من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما وصفا به البشر عند السؤال وحسن اللقاء
قال أبو تمام:
ومرحب بالزائرين وبشرهيغنيك عن أهل لديه ومرحب
وقال:
إذا قال أهلاً مرحباً نبعت لهممياه الندى من تحب أهل ومرحب
وقال:
وجدناك أندى من رجال أناملاًوأحسن في الحاجات وجهاً وأجملا
تضيء إذا اسود الزمان وبعضهميرى الموت أن ينهل أو يتهللا
أي: يرى انهلال الموت أو يتهللا، أي: انصباب الموت أو أن يتهلل، يعني الطلاقة والبشر.
وقال:
وإذا المواهب أظلمت ألبستهابشراً كبارقة الحسام المخذم
أعطيت ما لم تعطه ولو انقضىحسن اللقاء حرمت ما لم تحرم
فقوله: أعطيت ما لم تعطه، يعني: البشر، لأنه ليس بعطاء على الحقيقة، ولو لم تفعل لحرمت ما لم تحرم، أي: لحرمت منه ما لا يسمى حرماناً على الصحة، أو أن يكون أراد: ولو انقضى حسن اللقاء كنت قد حرمت العطاء الذي لم يحرمه أي: كنت كأنك لم تعطه لسوء لقائك.
وما ترك زهير في البشر إحساناً لقائل مع قوله:
تراه إذا ماجئته متهللاًكأنك معطيه الذي أنت سائله
وقد قدح فيه مالاً يضره، وهو أن قيل: إنه قد حط من همته، ووضع منه إذ جعله يفرح بعطية يعطاها، وكان أن يجعل الدنيا تصغر عنده أن لو سيقت إليه.
وما قاله زهير غير مانع أن يكون صاحبه بهذا الوصف، بل ما قاله يوجب لصاحبه هذا الوصف، أن يكون بشره وطلاقة وجهه في إعطاء ما يعطي، وأخذ ما يأخذ على حال واحدة، وقد أخذه الكميت فقال:
يلقى أبانا على عسر وميسرةكأن مستوهبيه المال هم وهبوا
وقد تصرف البحتري في وصف البشر تصرفاً كثيراً حسناً، فقال:
أريحي إذا تهلل للجود أضاءت طلاقة وقبول
وقال:
لو أن كفك لم تجد لمؤمللكفاه عاجل وجهك المتهلل
ولو أن مجدك لم يكن متقادماًأغناك آخر سؤدد عن أول
وقال:
وتبسماتك للعطاء كأنهازهر الربيع خلال روض معشب
قوله: «تبسماتك»، جمع التبسم، هو مصدر، والمصادر لا تجمع كما لا يقال: تعجبت تعجبات، وتقدمت تقدمات، فكذلك لا يقال تبسمات.
وقال:
وأبيض وضاح إذا ما تغيمتيداه تجلى وجهه فتقشعا
ترى ولع السؤال يكسو جبينهإذا قطب المسئول بشراً مولعا
وهذا أحسن من قول مسلم بن الوليد:
لا يضحك الدهر إلا حين تسألهولا يعبس إلا حين لا يسل
وقال البحتري:
ووجه رق ماء الجود فيهعلى العرنين والخد الأسيل
يريك تألق المعروف فيهشعاع الشمس في السيف الصقيل
هذا من قول أبي تمام:
بشراً كبارقة الحسام المخذم
فوكده بذكر شعاع الشمس.
وقال:
مشرق للندى ومن حسب السيــف لمستله ضياء حديده
ضحكات في إثرهن العطاياوبروق السحاب قبل رعوده
وهذا مثل ما تقدم من قوله:
سوم السحائب ما بدأن بوارقاًفي عارض إلا انثنين رواعدا
قوله: «ما بدأن»: يريد السحائب، يقال: بدأت الشيء وأبدأته وذلك عن أكثر أهل اللغة غير الأصمعي، فإنه قال: لا يقال: بدأت الشيء، وإنما يقال: أبدأته.
وقال:
أزهر والروض لا يروقك أويحكي مصابيح ليله زهره
يخيل حتى ترى النجاح علىظاهر بشر متينة بشره
والغيم محبوكة طرائقهأحجى من الصحو يبتغي مطره
وما لا نهاية لحسنه قوله:
شيمة حرة وظاهر بشرراح من خلفه السماح يشف
وأعجب من هذا وألطف قوله:
يشرق بشراً وهو في مغرملو مني البدر به ربده
ضوء لو أن الفلك ازداد فيأنجمه فيه لما أنفده
وقال:
تنبي طلاقة وجهه عن جودهفتكاد تلقى النجح قبل لقائه
وضياء وجه لو تأمله امرؤصادي الجوانح لارتوى من مائه
وهذا معنى حسن لطيف، والعطشان لا يرويه النظر إلى الماء، وإنما يرويه أن يكرع فيه، فأراد البحتري أن تأمل وجهه يروي العطشان، على المبالغة، من كلام الناس أن يقولوا: هذا وجه يشبع الجائع ويروي الظمآن، يريدون من حسنه.
وقال:
كانت بشاشتك الأولى التي ابتدأتبالبشر ثم اقتبلنا بعدها النعما
كالمزنة استؤنفت أولى مخيلتهاثم استهلت بغزر تابع الديما
وهذا أيضاً تمثيل جيد بالغ مصيب.
وقال في إسماعيل بن بلبل:
مضيء ينوب البشر عن ضحكاتهولا ريب في أن العبوس هو العسر
ولو ضمن المعروف طي صحيفةيطان عليه كان عنوانها البشر
وهذا من باب فضل البحتري فيه على أبي تمام ظاهر لصحة تمثيلاته وكثرة افتنانه.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع