من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما جاء عنهما في ترك البكاء على الديار والنهي عنه
قال أبو تمام:
إن كان مسعود سقى أطلالهمسبل الشئون فلست من مسعود
ظعنوا فكان بكاي حولاً بعدهمثم ارعويت، وذاك حكم لبيد
أجدر بجمرة لوعة إطفاؤهابالدمع إن تزداد طول وقود
قوله: إن كان مسعود، يعني مسعوداً أخا ذي الرمة، ولا يعرف له بيت واحد بكى فيه على الديار، وهذا من معاني أبي تمام الغامضة التي يسأل عنها.
وما زلت أرى الناس قديماً يخبطون فيه، وإنما ذكر مسعوداً: لأنه كان ينهى ذا الرمة عن البكاء على الديار، وذلك قول ذي الرمة:
عشية مسعود يقول وقد جرىعلى لحيتي من واكف الدمع قاطر
أفي الدار تبكي إذ بكيت صبابةوأنت امرؤ قد حلمتك المعاشر
فأراد أبو تمام إن كان مسعود الذي أنكر على ذي الرمة البكاء ونهاه عنه، قد رأى أن البكاء أحسن بعد أن كان عنده غير حسن، فلست منه، وذلك كقول القائل: إن كان حاتم قد شح فلست منه، أي إن كان بعد كرمه وجوده قد رأى أن البخل حسن، فلست مقتدياً به.
وكأن هذا عند أبي تمام أبلغ من أن يقول: إن كان غيلان سقى أطلالهم -يعني ذا الرمة- فلست منه.
وهذا أيضاً من استقصاء أبي تمام، ومبالغته في المعاني التي يخرجها إلى التعمية والانغلاق.
وقوله: «وذاك حكم لبيد» يريد قول لبيد:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكماومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر
وقوله:
أجدر بجمرة لوعة أطفاؤهابالدمع أن تزداد طول وقود
غلط بين؛ لأنه أتى فيه بما يخالف مذهب أهل الجاهلية والإسلام، والأمم كلها؛ لأنهم مجمعون على أن البكاء راحة من الكرب، وتبريداً لحرارة الحزن، وتخفيفاً من لاعج المصيبة، و «طول خمود» أولى بالصواب من «طول وقود» لو كان بنى المعنى عليه وقد ذكرت هذا في أغاليطه.
وقال أبو تمام:
فعليه السلام لا أشرك الأطــلال في لوعتي، ولا في نحيبي
فسواء إجابتي غير داعودعائي بالقفر غير مجيب
قوله: «لا أشرك الأطلال في لوعتي» أي أجعل ذلك خالصاً لأحبتي، أي لا أقول كما قال امرؤ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
فاستوقف ليبكي على الحبيب والمنزل معاً.
وقوله: «فسواء إجابتي» معنى لطيف، وقد ذكرته في «باب استعجام الديار عن الجواب»، وبيت البحتري حذا على حذوه.
قال البحتري:
يسل المنازل عنهم وعلى اللوىدمن دوارس إن تسل لا تخبر
ومن السفاهة أن تظل مكفكفاًدمعاً على طلل تأبد مقفر
وقال البحتري:
ما بكينا على زرود ولــكنا بكينا أيامنا في زرود
وهذا حسن، وأحسن منه وأحلى وأعذب قول كثير:
وما رباع الدار يا أم مالكولا بالطلول الدارسات أهيم
هي الدار وحشاً غير أن قد يحلهاويغنى بها شخص علي كريم
وقال البحتري:
لا تقف بي على الديار فإنيلست من أربع ورسم محيل
في بكاء على الأحبة شغللأخي الحب عن بكاء الطلول
وهذا مذهب قد تقدم الناس أيضاً فيه، إلا أن البكاء على الديار هو المذهب الأقدم، والأعم الأشهر، قال امرؤ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
فجعل البكاء للحبيب والمنزل جميعاً، والرواة تزعم أن هذا البيت أحسن ابتداءات العرب وأبرعها وأجمعها لعدة معان في لفظ قليل، واتبعته الشعراء على هذا، وأكثروا فيه القول.
وعلى هذا المعنى حذا البحتري قوله:
عرجوا فالدموع إن أبك في الربــع دموعي والاكتئاب اكتئابي
وكمثل الأحباب لو يعلم العاذل عندي منازل الأحباب
وكانوا يرون الوقوف على الديار من الفتوة والمروءة وكرم العهد، ولذلك قال أبو تمام:
أمواقف الفتيان تطوى لم تزرشرفاً، ولم تندب لهن صعيدا
أذكرتنا الملك المضلل في الهوىوالأعشيين وطرفة ولبيدا
حلوا بها عقد النسيب ونمنموامن وشيها رجزاً بها وقصيدا
قوله: «لم تزر شرفاً» يريد ارتفاعاً، «ولم تندب لهن صعيداً» أراد انخفاضاً وهبوطاً فلم يستقم له ذاك فقال: «صعيدا» لأن الصعيد التراب.
وهو يكون في أغواط الأرض، وما اطمأن منها أكثر منه فيما علا وارتفع.
تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله:
«ذكر الفراق والوداع والترحل عن الديار والبكاء على الظاعنين»
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع