من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما قالاه في الوقوف على الديار وفي تعنيف الأصحاب إياهما على ذلك
قال أبو تمام:
فاعقل بنضو الدار نضوك يقتسمفرط الصبابة مسعد وحزين
لا تمنعني وقفة أشفي بهاداء الفراق فإنها ماعون
واسق الأثافي من دموعك ريهاإن الضنين بدمعه لضنين
استعار للدار اسم «النضو» لدروسها، من أجل قوله: «نضوك»، يريد بعيره، وذلك رسمه ومذهبه في الاستعارة.
وقوله: «يقتسم فرط الصبابة مسعد وحزين» فإن المسعد ليس عنده من الصبابة ما عند الحزين؛ لأن الصبابة رقة الشوق، فما في المسعد من الاشتياق؟ وكيف فرط الاشتياق؟
والقريب من الصواب قول البحتري:
هل مغرم يعطى الهوى حق الجوىمنكم فينفد دمعه، أو مسعد
أي هل مغرم منكم يبكي لغرامه كما أبكي أو مسعد؟ لأن المسعد قد يبكي لبكاء صاحبه وإن لم تك هناك صبابة، أو أن يكون أراد بالمسعد من يقف معه يتألم له ولا يعنفه.
وقول أبي تمام يتجاوز في مثله: لأن الهائم الصب إذا وجد من يرق له ويرحمه ويظهر الاغتمام بأمره، يخيل إليه أن من شأنه أن يحزن كحزنه، ويبكي كبكائه وقد قال البحتري في مثل هذا:
هلا بكيت وقد رأيت بكاءهودنفت حين سمعت شكوى المدنف
فلأجرين الدمع إذ لم تجرهولأعرفن الوجد إذ لم تعرف
وأنا المعنف في الصبابة والصبىوعليهما إن كنت غير معنف
فأراد من صاحبه أن يدنف كدنفه، كما أراد أبو تمام من صاحبه أن يقاسمه فرط الصبابة.
وقد قال كثير:
خليلي هذا رسم عزة فاعقلاقلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت
فأراد هذا أيضاً من خليله أن يبكيا على رسم عزة.
وقال أبو تمام فجرى على المنهج المستقيم في مخاطبة الأصحاب:
ما في وقوفك ساعة من باسنقضي ذمام الأربع الأدراس
فلعل عينك أن تجود بمائهاوالدمع منه خاذل ومواسي
لا يسعد المشتاق وسنان الهوىيبس المدامع بارد الأنفاس
فقال: «وسنان الهوى» أي نائم الهوى، أي من لا هوى له، فهو بس المدامع بارد الأنفاس، فلا يكون منه إسعاد.
ومن كان في قلبه هوى فانفاسه حارة لحرارة قلبه، فأتاك ههنا بعين الصواب، وحقيقة أمر الصاحب، فأحسن وأجاد.
ومثله قول البحتري:
يأبى الخلي بكاء المنزل الخاليوالنوح في دمن أقوت وأطلال
وذو الصبابة ما ينفك ينصبهوجد تأبد آي الدمنة الخالي
قوله: «تأبد» أي صار فيها أوابد الوحش، ويقال: تأبد المنزل: إذا طال عليه الأبد.
ونحو هذا قول أبي تمام أيضاً:
أقول لقرحان من البين لم يضفرسيس الهوى بين الحشا والترائب
أعني أفرق شمل دمعي فإننيأرى الشمل منهم ليس بالمتقارب
وما صار يوم الدار عذلك كلهعدوي حتى صار جهلك صاحبي
وما بك إركابي من الرشد مركباًألا إنما حاولت رشد الركائب
فكلني إلى شوقي وسر يسر الهوىإلى حرقاتي بالدموع السوارب
قوله: «أقول لقرحان من البين» أي التمست المعونة والمساعدة في الوقوف على الدار معي ممن لم يذق مفارقة الأحباب ولم يعرف الهوى؛ كأنه ينكر ذاك على نفسه.
والقرحان: هو الذي لم يخرج به الجدري، وليس به آثاره ولا آثار غيره من القروح، وقيل له قرحان، على العكس، كما قيل للأسود: أبو البيضاء، والمهلكة: مفازة، ونحو هذا، فجعل أبو تمام من لم يعشق ولم يفارق الأحباب قرحاناً، على التشبيه، كما قال جرير:
لو كنت من زفرات الحب قرحانا
ثم قال:
وما صار يوم الدار عذلك كلهعدوي حتى صار جهلك صاحبي
فأراد أنه قد عذله على الوقوف والبكاء وأنه كره عذله وشق عليه، فصار عذله عدواً له، وإنما أراد عداوته في نفسه، ثم قال: «حتى صار جهلك صاحبي»، أي إنما استفرغت عذلك وأنهيت فيه حتى انطلقت معك فصار جهلك صاحبي، وإنما أراد حتى اصطحبتك على جهلك بحالي وأنك غير مجانسي ولا على سجيتي وطباعي في الهوى وتجربته.
ثم قال: «وما بك إركابي من الرشد مركباً» أي لم تقصد بعذلك إياي قصد من يريد رشدي وصرفي عن الهوى وتسليتي؛ وإنما حاولت رشد الركائب، يعني الإبل، وهي جمع ركوبة، لئلا يطول وقوفها في الدار وترددها واحتباسها، فيتضاعف كلالها ويشق ذلك عليها.
ثم قال: «فكلني إلى شوقي وسر يسر الهوى إلى حرقاتي».
فإما أن يكون قال له هذا قبل أن ينطلق معه أي سر أنت ودعني؛ أو يكون قال هذا وهو سائر معه لما علم أنه لا يقف عليه، وأنه ماض وتاركه، ما يقول المكره: والله ما أريد التوجه، وهو متوجه.
وهذا من معاني أبي تمام التي يسأل الناس عنها، وليس له إن شاء الله وجه غير ما ذكرته.
وهذه العويصات في الشعر هي شر مذاهبه، وأرداها وأقلها حلاوة.
ومن رديء ما جاء في هذا الباب، قوله:
ما عهدنا كذا نحيب المشوقكيف والدمع آية المعشوق
كأنه يقول لنفسه: ما عهدنا كذا نحيب المشوق؛ أو أن يكون حكى قول أصحابه، وأراد أن يقول: بكيت فانتحبت، فقالوا: ما عهدنا كذا نحيب المشوق، وأراد أن يقول: فقلت لهم: كيف والدمع، فاقتصر على حكاية كلامهم وجوابه، وأسقط قالوا؛ فقلت: وكان الأجود أن يقول: آية العاشق، لأن من علامات المحب البكاء، وقال: آية المعشوق، أي أن دمعي علامة لمن أحبه في أنى عاشقه، وهذا لا يكون جواباً صحيحاً عما أنكروه عليه من شدة نحيبه، لأنه لم يبك ليعلمها أنه عاشق، وإنما بكى من شدة وجده، وإنما كان يصح أن يكون جواباً عنه أن لو كان صدر البيت:
حسبتني في الحب غير صدوق
فيقول:
كيف والدمع آية المعشوق
أي كيف لا أكون صدوقاً في حبي ودمعي آية لك يشهد بأني محب.
فهذا كان وجه هذا.
وعلى أن آية العاشق ههنا أيضاً أجود.
والدليل على أن قوله:
ما عهدنا كذا نحيب المشوق
إنما هو حكاية كلام من عنفه على النحيب أنه وصله بأن قال:
فأقلا التعنيف إن غراماًأن يكون الرفيق غير رفيق
واستميحا الجفون درة دمعفي دموع الفراق غير لصيق
إن من عق والديه لملعوومن عق منزلاً بالعقيق
وقفا العيس ملقيات المثانيفي محل الأنيق مغنى الأنيق
قوله: «أن يكون الرفيق غير رفيق» أي أن يكون جافياً عسوفاً غير رفيق بمن يصاحبه.
وقوله: «في دموع الفراق غير لصيق» أي ابكيا بدمع لا يشبه دمع من فارق أحبابه، أي ابكيا وإن لم يكن وراء البكاء حرقة، ولا لاعج هوى، أي على وجه الإسعاد، فأورده بهذا اللفظ الرديء.
وقوله: «إن من عق والديه لملعون» البيت، من أحمق المعاني! وأسخفها وأقبحها، وقد زاد في الحمق بهذا المعنى على معنى البيت الذي قبله، وطم عليه وعلى كل جهالاته في معانيه؛ لأنه لم يقنع بأن يبعث صاحبيه على الوقوف معه والوقوف على المنزل، والبكاء حتى جعل كل من يقف ويعرج كائناً من كان من الناس: من خاص وعام، وباد وحاضر، ومجتاز وغير مجتاز، ومفارقة لأحبابه وغير مفارق، ملعوناً إذا لم يقف على المنزل بالعقيق، لأن ظاهر المعنى العموم، وما المستحق والله للعن غيره!، إذ رضي لنفسه بمثل هذا السخف.
وقوله: «في محل الأنيق مغنى الأنيق» قول مالبرد معناه ولفظه نهاية.
وقال أيضاً:
نحرت ركاب القوم حتى يغبروارجلي لقد عنفوا علي ولامو
وقفوا على اللوم حتى خيلواأن الوقوف على الديار حرام
وهذا معنى جيد حسن صحيح.
وقال أيضاً:
أراك أكبرت إدماني على الدمنوحملي الشوق من باد ومكتمن
لا تكثرن ملامي إن عكفت علىربع الحبيب فلم أعكف على وثن
سلوت إن كنت أدري ما تقول إذاجعلت أنملة الأحزان في أذني
وهذا أيضاً معنى حسن ولفظ جيد.
وقوله: «أنملة الأحزان» أي يشغلني حزني عن أن أفهم ما تقول.
وقال أيضاً:
أجل أيها الربع الذي حف آهلهلقد أدركت فيك النوى ما تحاوله
وقفت وأحشائي منازل للأسىبه وهو قفر قد تعفت منازله
أسائلكم ما باله حكم البلىعليه، وإلا فاتركوني أسائله
وهذا المعنى فيه اضطراب؛ لأنه قال: أسائلكم ما باله حكم البلى عليه وإلا فاتركوني أسائله، فما هذه المساءلة منه أو للربع في أن حكم البلى عليه وهو قد قدم السبب الذي من أجله بكى، وشرحه في البيت الأول بقوله:
خف آهله، يقول: «لقد أدركت فيك النوى ما تحاوله»، وهذا هو الذي أبلاه؛ لأنه إذا فارق أهله، وتعفت منازله فقد خرب وبلي.
وقال أيضاً:
حييت من طلل لم يبق لي طللاإلا وفيه أسى ترشيحه الذكر
قالوا: أتبكي على رسم؟ فقلت لهم:من فاته العين هدى شوقه الأثر
قوله: «لم يبق لي طللا»، والطلل: ما شخص من آثار الديار، والطلل: شخص الإنسان وقامته، يقال: ما أحسن طلله، وإنما يريد طلل الدار، أي لم يبق لي طللاً في دياري ومواطني التي فارقتها، وأخليتها، وعكفت عليه، إلا وفيه أسى أي حزن من أهلي الذين فارقتهم عليَّ، ترشيحه الذكر: أي تنميته، وتربيته الذكر، أي ذكرهم لي يرشح الحزن على أن يمسكه، ويحفظه، ويقوم عليه حتى يبقى ولا يذهب.
ولا يجوز أن يريد بالطلل جملة شخصه وقامته، لأن ذلك يكون مثل قولك: ما لزيد إلا وفيه أثر، وما له رأس إلا وفيه شجة، وهذا خطأ؛ إذ ليس له إلا رأس واحد، وجسد واحد، والبيت الثاني جيد بالغ.
وقال البحتري:
لعمر المغاني يوم صحراء أرثدلقد هيجت وجداً على ذي توجد
منازل أضحت للرياح منازلاًتردد منها بين نؤي ورفدد
شجت صاحبي أطلالها فتهللتمدامعه فيها وما قلت: أسعد
وهذا لعمري صاحب حسن الصحبة، ولعله كان له شجن وهوى، فلما وقف على الديار تذكر أحبابه فبكى.
وقال أيضاً:
خذا من بكاء في المنازل أودعاوروحا على لومي بهن، أو اربعا
فما أنا بالمشتاق إن قلت: أسعدالنندب مغنى من سعاد ومربعا
ولي لوعة تستغرق الهجر والنوىجميعاً ودمع ينفد الحب أجمعا
وهذا معنى ذهب إليه في الإسعاد حسن جداً.
ونحو هذا قوله:
فالدار تعلم أن دمعي لم يغضفأرح حامل منة من مسعد
ما كان لي جلد فيودي إنماأودى غداة الظاعنين تجلدي
وقال أيضاً على السبيل التي سلكها أبو تمام:
يا أخا الأزد ما حفظت الإخاءلمحب، ولا رعيت الوفاء
عذلاً يترك الحنين أنيناًفي هوى يترك الدموع دماء
لا تلمني على البكاء فإنينضو شجو ما لمت فيه البكاء
كيف أغدو من الصبابة خلواًبعد ما راحت الديار خلاء
قف بها وقفة تردد عليهاأدمعاً ردها الجوى أنضاء
قوله: «نضو شجو ما لمت فيه البكاء» من المقلوب، وكان يجب أن يقول: ما لمته في البكاء؛ فقال: ما لمت البكاء فيه.
ومثل هذا الشعر كثير، وإنما كان يصدر عن العرب على سبيل السهو، ولا يسوغه متأخر، ومنه ما هو حسن، وقد جاء مثله في القرآن.
فإن قيل: إن لفظ البيت مستقيم، وهو مستغن بمعناه ولفظه عن أن يتأول فيه القلب، وذلك أن البكاء ليس هو شيئاً غير سكب الدموع، وجريها على الخدود، فكما تلوم العين بكاها، وتلوم الدمع على انحداره مجازاً، فكذلك تلوم البكاء مجازاً.
قيل: هذا عدول عن القياس وصحيح التمثيل، وإنما كان ينبغي أن يقول: فكما تلوم انحدار الدمع الذي هو البكاء، فكذلك تلوم البكاء، هذا وجه المعارضة، فإن كنت تلوم انحدار الدمع فقد صح اعتراضك، وإن كنت لا تلومه، وهو البكاء، فلم تلوم البكاء.
ومع هذا فقد جرت العادة بلوم العين على البكاء، ولوم الدمع على الانحدار، ولومها أيضاً على الامتناع، وقالت الشعراء في ذلك ما هو معروف مشهور، ومنه قول متمم بن نويرة يبكي أخاه مالكاً:
عذرتك يا عيني الصحيحة في البكافما أنت يا عواراء والهملان
فعذر [عيناً] ولام أخرى:
وقال بعض المتأخرين:
لا جزى الله دمع عيني خيراًوجزى الله كل خير لساني
كنت مثل الكتاب أخفاه طيفاستدلوا عليه بالعنوان
فلام هذا دمعه؛ لأنه فضحه، كما لام ذلك عينه، وما علمنا أحداً لام البكاء، ومعنى ذلك مفهوم؛ لأن البكاء قد جعل فعلاً للعين على المجاز، والسيلان فعل الدمع، فيقال: بكت عيني، وسال دمعي، فإذا لمنا العين على بكاءها، ولمنا الدمع على انحداره؛ كان ذلك حسناً جميلاً، لأنا إنما لمنا فاعلاً على فعله، كما نلوم الفاعل الذي فعله حقيقة على فعله، ولكن لا نلوم فعله؛ لأنا إذا لمنا الباكي على أن فعل البكاء، فنلوم البكاء على أن فعل ماذا؟
فإن قيل: على أن كثر واتصل منه.
قيل: فهل سمعت أحداً قط قال: يا بكاء لم كثرت، ولم اتصلت؟
كما يقال يا عين لم بكيت؟ فإني ما أظن أن أحداً يقدر أن يقول: إنه سمع بهذا، وذلك أن الإكثار والاتصال إنما هما حركات الفاعل بالفعل، فالباكي هو الذي أكثر البكاء وواصله، لا أن البكاء فعل ذلك بنفسه.
فالمجاز لا يتسع لأن نلوم البكاء كما نلوم العين، ولا أن نلوم انحدار الدمع كما نلوم الدمع، ولا تنتهي الاستعارة إلى هذا الموضع.
ولو حملنا البكاء الذي هو فعل الفاعل على المجاز فلمناه كما نلوم الباكي، لحسن أيضاً أن نلوم الجزع كما نلوم الجازع، ونلوم الغضب
كما نلوم الغضبان، ونلوم الضحك الذي هو ضد البكاء كما نلوم البكاء.
وما أكثر ما تحمل الأشياء على أضدادها، وما علمت مثل هذا جرى في توسع ولا مجاز: لأن «لمت» ليس هذا موضعها، وإنما هو موضع أحمدت، وذممت [وكرهت] وأنكرت، وأشباهها، وهذه حقائق وليس كل شيء يحمل على المجازات.
فإن استجزنا أن نلوم البكاء فينبغي أن نلوم أيضاً الضرب، والقتل، والقيام، والقعود، والركوب، والنزول، والأكل، والشرب، وسائر أفعال الفاعلين، ونعذلها أيضاً، ونوبخها؛ لأن العذل والتوبيخ في معنى اللوم.
ونلوم أيضاً النحيب، والشهيق، والزفير، والنشيج كما نلوم البكاء.
وإذا لمنا أيضاً اليد على أن لم يشتد قبضها على الشيء مجازاً لمنا القبض أيضاً مجازاً، وكذلك الرجل إن لمناها على أن عجزت عن المشي، لمنا المشي أيضاً، وعنفناه، وركبنا مجازاً على مجاز، وتوسعاً على توسع.
وهذا ما لم يسمع بمثله في لغة من اللغات.
فعلى كل الأحوال حمل بيت البحتري على القلب الذي قد استعملته العرب في مجازاتها، ونطق به القرآن بوجه منه حسن، وسطره أهل العلم بكلام العرب في كتبهم أولى من حمله على وجه غير مستعمل، ولا معروف، ولا سائغ.
وقد قال المبرد: إن العرب كانت تستعمل القلب لاختصار الكلام، وإقامة الأوزان، وإصلاح القوافي، وأنشد للفرذدق يصف ذئباً:
وأطلس عسال وما كان صاحباًرفعت لناري موهناً فأتاني
وقال: أراد رفعت له ناري: فقلب، فهذا الآن يقول: إن الوجه من القلب الذي ذكر بعض أهل اللغة أنه جاء في كلامهم على سبيل السهو والغلط، أنهم كانوا يفعلونه اعتماداً، وإذا اعتمدت العرب الشيء ضرورة لم يكن ذاك لمتأخر.
وههنا مع هذا وجهان قويان جيدان يحتملهما بيت البحتري، ويجري على تأليف لفظه، لا على القلب:
أحدهما: أن يكون أراد: لا تلمني على البكاء فإني ذو حزن ما لمت فيه على البكاء، فأسقط «على» كعادة العرب الجارية في حذف حروف الصفات للإيجاز والاختصار فوصل الفعل إلى البكاء فنصبه، وهذا معنى قريب جداً.
وثل قولهم: جزيتك إحسانك، أي على إحسانك، وعن إحسانك، وقولهم نزلتك، بمعنى نزلت عليك، ونزلت بك، وهذا من أفصح اللغات وأبلغها، وهو مسطور في كتبهم، وكذلك شغبتك بمعنى شغبت عليك حكاها أبو زيد.
ومما هو جائز [وجار] في كلامهم، كلام أهل البدو والحضر- قولهم: بكيت فلاناً، بمعنى بكيت عليه.
وأنشدنا «أبو الحسن الأخفش» قراءة عليه في الكتاب الكامل عن المبرد لأعرابي:
فمن يك لم يفرض فإني وناقتيبححر إلى أهل الحمى غرضان
تحن فتبدي ما بها من صبابةوأخفي الذي لولا الأسى لقضاني
أراد لقضى علي، قال المبرد: فأخرجه لفصاحته، وعلمه بجواهر الكلام أحسن مخرج.
وقال عنترة:
ولقد أبيت على الطوى وأظلهحتى أنال به كريم المأكل
أي أظل عليه.
قال: ومثله قول الله تعالى: "واختار موسى قومه سبعين رجلاً" أي من قومه.
وقول الشاعر:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت بهفقد تركتك ذا مال وذا نشب
أي أمرتك بالخير:
وقول الفرذدق:
ومنا الذي اختير الرجال سماحةوجوداً إذا هب الرياح الزعازع
أي من الرجال، وأشباه لهذا كثيرة.
وأنشد أبو مسحل:
سقى الله من يسقي حمامة دارهاعلى فرضة من ماء شرب يقومها
أراد يقوم عليها، وقال: يقال: قام فلان اليوم الماء بين القوم، إذا قسمه بينهم، ومعناه قام على الماء، فلما حذف «على» نصب.
فكذلك قول البحتري: ما لمت فيه البكاء، أي على البكاء.
والوجه الآخر: أن يكون أراد: لا تلمني على البكاء فإني ذو حزن ما لمت فيه ذوي البكاء، وأهل البكاء، فأسقط المضاف فوصل الفعل إلى البكاء فنصبه، وذلك على عادة العرب المستمرة في حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ومنه قوله تعالى: "فليدع ناديه" أي أهل ناديه، "واسأل القرية" أي أهل القرية، وقول مهلهل:
واستب بعدك يا كليب المجلس
أي أهل المجلس، وقول الله تعالى: "ولكن البر من آمن بالله" أي بر من آمن بالله، وقوله تعالى جده: "إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات" أي ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات.
وأوكد من ذلك كله قول الله تعالى: "وأشربوا في قلوبهم العجل".
أي حب العجل.
وكذلك قول البحتري: لا تلمني على البكاء فإني ما لمت في هذا الحزن ذو بكاء، أو أهل البكاء، وأسقط «أهل» وأقام البكاء مقامه.
وهذا يستوي فيه القدماء والمتأخرون جميعاً؛ لأنه خارج عن الضرورة.
فهذان وجهان في غاية القوة والصحة، والمعنى: لا تلمني على البكاء؛ فإني ما لمت في هذا الشجو باكياً، لأنه يحق في مثله البكاء، لعظم تأثيره في النفس، وتخونه للجلد، وذهابه بالصبر، ونحو هذا.
وقوله بعده:
كيف أغدو من الصبابة خلواًبعد ما راحت الديلر خلاء
أي لا تلمني على البكاء؛ فإني [إن] لم أبك وقد خلت الديار من أهلها فلست ذا صبابة، يقول: إنه يكون إن لم يبك والخلي الذي ليس في قلبه هوى، بمنزلة واحدة، وإذا خفف البكاء من صبابته فقد قضى حق المحبة على كل حال.
وقال البحتري أيضًا:
أحرى الخطوب بأن يكون عظيماًقول الجهول: ألا تكون حليما
قبحت من جزع الشجى محسناًومدحت من صبر الخلى ذميما
وقال أيضاً:
ماذا عليك من انتظار متيمبل ما تضرك وقفة في منزل
إن قيل عي عن الجواب فلم يطقرجعاً فكيف يكون إن لم يسأل
لا تكلفن لي الدموع فإن ليدمعاً يتم علي إن لم يفضل
قوله: «يتم علي إن لم يفضل» مثل قوله:
ودمع ينفد الحب أجمعا
ومثل قوله أيضاً:
سارت مقدمة الدموع وخلفتحرقاً توقد في الحشا ما ترحل
إن الفراق كما علمت فخلنيومدامعاً تسع الفراق وتفضل
قال: «سارت مقدمة الدموع وخلفت حرقاً» ثم قال: «فخلني ومدامعاً تسع الفراق وتفضل» ومقدمة الشيء ليس هو الشيء بأسره، إنما مقدمة الجيش: ما يتقدمه من جملته، ويبقى سائره متأخراً، فقال: «رحلت مقدمة الدموع»، يعني يوم المفارقة، ثم قال: «فخلني ومدامعاً» يريد جملة الدمع المتأخر الذي هو مقرون بالحرق المقيمة التي ذكرها.
وقال في نحوه أيضاً:
خلياه ووقفة في الرسوميخل من بعض بثه المكتوم
ودعاه لا تسعداه بدمعحسبه فيض دمعه المسجوم
سفه منكما وإفراط لومأن تلوما في الحب غير مليم
وقال في نحوه أيضاً:
إن تلك الطلول من وهبيناأحزنت خالياً، وزادت حزينا
فاتركاني فما أطيع عذولاًواخذلاني فما أريد معينا
وقال أيضاً:
ومن الجهالة أن تعنف باكياًوقف الغليل به على مجهولها
إن الدموع هي الصبابة فاطرحبعض الصبابة تسترح بهمولها
وهذا معنى حسن معروف، والدموع ليست الصبابة، لأن الصبابة؛ رقة الشوق، وإنما يبكي الباكي من شدة صبابته، ولما كانت الصبابة تخف بالبكاء، وتذهب بذهاب الدمع قال: إن الدموع هي الصبابة، أي إنها تذهب بذهابه، وتمضي بمضيه، أي فدعني أبكي؛ فإني أستريح بهمول الدمع.
وقال أيضاً:
وما انفك رسم الدار حتى تهللتدموعي وحتى أكثر اللوم صاحبي
وقفنا فلا الأطلال ردت إجابةولا العذل أجدى في المشوق المخاطب
تمادت عقابيل الهوى وتطاولتلجاجة معتوب عليه وعاتب
وهذا معنى حسن، ولفظ له ماء ورونق، وهو أجود وأسلم من قول أبي تمام:
وما صار يوم الدار عذلك كلهعدوي حتى صار جهلك صاحبي
وقال أيضاً:
في غير شأنك بكرتي وأصيليوسوى سبيلك في السلو سبيلي
بخلت جفونك أن تكون مساعديوعلمت ما كلفي فصرت عذولي
جار الهوى يوم استخف صبابتيلخلى ما تحت الضلوع ملول
أي جار الهوى علي لخلى ما تحت الضلوع، أي لخلى من الهوى، أي جار علي له.
وقال أيضاً:
ما أنت للكلف المشوق بصاحبفاذهب على مهل فليس بذاهب
عرف الديار وقد سئمن من البلىومللن من صوب السحاب الصائب
فأراك جهل الشوق بين معالممنها وجد الدمع بين ملاعب
قوله: «على مهل» لست أراه مفيداً شيئاً، وما أظنها إلا حشواً، وهذا [من مواضع] قولهم: فامض لشأنك، وامض لسبيلك.
وقال أيضاً:
بعض هذا العتاب والتفنيدليس ذم الوفاء بالمحمود
ما بكينا على زرود ولكنــنا بكينا أيامنا في زرود
ودموع المحب إن عصت الذال كانت طوع النوى والصدود
وهذا من أحسانه المشهور.
وقال أيضاً:
فيم ابتداركم الملام ولوعاأبكيت إلا دمنة وربوعا
عذلوا فما عدلوا بقلبك عن هوىونهوا فما وجدوا الشجى سميعا
وقال أيضاً:
يا وهب هب لأخيك وقفة مسعديطعي الأسى من دمعه المبذول
أو ما ترى الدمن المحيلة تشتكيغدرات عهد للزمان محيل
إن كنت تنكرها فقد عرف البلىقدماً معارف رسمها المجهول
وقال أيضاً:
وقفنا فحيينا لأهلك باللوىربوع ديار دارسات المعالم
ذكرنا الهوى العذري فيها فأنسيتعزاها مشوقات القلوب الهوائم
خلعنا بها عذر الدموع فأقبلتتلوم وتلحى كل لاح ولائم
وهذا كله على اختلاف معانيه، جيد بالغ، وحلو نادر.
وقال أيضاً:
ذاك وادي الأراك فاحبس قليلاًمقصراً من صبابة أو مطيلا
قف مشوقاً أو مسعداً، أو حزيناًأو معيناً، أو عاذراً، أو علولا
قد وسع البحتري على هذا الصاحب كل السعة، أي قف على أية حال كنت عليها من هذه الأحوال، ولو أن تعذل بعد أن تتلوم علي، ولا تنصرف عني فإني أحتمل عذلك، وهذه غاية النصفة، ثم أتبع هذا بأن قال:
إن بين الكثيب فالجزع فالآـرام رسماً لآل هند محيلا
أبلت الريح والروائح، والأـيام منه معالماً، وطلولا
وخلاف الجميل قولك للذاكر عهد الأحباب: صبراً جميلا
لا تلمه على مواصلة الدمع فلؤم لوم الخليل الخليلا
عل ماء الدموع يخمد ناراًمن جوى الحب، أو يبل غليلا
وبكاء الديار مما يرد الشوق ذاكراً، والحب نضواً ضئيلا
لم يكن يومنا طويلاً بنعمان ولكن كان البكاء طويلا
قوله: «أبلت الريح والروائح» فالروائح: السحائب التي تمطر النهار بأسره، وتروح عشيا.
وقوله: «مما يرد الشوق ذاكراً» أي يخففه حتى يصير تذكراً لا يليق، ولا يزعج كإقلاق الشوق.
«والحب نضواً» أي يرد الحب نضواً، أي يخفف الهوى، ويصغره؛ لأنه يرى الدار، وخلوها من أهلها، وييأس فيبكي ويستريح، فذلك هو تصغير الحب.
وقوله: «لم يكن يومنا طويلاً بنعمان» ينبغي أن يكون هذا اليوم كان يوم توديع لم يكن طويلاً؛ لأن يوم مشاهدتهم ورؤيتهم لا يستطيله بل يستقصره، قال: «ولكن كان البكاء طويلا».
وهذا خلاف قول أبي تمام:
يوم الفراق لقد خلقت طويلا
وأنا أستقصي الكلام في هذا عند ذكر بيت أبي تمام في «باب الفراق»,
ومن جيد هذا الباب قول البحتري:
عرجوا فالدموع أن أبك في البــع دموعي، والاكتئاب اكتئابي
وكمثل الأحباب لو يعلم العاذل عندي منازل الأحباب
وهذا نحو قول امريء القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
فجعل البكاء للحبيب والمنزل جميعاً
ولا تزيد زيادة في لوم الأصحاب على حسن قول كثير:
يقول خليلي: سر بنا أي موقفوقفت، وجهل بالحليم المعمم
تلوم ولم تعلم بأسرار خلةفتعذر إلا عن حديث مرجم
فإن كنت لم أجهل فقد لمت ظالماًوإن كنت قد أزرى بي الجهل فاحلم
أراد أي موقف هذا الذي وقفته، يقول لي الأحباب: سر أي موقف، كأنه يحكي إنكار صاحبه عليه الوقوف.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع