من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
باب في الحسد
قال أبو تمام:
مخامري حسد ماضر غيرهمكأنما هو في أبدانهم مرض
وقال:
هم حسدوه لا ملومين مجدهوما حاسد في المكرمات بحاسد
/ وقال:
واعذر حسودك فيما قد خصصت بهإن العلى حسن في مثلها الحسد
وقال:
ممتليء الصدر والجوانح منرحمة مملوئهن من حسده
وقال:
وإذا سرحت الطرف حول قبابهلم تلق إلا نعمة وحسودا
وقال:
وإذا أراد الله نشر فضيلةطويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورتما كان يعرف طيب عرف العود
لولا التخوف للعواقب لم تزلللحاسد النعمى على المحسود
وهذا غاية في حسنه وحلاوته وصحة تمثيله، وهو إحسانه المشهور.
وقال:
مشمر ما يكل في طلب الــعلياء والحاسدون في طلبه
أعلاهم دونه وأسبقهم الـإلى العلى واطيء على عقبه
وقال:
أحب مدانيه إليه مكاشحينافسه في سؤدد ويماجده
محا حقده عند التيقن أنهعلى المجد يومًا لا على المال حاسده
وقال البحتري:
نعم الله عنده وعليهعلل ما يبل منها حسوده
وقال:
مكارم هن الغيظ بات غليلهيضرم في صدر الحسود المكابد
ولن تستبين الدهر موضع نعمةأذا أنت لم تدلل عليها بحاسد
وهذا من قول أبي تمام.
وقال:
حاد عن مجدك المسامي وأمعنــت علواً فصد عنك الحسود
وقال:
يئس الحاسدون منك وما مجــدك مما يرجوه ظن الحسود
وقال:
ويرد غرب مساجليك إذا غلواسعي أطلت به عناء الحاسد
جهدوا على أن يلحقوك وأفحش الــحرمان يقدر للحريص الجاهد
وهذا حسن جداً.
وقال:
نعم إذا ابتل الحسود بسيبهاأحيته بالإفضال وهي حتوفه
وقال:
وملأت أحشاء الحسود بلابلاًفارتد يحسد فيك من لم يحسد
وقال في البيعة التي أخذها المتوكل لولاة عهوده:
فنيت أحاديث النفوس بذكرهاوأفاق كل منافس وحسود
واليأس إحدى الراحتين ولن ترىتعبًا كظن الخائب المكدود
وقال في مدح ابن طاهر:
ومرضى من الحساد قد كان شفهمتوقع هذا الأمر قبل وقوعه
وما عذرهم في أن تغل صدورهم ... على ناشر الإحسان فيهم مشيعه؟ لئن شهر السلطان أمضى سيوفه ... ورشح عود الملك أزكى فروعه فلا عجب أن يطلب السيل نهجه ... وأن يستقيم المشتري من رجوعه
وهذا لاشيء أحسن منه.
وقال:
وكم لك في الناس من حاسدوفي الحسد النزر حظ الحسود
وقال:
وكم أنافت من الأبناء مأثرةمشهورة تدع الآباء حسادا
وقال:
شغل الحاسدين أن لم يبيتواقط من همه ولا أشغاله
فاضحاً سعيهم إذا ما تعاطواسعيه فحش نقصهم عن كماله
وقال:
صغرت مقادير الرجال وقاربوافي السعي حتى ما ترى لك حاسدا
لو نافسوك لخالسوك من الندىما يصلحون به الزمان الفاسدا
وقال:
أبني حميد طال مجد محمدلما تطاولتم لبعد مناله
ولكم وإن لا تلحقون بشأوهشرف تظل الشمس تحت ظلاله
لا تحسدوه فضل رتبته التيأعيت عليكم وافعلوا كفعاله
وقال:
لا يقتل الحساد أنفسهم فقدهتك الصباح دجى الهزيع المظلم
وكبا عدوك حين رام بك التيتخشى فقلنا لليدين وللفم
وقال:
محسد بخلال فيه فاضلةوليس تفترق النعماء والحسد
وقال:
محسد وكأن المكرمات أبتأن توجد الدهر إلا عند محسود
وقال:
خلائق ما تنفك توقف حاسدًاله نفس في إثرها متراجع
ولن ينقل الحساد مجدك بعدماتمكن رضوى واطمأن متالع
وقال:
بفضيلة في النفس توجد عندهبفضائل الآباء والأجداد
ومحلة تعلو فتسقط دونهاهمم العدى ونفاسة الحساد
وقال:
هبل الحسود لقد تكلف خطةتبدي الخزاية في وجوه الحسد
لؤمت خلائقهم فكذب سعيهمعن سعي فرد في المكارم أوحد
وقال:
يئس الحاسدون منك وكانواأسفاً ينظرون نحوك حولا
ورأوا أنهم إذا وصلوا تلــك المساعي بالفكر ذابوا نحولا
فثنوا عنك أعيناً وقلوباًلم يردوا إلا خسيراً كليلا
وكفاني على الذي يوجد الفضــل لديه بالحاسدين دليلا
قد تصرفا في هذا الباب تصرفاً حسناً، غير أني أفضل أبا تمام لقوله:
«وإذا أراد الله نشر فضيلة»
لأنه معنى متناه في حسنه وحلاوة لفظه.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع