من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
وفي إعطاء الجواد حتى لا يجد من يعطيه
قال أبو تمام:
فنول حتى لم يجد من ينيلهوحارب حتى لم يجد من يجاربه
وقد قال أبو نواس:
وأطعم حتى ما بمكة آكل
قال علي بن جبلة وأظن أبا تمام أخذ منه:
أعطيت حتى لم تجد لك سائلاًوبدأت إذ قطع العفاة سؤالها
ومثله سواء قول البحتري ومنه أخذ فيما أظن:
جاد حتى أفنى السؤال فلماباد منا السؤال جاد ابتداء
وعلى أن هذا كله عندي من المعاني المشتركة، التي ليس بمنكر أن تتفق الخواطر فيها لأنها خلائق الأجود مشاهدة، وما شوهد وصف واتفق عليه.
وقال أبو تمام أيضاً:
تلافى نداك المجتدين فأصبحواولم يبق مذخور ولم يبق مجتد
وقال البحتري:
إذا قيل قد فنى السائلون قالت عطاياه هل من مزيد
صاحب أبي تمام أكرم، لأنه لم يبق مذخوراً.
وقوله: «قالت عطاياه هل من مزيد»، فالعطايا هي ما يعطيه فيخرج عن يده إلى المجتدين، فكيف قالت: هل من مزيد؟؟، وإنما وجه الكلام لو ساغ له الوزن أن يقول: قالت مكارمه هل من طالب؟، هل من ملتمس؟، وهذا عندي في الخطايا شبيه بقول أبي تمام:
وأضحت عطاياه نوازع شرداًتسائل في الآفاق عن كل سائل
وقال البحتري:
بث اللهى في المعتفين فلم يدعفي الأرض مجتدياً ولا مسترفدا
المجتدي هو المسترفد، وقد وكد الأول بالثاني لاختلاف اللفظين، ولو كان بينهما خلاف كان أجود في المعنى، ولا يجوز أن يكون مسترفداً بفتح الفاء، أي شيئاً يرفد، لأن ذلك في الأرض كثير وليس يملكه، ويحين أن يقال على المبالغة: لم يدع في الأرض مسترفداً إلا أغناه، يريد مسترفداً له.
وقال البحتري:
أعطيت حتى لم تجد لك سائلاًوعلوت حتى لم تجد لك مصعدا
وقال أبو تمام في نحو هذا:
وإذا حللت به أنالك جهدهووجدت فوق الجهد منه مزيدا
وقال البحتري:
جاد حتى لو استزيد من الجود لما كان عنده من مزيد
وكلاهما قد ذهب مذهباً جيداً محموداً.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع