، ولفظ غير جيد، ومعنى غير حسن.
وقوله: الأجراع والوعس، فالأجراع: جمع جرع، مثل جبل وأجبال، وهو المكان من الأرض الذي فيه حزونة، ويقال بل هي سهلة غير أنها مرتفعة قليلاً، تشبه الرمل في سهولتها، ويقال أيضاً: أجرع وأجارع وجرعاء وجرعاوات وجرع وأجراع.
والوعس: جمع وعساء، مثل حمراء وحمر، وهي: الرملة التي تغوص فيها الرجل، وإذا ذكروا قالوا: أوعس.
وقد تصرف البحتري في هذا الباب تصرفاً كثيراً حسناً فقال في قصيدته التي أولها: «هجرت وطيف خيالها لم يهجر»:
مستهتر بالظاعنين وفيهمصد يضرم لوعة المستهتر
يسل المنازل عنهم وعلى اللوىدمن دوارس إن تسل لا تخبر
ومن السفاهة أن تظل مكفكفاًدمعاً على طلل تأبد مقفر
وهذا كلام فحل، ومعان جيدة صحيحة مستقيمة.
ومثل هذا في الجودة والبراعة قوله:
هويناك من لوم على حب تكتماوقصرك نستخبر ربوعاً وأرسما
تحمل منها منجد من خليطهمأطاع الهوى حتى تحول منهما
وما في سؤال الدار إدراك حاجةإذا استعجمت آياتها أن تكلما
قوله: هويناك، تصغير هوينك، والهون: المهل، يقال: سر على مهل، وتكلم على مهل، ويقال للمتكلم: هوناً: أي مهلاً، وهونك: أي مهلك، أي الزم مهلك ولا تعجل.
وأراد البحتري ارفق واكفف من لومك، ألا تراه وكد ذلك بقوله: «وصرك نستخبر»، أي أقصر.
ووجدت بعضهم يستهجن هذه اللفظة، كأنه كره أن يكون مبتدأ
بها، وليست عندي بمكروهة ولا مستهجنة، وهو ابتداء إن لم يكن من جيد ابتداءاته ونادرها، فليس هذا من رديئها.
ووصل هذا بأن قال:
نصرت لها الشوق اللجوج بأدمعتلاحقن في أعقاب وصل تصرما
وتيمني أن الجوى غير مقصروأن الحمى وصف لمن حل بالحمى
فقوله: «نصرت لها الشوق اللجوج بأدمع»، يعني الدار، بعد قوله: «وما في سؤال الدار إدراك حاجة» لأنه لما لم يجد في سؤالها إدراك حاجة.
وهذا قريب من قول أبي تمام:
فاسألنها واجعل بكاك جواباًتجد الشوق سائلاً ومجيبا
وقوله: «وأن الحمى وصف لمن حل بالحمى»، غير جيد، وهو من توليدات المتأخرين، وأصل من أصول أبي تمام التي يعمل عليها.
وقوله: «نصرت لها الشوق اللجوج بأدمع»، خطأ اتبع فيه أبا تمام في قوله:
دعا شوقه يا ناصر الشوق دعوةفلباه طل الدمع يجري ووابله
وقد شرحت المعنى فيما تقدم.
وقال البحتري:
وبذي الأراكة من مصيف لابسنسج الرياح ومربع مهضوب
دمن لزينب قبل تشريد النوىمن ذي الأراك بزينب ولعوب
تأبي المنازل أن تجيب ومن جوىيوم الديار دعوت غير مجيب
وهذا من جيد شعره، وبارع ألفاظه، ومتقن معانيه.
وقال أيضاً:
إذا شئت أجرت أدمعي من شؤؤنهاربوع لها بالأبرقين وأرسم
وقفت بها والركب شتى سبيلهميفيضون منهم عاذرون ولوم
هي الدار إلا أنها لا تكلمعفا معلم منها وأقفر معلم
تقيض لي من حيث لا أعلم النوىويسري إليَّ الشوق من حيث أعلم
وهذه أبيات جياد.
وقوله: «عفا معلم منها»، أي انمحى وذهب، «وأقفر معلم»، أي خلا من أهله، وفي هذا سؤال، وهو أن يقال: المعلم الذي عفا هو أيضاً مقفر؛ لأن المقفر: الخالي، فما وجه هذا التقسيم؟
والجواب: ان العافي: هو الذي قد ذهب وفني وعدم، فلا ينسب إلا أنه مقفر؛ لأن المقفر: الخالي، والخالي لا يكون معدوماً. فأراد الحبتري: أن معلماً منها عفا، أي عدم، ومعلماً بقي مقفراً، أي خالياً من أهله، كما يقول القائل في الرجلين: مات أحدهما وأعدم الآخر، فالميت لا يقال له معدم.
وقال البحتري:
أرسوم دار أم سطور كتابدرست بشاشتها على الأحقاب
يجتاز زائرها بغير لبانةويرد سائلها بغير جواب
قوله: «أرسوم دار» من ابتداءاته العجيبة لفظاً ومعنى، وقد ذكرته في بابه من الابتداءات.
وقوله: «يجتاز زائرها بغير لبانة» أي إذا عرج عليها زائرها في اجتيازه بها فإنه يجتاز، أي يجوزها ويمضي بغير حاجة قضيت له، وأراد: ينصرف عنها بغير لبانة، فجعل في موضع «ينصرف»، «يجتاز».
وقال البحتري أيضاً:
هب الدار ردت رجع ما أنت قائلهوأبدى الجواب الربع عما تسائله
أفي ذاك برء من جوى ألهب الحشاتوقده واستغزر الدمع جائله
وهذا معنى حلو، ومذهب حسن إلا أنه معنى صدر البيت في عجزه، وهذا قبيح من مثله، وجعل البيت الثاني معلقاً بالأول، والعذر له أن يقال: إنه جعل الدار غير الربع.
وقال أبو تمام في قصيدته التي أولها:
أي مرعى عين ووادي نسيب
فعليه السلام لا أشرك الأطـلال في لوعتي، ولا في نجيبي
فسواء إجابتي غير داعأم دعائي بالقفر غير مجيب
أخذه البحتري فقال:
أصبابة برسوم رامة بعدماعرفت معالمها الصبا والشمأل
وسألت من لا يستجيب فكنت في اسـتخباره كمجيب من لا يسأل
وبيت أبي تمام أجود.
قال أبو تمام:
لهم منزل قد كان بالبيض كالدمىفصيح المغاني ثم أصبح أعجما
ورد عيون الناظرين مهانةوقد كان مما يرجع الطرف مكرما
وهذا في غاية الحسن والحلاوة.
وقال البحتري:
منازل ما تجيب الصب من خرسولا تريغ غلى شكواه من صمم
أقام ينشد شملاً غير متفقمن آل ليلى وشعباً غير ملتئم
قوله: «ما تجيب الصب من فرس»، أي ما تجيب الصب لخرسها، ولا تريغ إلى شكواه من صمم، أي لصممها.
وهذه أيضاً أبيات حلوة، حسنة الغرض.
فهذا ما وجدته لهما في هذا الباب، وهما عندي فيه متكافئان، وأجود من كل ما قالاه من ذلك قول جميل:
أصبح الربع من بثينة فيازاده طول ما تأبد عيا
وإن ما يبين رجع سؤالولقد يسمع السؤال الخفيا
وقال المخبل:
وكأنما أثر النعاج بجوهابمدافع الركنين ودع جوار
وسألتها عن أهلها فوجدتهاعمياء جافية عن الإخبار
وهذا كلام حلو جداً.
وقال عوف بن عطية بن الخرع:
وقفت بها ما تبين الكلام لسائلها القول إلا سرار
أي إنا قد فهمنا عنها وإن لم تجب؛ فجعل ذلك سراراً.
وقال ذو الرمة:
وقفنا فسلمنا فردت تحيتناعلينا ولم ترجع جواب المخاطب
الأصمعي يقول: من سرورنا بها رأينا أنها قد ردت علينا التحية وأجابتنا.
وقال غيره: ردت تحية، أي لم تقبلها منا.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع