تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

نوادر من باب الجود

بيت أبي تمام في الجود قوله:

تعود بسط الكف حتى لو أنهثناها لقبض لم تجبه أنامله
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أجل أيها الربع الذي خف آهله»

وبيت البحتري:

لا يتعب النائل المبذول همتهوكيف يتعب عين الناظر النظر
للشاعر البحتري، من قصيدة «وواعظ منه لولا أنه حجر»

وهذان المعنيان لا غاية وراءهما في الحسن وقد وقعت فيهما جميعاً معارضة من أهل الإعنات، فقيل في بيت أبي تمام: إن الجواد لا يعطي ما يعطيه من يده، وإن كان في يده شيء يعطيه فلن يكون مبسوط الكف به لأن الكف حينئذ تكون فارغة، وإنما يبسطها للسلام والمصافحة، لا لأن يعطي شيئاً فيها

وهذا معارضة في غاية الفساد، إنما ذهب أبو تمام إلى المعنى المشهور المعتاد في استعمال الناس أن يقولوا: فلان مبسوط اليد بالمكارم، وسبط الأنامل بالخيرات، ويقولون في البخيل: شنج الأصابع، وجعد الكف عن الخير، وهذا أكثر في كلامهم من أن يحتاج عليه إلى استشهاد.

وإنما أخرج أبو تمام المعنى على هذه العادة وحذا حذو مسلم بن الوليد في قوله:

لا يستطيع يزيد من طبيعتهعن المروءة والمعروف إحجاما
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «طيف الخيال حمدنا منك إلماما»

إلا أنه كشف المعنى، وأحسن العبارة عنه، فصار أولى به.

وقيل في بيت البحتري: وكيف لا يتعب عين الناظر؟ وأنت ترى الإنسان أبداً يكب على شيء يعمله فتسدر عينه، وخاصة الكاتب المكب على الكتابة، أو الناظر فيها، وهذا أبداً ترى كل أحد يشكوه، وترى الإنسان يعمل طرفه في النظر إلى الشيء البعيد فيسدر ناظره حتى لا يرى شيئاً، فهل هذا كله إلا من إتعاب العين بالنظر، وأنت أبداً تقول للمديم الدراسة للكتب: لا تتعب

عينك وارفق بها، وروح عنها ونحو هذا.

وهذه أيضاً معارضة في غاية الفساد، لأن البحتري لم يذهب إلى استعمال العين وكذها في النظر إلى الشيء الواحد، لأن ذلك إخراج لها عن عادتها الطبيعية، كالكلام الذي إذا أخرجته عن العادة الطبيعية إلى أن ترفع به الصوت من غناء أو حداء، أو خطبة طويلة أتعبت جميع الآلات من الحلق ومجاري النفس والفكين، وإلا فالكلام الذي تستعمله في عاداتك غير متعب، لأنك لست تحمل على الطبيعة، إنما تتركها فيه وعادتها، وذلك غير متعب لها، وكذلك اليد والرجل وسائر الأعضاء، وجناح الطائر مثله، وإذا أتعبت اليد بأن تحمل الشيء الثقيل، وأتعبت الرجل بالمشي الطويل، فقد حكلت على الحركة الطبيعية وأخرجتها عن عادتها، وللطائر أيضاً في طيرانه حدود محمودة في استعمال جناحيه، ومواقيت موقتة، فإن لم يسقط للاستراحة، أسقطه التعب والكد، فهذا كله أنت تراه مشاهدة، فإنما ذهب البحتري إلى أن عين الناظر لا يتعبها النظر الطبيعي، الذي جعل الباري ﵎ له مبلغاً وقدراً فيها ليستدرك الناظر به معرفة ما يشاهد من الأشياء.

وهذان البيتان بيتا الطائيين في الجود.

وقال بكر بن النطاح الحنفي:

ولو لم يكن في كفه غير روحهلجاد بها فليتق الله سائله
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أجل أيها الربع الذي خف آهله»

وقد قال مسلم بن الوليد:

يجود بالنفس إن ضن البخيل بهاوالجود بالنفس أقصى غاية الجود

وهذا البيت هو بيت مسلم في الجود الذي يفتخر له به، وبيت بكر أجود من هذا لقوله:

«ولو لم يكن في كفه غير روحه»

ولقوله:

«.... فليتق الله سائله»

وهذا لعمري إفراط حسن.

وبيتا الطائيين أجود معنى وألطف، لأنهما لم يخرجا عن طريقة الجود والكرم، وهذان البيتان خارجان عنهما.

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.