من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
الدعاء للديار بالسقيا والخصب والنبات
قال أبو تمام:
سقى ربعهم لا بل سقى منتواهممن الأرض أخلاق السحاب الحواشك
وألبسهم عصب الربيع ووشيهويمنته نبت الثرى المتلاجك
إذا غازل الروض الغزالة نشرتزرابي في أكناحهم ودرانك
إذا الغيث غادى نسجه خلت أنهمضت حقبة له وهو حائك
قوله: «حواشك» جمع حاشكة، وهي الناقة التي قد اجتمع لبنها في خلفها شبه السحاب بها، والحشك: اسم الدرة المجتمعة.
والمتلاحك: الذي قد تكاثف وتداخل بعضه في بعض، من الملاحكة في البناء ونحوه.
وقوله: «حقبة حرس» في غاية الرداءة؛ لأن الحقبة، السنة: وجمعها حقب.
والحرس: الدهر، وذكر السنة مع الدهر جهل بموضوعات الكلام، وخروج عن العادات، ومتى سمع أحداً يقول: ما رأيته مذ سنة دهراً، وقد مضى له سنة دهر ما يكلمنا؟
فأما جعله الغيث كأنه كان حائكاً، فمن مضاحيك معانيه وألفاظه.
وقال البحتري:
أسقى ديارك والسقيا يقل لهاإغزار كل ملث الودق ثجاج
يلقى على الأرض من حلي ومن حللما يمنع العين حسن وإبهاج
فصاغ ما صاغ من تبر ومن ورقوحاك ما حاك من وشي وديباج
فصوغ الغيث [النبت] وحوكه للنبات ليس باستعارة، بل هو حقيقة، ولكن يقال: هو صائغ، ولا كأنه صائغ، وكذلك لا يقال: حائك، وعلى أن لفظة حائك خاصة في غاية الركاكة إذا خرجت على ما جاء به أبو تمام.
وقال البحتري:
فسقاهم وإن أطالت نواهمخلفة الدهر ليله ونهاره
كل جون إذا ارتقى البرق فيهأوقدت للعيون بالماء ناره
إن أقام ارتوى الظماء وإن سارت أقامت أنيقة آثاره
باتفاق من خضرة الروض نضرواختلاف يجده نواره
كسفور الفتاة عن حسن خديتكافا ابيضاضه واحمراره
وهذا كله جيد، حسن لفظه ومعناه.
وقوله: «يتكافى ابيضاضه واحمراره» ما لحسنه نهاية.
وقال أيضاً يصف آثار الغيث، وليس بدعاء للدار بالسقيا:
دمن تناهب رسمها حتى عفامنها تعاقب رائح بقطاره
باتت وبات البرق يمري عوذهفيها وينتج مثقلات عشاره
فالأرض من نسج النبات مجدةأثوابها والروض من نواره
وهذا أيضاً حلو، حسن لفظه ومعناه.
وقوله: «وبات البرق يمري»: أي يستخرج ماءها، والعوذ: الحديثات النتاج، شبه السحائب بها.
والعشار: التي قد أتى لحملها عشرة أشهر، وإذا وضعت فهي أيضاً عشار، لا يزول عنها الاسم.
وقال أبو تمام يصف آثار الغيث:
دوارس لم يجف الربيع ربوعهاولامر في أغفالها وهو غافل
فقد سحبت فيها السحاب ذيولهاوقد أخملت بالنور منها الخمائل
وقال البحتري:
يا دمنة جاذبتها الريح بهجتهاتبيت تنشرها عنها وتطويها
لا زلت في حلل للغيث ضافيةينيرها البرق أحياناً ويسديها
تروح بالوابل الداني روائحهاعلى ربوعك أو تغدو غواديها
روائحها: يعني السحاب، وهذا أيضاً جيد بالغ.
وقال أبو تمام:
لا مر يوم واحد إلا وفيأحشائه لمحلتيك غمام
حتى تعمم صلع هامات الربامن نوره وتأزر الأهضام
فالأهضام: ما انخفض من الأرض، جمع هضم.
وقوله: «حتى تعمم صلع هامات الربا» أخذه من قول الراجز وأنشده يعقوب بن السكيت وغيره:
قد أصبحت العقدة صلعاء اللمموأصبح الأسود مخصوباً بدم
فالعقدة: موضع ذو شجر لا ينتفي فيذهب.
واللمم، وهي الجمام جمع لمة، فجعله مثلاً لرؤوس النبت إذا أكلته الإبل فصارت لممه صلعا.
والأسود: الحية تطؤه الإبل فتقتله.
وقال البحتري:
إذا الغمام حداه البارق الساريوانهل في ديمة وطفاء مدرار
وخيل إشراقه طوراً وظلمتهما حاك من نمطي روض ونوار
فجاد أرضك في غرب السماوة منأرض ودارك بالعلياء من دار
وهذا معنى في غاية اللطافة والحسن، وكثرة الماء.
وقال البحتري:
قسم الصبابة فرقتين فشوقهللظاعنين ودمعه للنزل
متقسم الأحشاء يندب أربعاًمتقسمات للصبا والشمأل
حطت على تلك الأجارع والربىمنهن أعباء السحاب المثقل
وغدا الربيع ينمنم روضهضربين بين معمد ومهلل
معمد: مثل العمد، ومهلل: مثل الأهلة.
وقال أبو تمام:
أسقى ديارهم أجش هزيموغدت عليهم نضرة ونعيم
جادت معاهدهم عهاد سحابةما عهدها عند الديار ذميم
ولأبي تمام في الدعاء للديار بالسقيا، أبيات كثيرة في قصيدته التي أولها:
إن بكاء في الديار من أربه
تفاصح فيها وتبادي، وهي كزه قليلة الحلاوة، لم أكتب منها شيئاً.
وقال البحتري:
إذا تحمل من تهامة بارقلجب يسير مع الجنوب زحوفه
صخب الرواح إذا تصوب مزنهذعر الأجادل في السماء حفيفه
فسقى اللوى، لا بل سقى عهد اللوىأيام نرتبع اللوى ونصيفه
الأجادل: الصقور.
وهذا جيد، بالغ لفظه وسبكه معناه.
وقال البحتري أيضاً:
إلمامة بالدار [إن] متيماًيكفيه أكثر شوقه إلمامه
أمسى يضرم في جوانحه الجوىبرق يشب مع العشي ضرامه
سقى اللقى حوذانه وعرارهوسياله وأراكه وبشامه
فلرب عيش باللوى لم تستزدحسناً لياليه ولا أيامه
وهذا لا مزيد على براعة لفظه، وجودة سبكه، وكثرة مائه.
وقال أيضاً:
أدارهم الأولى بدارة جلجلسقاك الحيا روحاته وبواكره
وجاءك يحكي يوسف بن محمدفروتك رياه وجادك ماطره
وهذا أحسن ما يكون من المدح، ويسمى الاستطراد، وقد ذكر أبا سعيد محمد بن يوسف في غير موضع، على هذا المعنى ونحوه يتسبب [إلى مدحه] في مدائح غيره.
وقال أيضاً:
أود لها سقيا السحاب ومحوهابسقيا السحاب حين يصدق خالها
محلتنا والعيش غض نباتهوأفنية الأيام خضر ظلالها
وهذا معنى حسن صحيح.
يا عارضاً متلفعاً ببرودهيختال بين بروقه ورعوده
لو شئت عدت بلاد نجد عودةفنزلت بين عقيقه وزروده
لتجود في ربع بمنعرج اللوىقفر تبدل وحشه من غده
وقال أيضاً:
سألت الغوادي ملحفاً في سؤالهاوناشدتها في سقي برقة ثهمد
منازل ما أبقى من عراصهاسوى أرسم معفوة الآي همد
معاهد من خود تناصر حسنهاتناصر ضوء الكوكب المتوقد
تثنى على لحظ العيون إذا مشتتثنى غصن البانة المتأود
وهذا كله جيد لفظاً ومعنى.
وقال أيضاً:
أناشد الغيث كي تهمي غواديهعلى العقيق وإن أثوت مغانيه
على محل أرى الأيام تضحك عنأيامه والليالي عن لياليه
عهد من اللهو لم تذمم عوائدهيوماً فينسى ولم تقدم بواديه
وقال أيضاً:
خلفتكم الأنواء في أوطانكمفسقت صوادي أربع وطلول
وإذا السحاب ترجحت هضباتهفعلى محل بالعقيق محيل
حتى تبل منازلاً لو أنهاكثب لرحت على جوى مبلول
وقال أبو تمام:
أيها البرق بت بأعلى البراقواغد فيها بوابل غيداق
دمن طالما التقت أدمع الغــيث عليها وأدمع العشاق
وقال أبو تمام أيضاً وهذا من أحسن معاني هذا الباب، وهو [من] أحسانه المشهور:
يا منزلاً أعطى الحوادث حكمهالا مطل في عدة ولا تسويفا
أرسى بناديك الندى وتنفستنفساً بعقوتك الرياح ضعيفا
شغف الغمام بساحتيك فربماروت رباك الهائم المشغوفا
وقوله: «وتنفست نفساً بعقوتك الرياح ضعيفا» مما استحسنه الناس، وقد ذكرته في باب محو الرياح للديار، ومن أين أخذ المعنى.
وقوله: «شغف الغمام بساحتيك» يدعو له بالسقيا على سبيل الجزاء، بما روته رباه من أحبابه فيه.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع