تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

الشجاعة والبأس

فأما الشجاعة فليس ذلك من الخلال التي تعتمد في مدح الخلفاء، إلا أن

يكون خليفة قد عرف بها وشهر به، وكانت به مواقف فيه، لأن الملوك والعظماء ترفع أقدارهم عن أن يجعل الشاعر غرضه بالبأس والجود، فإن اعتمد ذلك شاعر، فسبيله أن يجعله في تضاعيف الخلال التي هي بالملك أخص، ألا ترى إلى قول البحتري في أبي الحسن بن عبد الملك بن صالح الهاشمي:

وكأنك العباس نبل خليقةوعلو هم في بني العباس
للشاعر البحتري، من قصيدة «ناهيك من حرق أبيت أقاسي»
لو جل خلق قط عن أكرومةتثنى جللت عن الندى والباس
للشاعر البحتري، من قصيدة «ناهيك من حرق أبيت أقاسي»

وإنما قال هذا، لأن الندى والبأس موجود في ساسة دواب عبيدهم، فضلاً عنهم.

فمن حكم الشاعر إن ذكر البأس أن يتأتى له كما تأتى البحتري في الجود،

بما أبان به الخليفة من غيره.

وكاد أبو تمام يظفر بهذا المعنى في مدح المعتصم لولا أنه أفسده فقال:

من البأس والمعروف والجود والتقىعيال عليه رزقهن شمائله
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أجل أيها الربع الذي خف آهله»

فجعل البأس مع هذه الحال عيالاً عليه، وجعل شمائله -وهي أخلاقه- رزقاً لها، وهذه استعارة في غاية القبح والشناعة، وإنما سمع قول جرير في يزيد بن معاوية:

الحزم والجود والإيمان قد نزلواعلى يزيد أمين الله فاحتفلوا

فحذا حذوه، وما أظن لجرير بيتاً في المدح أردأ من هذا البيت، وهو خير

من بيت أبي تمام.

وإنما أراد جرير أن يجعل ليزيد في وصفه بالحزم والإيمان مزية على غيره من

أجل الخلافة فكان المعنى جيداً واللفظ رديئاً لأنه قال: «نزلوا واحتلفوا»، وهذا فعل ما يعقل، ولو كان استوى له أن يقول «نزلت واحتلفت»، كان ذلك أليق وأحسن، ولكن لما كان الاحتلاف لا يكون إلا لما يعقل، حمل الفعل عليه.

وأجود من هذا وذاك قول دعبل، ومن جرير أخذ إلا أنه أورده على أحسن

وجه وألطفه، فقال:

تنافس فيه الحزم والبأس والتقىوبذل الندى حتى اصطحبن ضرائرا

وقد أساء أيضًا سلم الخاسر في قوله:

جمع الخلافة والشجــاعة والسماحة في نظام

وما ذكر السماحة مع الخلافة؟ وأظنه قال ذلك من شح المنصور.

والجيد قوله:

إمام هدى في راحتيه مع الهدىمقادير تجري من نحوس وأسعد

وقال سلم أيضًا:

أقام الندى والبأس في كل منزلأقام به فضل بن يحيى بن خالد

وقال مسكين الدارمي في يزيد بن معاوية:

فتى ماله في البأس والمجد والندىوبذل اللهى في العالمين نظير

ففضله بهذه الخلال على العالمين.

وقال أبو تمام في مدح المعتصم:

ومشهد بين حكم الذل منقطعصاليه أو بحبال الموت متصل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «فحواك عين على نجواك يا مذل»
جليت والموت مبدحر صفحتهوقد تفرعن في أفعاله الأجل

وهذا مدح يصلح أن يكون لكل بادي بأس ونجدة، كائناً من كان من الناس، والبيتان جميعًا رديئان، فالأول رديء من جهة الاعراب، والثاني من جهة المعنى، فقوله: «بين حكم الذل»، لو كان لحكم الذل أشياء متفرقة لصلحت فيها بين، غير أن حكم الذل والذل بمنزلة واحدة، وكذلك حكم العز والعز، فكما لا يقال: «بين العز» فكذلك لا يقال: «بين حكم العز» حتى يقال هذا، وكذلك لأن بين إنما هي وسط بين شيئين، وقد بينت هذا فيما قدمت ذكره من أغاليطه واستقصيته.

وقوله:

«وقد تفرعن في أفعاله الأجل»

معنى في غاية الركاكة والسخف، وهو من ألفاظ العامة، وما زال الناس يعيبونه به، ويقولون: اشتق للأجل الذي هو مطل على كل النفوس فعلا من اسم فرعون وقد أتى الأجل على نفس فرعون، وعلى نفس كل فرعون كان في الدنيا.

وقال في مدح الواثق:

ليث إذاخفق اللواء رأيتهيعلو قرا الهيجاء وهي زبون
لحياضها متورد ولخطبهامتعمد ولثديها ملبون
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «وأبي المنازل إنها لشجون»

وهذا يصلح أن يمدح به كل أحد.

وقوله: «ولخطبها متعمد» لفظ ومعنى سخيفان، وإنما جاء به من أجل

قوله: «لحياضها متورد».

وقال البحتري في المتوكل:

وإذا ما تشنعت حومة الحرب وكان المقام بالقوم دحضا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أيّها العَاتِبُ الذي لَيسَ يَرْضَى»
غشي الدارعين ضربًا هذاذيــك وطعنًا يوزع الخيل وخضا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أيها العاتب الذي ليس يرضى»

وقد يكذب الشاعر للممدوح، ولا مثل هذا الكذب للمتوكل.

وقد أحسن -لعمري- سلم الخاسر كل الإحسان في قوله يمدح المهدي:

أعذرت إذ أنذرت كل مخالفنار الخليفة أن يكون رمادها

فإن هذا ما وراء حسنه وصحته شيء.

ومما عيب على أبي تمام في مدح المعتصم قوله:

إقدام عمرو في سماحة حاتمفي حلم أحنف في ذكاء إياس
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما في وقوفك ساعة من باس»

وقالوا كان ينبغي أن يفضله على جميع هؤلاء، فقالوا: قال أبو تمام لما أنكر ذلك عليه:

لا تنكري ضربي له من دونهمثلاً شروداً في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنورهمثلاً من المشكاة والنبراس
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما في وقوفك ساعة من باس»

«المشكاة»: الكةة، يقال بلسان الحبشة، و «النبراس»: المصباح.

وقد اعترض عليه أيضًا في هذين البيتين، وقيل أنه قصر في البيت الأول، بأن ذكر الندى والبأس، وترك الحلم والذكاء، وكان يجب أن يذكرها أجمع، ولا يسميها، فقيل لمن أنكر هذا: فلو كنت أنت مكانه، كيف كنت تقول؟، فقال: كنت أقول:

لا تنكروا ضربي له من دونهغايات أمثال جرت لأناس

أو: «مضت لأناس».

وهذا -لعمري- مستقيم أن لو قيل، ولكن لم يستقم لأبي تمام أن يجمع الوجوه الأربعة في هذا البيت كما جمعها في البيت الأول، فأقتصر على اثنين منهما، وقد علم أن المعنى يضمهما جميعاً.

والقبيح قول جريرـ:

كانت حنيفة أثلاثاً فثلثهممن العبيد وثلث من مواليها

فقيل لرجل من بني حنيفة: فمن أي الأثلاث أنت؟، فقال: من الثلثالملغي.

وقد يكون من الضرورات في الشعر ما يكون بعضه أحسن من بعض.

وقيل في البيت الثاني في قوله:

«فالله قد ضرب الأقل لنوره»

إن نوره إنما هو نور هداه، الذي يهدي به من في السماوات والأرض، ولذلك قال: «يهدي الله لنوره من يشاء» أي: بنور هداه، وليس يحيط الخلق بهذا النور ولا بقدره معرفة، ولا بالمثل الذي ضربه ﷿ له، فمن أين علم أبو تمام أن أحدهما أقل من الآخر؟، وذلك أنه جل اسمه قال:

«مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري»

ثم قال:

«يوقد من شجرة مباركة زيتونة لاشرقية».

أي: ليست بضاحية بارزة للشمس، تشرق عليها ولا تكاد تغيب عنها.

«ولا غربية»، أي: ولا مقنوءة، والمقنوءة: الأرض المنحرفة عن الشمس بساتر يسترها، فتغيب عنها بسرعة، ولا تأخذ بحظها منها، يريد اعتدال موضع الشجرة ليخلص الزيت من ثمرتها ويصفو، وهذا كله قد يوجد في الشجر.

ثم قال:

«يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار».

ولم يعرف الخلق ولا شاهدوا زجاجة كأنها كوكب دري ولا زيتاً يكاد يضيء وإن لم تمسسه نار.

ثم قال: «نور على نور»، وهذا الوصف كله إنما أراد ﷿ به تعظيم أمر نور المصباح، الذي جعله مثلاً لنور هداه، فإنا وإن لم نعرف حقيقته، فقد دلنا تبارك اسمه على أنه نور عظيم القدر، فكيف يجوز أن يجعله أقل من نور الهدى، والله تبارك اسمه قد جعله مثله؟.

فإن قيل: قد يشبه الشيء من بعض جهاته لا من جهاته كلها، قيل: ليس النور إلا جهة واحدة، وهي الضياء فقط.

وأظن أبا تمام ذهب إلى أن «مثل نوره» إلى نور وجهه، فإن كان ذهب إلى هذا فهو غلط منه، ولا أعرف له عذرًا يتوجه، فإن قيل: بل العذر له متوجه، وهو أن نوراً يملأ السماوات والأرض أكثر وأعظم من نورٍ تضمه مشكاة، وهي الكوة غير النافذة، قيل: لم يرد ﷻ بذكر المشكاة تقليل أمر الضوء، وأنه على قدر المشكاة، وإنما أراد جل اسمه أن يؤكد شدة النور وعظمه، لأنه إذا كان في شيء يضمه كان أغلب وأشد لضيائه منه إذا كان ضاحياً منتشرا، وهذا معلوم، ومعرفته قائمة في النفوس.

وقال بعض المفسرين: أراد جل وعز: مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة فيها مصباح، وهو أثبت في العقول وأولى بالصواب، وأبعد من أن يحيط العلم بأن أحد النورين أقل من الآخر، لأنه تشبيه صحيح، وقد نطقت بذلك العرب، قال الطحن الحرمازي يصف عيني الأسد:

قالب حملاقين مثل الوقبين

أو مثل مصباحين في مشكاتين

«الحملاق» جوانب العين من داخل، و «الوقب» النقرة في الحجر وقال أبو زبيد الطائي:

كأن عينيه مشكاتين في حجرقيضا اقتياضًا بأطراف المناقير

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.