من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
وفي تشبيه جود الجواد بالبحر
قال أبو تمام:
هو البحر من أي النواحي أتيتهفلجته المعروف والجود ساحته
وهو معنى في غاية الجودة والصحة، وإنما حذاه على قول مسلم:
هو البحر يغشى سرة الأرض فيضهوتدرك أطراف البلاد سواحله
وغير معناه.
وقال:
يمين محمد بحر خضمطموح الموج مجنون العباب
وقال:
بحر يطم على العفاة فإن تهجريح السؤال بموجه يغلولب
والشؤل ما حبلت تدفق رسلهاوتجف درتها إذا لم تحلب
أراد أن هذا الممدوح يجود ويوسع، فإن سئل أعطى وأكثر وزاد، وذكر أن الشؤل ليست هذه حالها، وأن ألبانها تتدفق إذا حلبت، وتنقطع إذا لم تحلب، ففضل جوده على لبن الشول، وإنما كان ينبغي أن يفضل جوده على الغيث كما قال:
والغيث يكرم مرة ويلوم
أو على البحر حسب ما يأتي في هذا الباب، ولكنه ذكر الشؤل، لأن ألبانها غياث العرب وغناها، ومعولها ولهذا ما قال في المواعيد:
وتنتج مثلما نتج العشار
وإنما أخذ قوله:
وتجف درتها إذا لم تحلب
من قول بشار:
والدر يقطعه جفاء الحالب
وهذا كله جيد بالغ
ولم يمر بي له تفضيل جود الجواد على البحر، ولكن البحتري يقول في المعتز:
ملك تدين له الملوك وتقتديلجج البحار بسيبه المتدفق
وقال فيه:
لم أر كالمعتز في حلمه الــوافي وفي نائله الغمر
يستصغر البحر إذا استمطرتيد له تربي على البحر
وأجود من هذا قول قعنب بن أم صاحب:
قالوا الفرات وما أرضى به شبهاًولن يقوم بجاري سيبك النهر
يسقي من الأرض جنباً لا يجاوزهوسائر الأرض منه يابس صفر
وقد تقدم الناس في هذا وأكثروا، وكل هذا إفراط حسن مستحلى لا ينفر منه الطبع، ولكن الرديء المطرح المرذول عند أهل العلم بصناعة الشعر ما أنشده المبرد لبعضهم:
له همم لا منتهى لكبارهاوهمته الصغرى أجل من الدهر
له راحة لو أن معشار جودهاعلى البر صار البر أندى من البحر
ولو أن خلق الله في مسك فارسوبارزه كان الخلي من العمر
وقال البحتري في ذلك:
إذا قرن البحر الخضم بأنعم الــخليفة كاد البحر فيهن يغرق
وقال:
فات الرجال وفي الرجال تفاوتبخصائص الأخلاق والآداب
فكأنما البحر استجاش يمينهفقضى بها أرباً من الآراب
وقال:
وفي جوده بالبحر والبحر لو رمىإلى ساعة من جوده ما وفى بها
وقال:
ألست ترى مد الفرات كأنهجبال شرورى جئن في البحر عوما؟
ولم يك من عاداته غير أنهرأى شيمة من جاره فتعلما
وقال في المعتز:
بحلم كأن الأرض منه توقرتوجود كأن البحر منه تفجرا
ولا خفاء بفضل البحتري في هذا الباب على أبي تمام.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع