من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما ذكره من استيلاء النوى على الأحباب المفارقين
قال أبو تمام:
وفي الكلة الصفراء جؤذر رملةغدا مستقلاً، والفراق معادله
تيقنت أن البين أول فاتكبه مذ رأيت الهجر وهو يغازله
قوله: «الفراق معادله» معنى غير جيد ولا صحيح؛ لأن الفراق هو مفارقة كل واحد من الاثنين صاحبه، فإذا جعل الفراق ماضياً مع أحدهما، وأخلى الآخر منه كان الآخر غير مفارق، وهذا محال، وإنما أوقع أبا تمام فيه أنه جعل الفراق كأنه شخص مسلط على المحبوب، استولى عليه فذهب.
وقد يستعمل مثل هذا ولكن ليس على هذا الوجه.
والاستعارة التي هي أقرب إلى الجواز قوله:
سعدت غربة بسعادفهي طوع الإتهام والإنجاد
وذلك أن النوى إنما هي: نية القوم المفارقين دون من المقيمين.
وقال البحتري:
قد بين البين المفرق بينناعشق النوى لربيب ذلك الربرب
فنسب العشق إلى النوى على سبيل الاستعارة.
وقال البحتري وهو حسن:
نوين النوى، ثم استجبن لهاتفمن البين نادى بالفراق فأسمعا
وحاولن كتمان الترحل بالدجىفباح بهن المسك لما تضوعا
وأردأ من قول أبي تمام: «والفراق معادله»، وأقبح وأسخف قول أبي تمام:
أترى الفراق يظن أني غافلعنه وقد لمست يداه لميسا
ما زلت أسمع الشيوخ من أصحاب أبي تمام المتعصبين له دون من سواهم يقولون: أتره أي شيء أراد أن يصنع بالفراق: يقطع يديه أو رجليه، أو يصلبه على جذع؟
وقال أبو تمام:
لا أظلم النأي؛ قد كانت خلائقهامن قبل وشك النوى عندي نوى قذفا
وهذا معنى جيد حسن.
والقذف: البعيدة.
وقال أيضاً:
دع الفراق فإن الدهر ساعدهفصار أملك من روحي بجثماني
وهذا في جملة أبياته المشهورة التي لهج الناس بها وهي:
ما اليوم أول توديعي ولا الثانيالبين أكثر من شوقي وأحزاني
خليفة الخضر من يربع على وطنفي بلدة فظهور العيس أوطاني
بالشام قومي، وبغداد الهوى، وأنابالرقتين، وبالفسطاط إخواني
وما أظن النوى ترضى بما صنعتحتى تبلغ بي أقصى خراسان
قوله: «البين أكثر من شوقي وأحزاني» أي زاد عليها، وغلبها حتى صرت لا أشتاق، ولا أحزن؛ لكثرة ما أفارق.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع