من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما قالاه في الجمال والجلال والهيبة والبهاء والجهارة (٢)
قال أبو تمام:
إنا غدونا واثقين بواثقبالله شمس ضحى وبدر تمام
ثم قال بعد في القصيدة:
ما أحسب البدر المنير إذا بدابدراً بأضوأ منك في الأوهام
قوله: «في الأوهام» قد عيب به، وقيل لم يجعله مضيئًا في العين، وجعله مضيئًا في الأوهام، والذي ذهب إليه أبو تمام معنى صحيح؛ لأن وجه الإنسان لا يكون أضوأ منه في الصدور وفي النفوس، يريد الجلالة والهيبة.
وأجود من هذا قول محمد بن وهيب:
تعظمه الأوهام قبل عيانهويصدر عنه الطرف والطرف حاسر
وأحسن من قول ابن وهيب قول الأحوص:
تراهم خضع الأبصار هيبتهكما استكان لضوء الشارق الرمد
وقال أبوتمام في خالد بن يزيد بن مزيد:
وقال أبو تمام في خالد بن يزيد بن مزيد:
كالبدر حسناً وقد يعاودهعبوس ليث العرين في عبده
كالسيف يعطيك ملء عينيك منفرنده تارة ومن ربده
وهذا غاية في حسنه وصحته وبراعته.
وقال في جعفر الخياط:
فتى في يديه البأس يضحك والندىوفي سرجه بدر وليث غضنفر
وهذا مأخوذ من قول مسلم بن الوليد:
تمضي المنايا كما تمضي أسنتهكأن في سرجه بدرًا وضرغاما
وقد أحسن محمد بن وهيب كل الإحسان في قوله:
وكأن ضوء جبينه قمروكأن سائر خلقه أسد
وقال أبو تمام في خالد بن يزيد بن مزيد:
وقد كان مما يضيء السريــر والبهو يملؤه بالبهاء
مضى خالد بن يزيد بن مزيد قمر الليل شمس الضحاء
وهذا يمر في «المراثي».
وقال البحتري في المهتدي بالله:
زاد في بهجة الخلافة نورًافهو شمس النهار وهي نهار
طلعة تملأ القلوب ووجهخشعت دون ضوئه الأبصار
ذكروا الهدى من أبيك وقالواهو ذاك السيما وذاك النجار
وعليهم سكينة لك إلامد أيد يومًا بها ويشار
بهتوا حيرة وصمتًا فلو قيــل أحيروا مقالة ما أحاروا
وقليل إن أكبروك لك الهيــبة ممن رآك والإكبار
وقال في المتوكل لما خرج لصلاة العيد:
وافتن فيك الناظرون فإصبعيومًا إليك بها وعين تنظر
يجدون رؤيتك التي فازوا بهامن أنعم الله التي لا تكفر
ذكروا بطلعتك النبي فهللوالما طلعت من الصفوف وكبروا
حتى انتهيت إلى المصلى لابسًانور الهدى يبدو عليك ويظهر
ومشيت مشية خاشع متواضعلله لا يزهو ولا يتكبر
ولو أن مشتاقًا تكلف فوق مافي وسعه لمضى إليك المنبر
وقال فيه لما دخل عليه وفد الروم:
ورأيت وفد الروم بعد عنادهمعرفوا فضائلك التي لا تجهل
لحظوك أول لحظة فاستصغروامن كان يعظم فيهم ويبجل
ورأوك وضاح الجبين كما يرىقمرالسماء السعد ساعة يكمل
نظروا إليك فقدسوا ولو أنهمنطقوا الفصيح لكبروا ولهللوا
حضروا السماط فكلما رامو القرىمالت بأيديهم عقول ذهل
تهوي أكفهم إلى أفواههمفتجور عن قصد السبيل وتعدل
متحيرين فباهت متعجبمما يرى أو ناظر متأمل
ويود قومهم الألي بعثوهملو ضمهم بالأمس ذاك المحفل
قد نافس الغيب الحضور على الذيشهدوا وقد حسد الرسول المرسل
قوله: «باهت»، من بهت يبهت وقد قيلت، وهي رديئة، والجيد بهت يبهت.
وقال في المعتز:
يبهت الوفد في أسرة وجهساطع الضوء مستنير الشعاع
وقال فيه:
إذا نظر الوفود إليه قالواأبدر الليل أم شمس النهار
وأجود من هذا قول ابن هرمة:
لا يرفعون إليه الطرف خشيتهلا خوف بأسٍ ولكن خوف إجلال
وأجود من هذا قول طريح الثقفي:
يعروهم أفكل لديك كماقفقف تحت الدجنة الصرد
لا خوف ظلم ولا قلى خلقلكن جلال كساكه الصمد
وأصل الباب كله قول الحزين الكناني:
يغضي حياءً من مهابتهفما يكلم إلا حين يبتسم
وقال في المتوكل:
اليوم أطلع للخلافة سعدهاوأضاء فيها بدرها المتهلل
لبست جلالة جعفر فكأنهاسحر تجلله النهار المقبل
وقال في المعتز ويذكر الزو:
ولم أر كالمعتز إذ راح موفيًاعليه بوجه لاح في الرونق النضر
مليًا بأن يجلو الظلام بغرةتخاضع إكبارًا لها غرة الفجر
إذا اهتز غب الأريحية والندىوأسفر في ضوء الطلاقة والبشر
وقابله بدر السماء بحسنهفبدر على بدر وبحر على بحر
رأيت بهاء الملك مجتمعًا لهوديباجة الدنيا ومكرمة الدهر
وقال فيه:
ملك يملأ العيون بهاءحين يبدو في تاجه المعقود
والخلفاء وملوك الإسلام لا يلبسون التيجان، وأظنها كانت يتخذها الأحداث منهم فيلبسونها في خلواتهم، ومع نسائهم، ومن لا يحتشمونه من ندمائهم، فأما القلانس المعممة التي ترصع بالجوهر فلا شك فيها. ومن ذكر تيجان الخلفاء من الشعراء فلعله رأى على رؤسهم هذا الجنس، فقد قال البحتري أيضًا في المهتدي ينفي عنه لبس التاج:
لسجادة السجاد أحسن منظرًامن التاج في أحجاره واتقادها
وقال في المعتز:
كأنما التاج إذا ما علاغرته بالدرر الزهر
كوكب الفكة في أفقهادنت فحفت غرة البدر
وقد تقدم من إنكار عبد الملك بن مروان على ابن الرقيات قوله:
يعتدل التاج فوق مفرقه
فأما الجلال، والبهاء، وسائر ما مضى من ذلك في هذا الباب، فإنه واجب في مدح الخلفاء والملوك والعظماء؛ لأنه من الأوصاف التي تخصهم، ويحسن موقع ذكرها عندهم، وكذلك جمال الوجه وحسنه مما يجب المدح به؛ فإن الوجه الجميل يزيد في الهيبة، ويتيمن به العرب؛ لأنه يدل على الخصال المحمودة، كما أن قبح الوجه والدمامة يسقط الهيبة، ويدل على الخصال المذمومة، وذلك ما تكرههه العرب، وتتشاءم به؛ لأن أول ما تلقاه من الإنسان وتعاينه وجهه، ألا ترى إلى قول البحتري:
أغر كبارق الغيث المرجىيحبب في الأباعد والأداني
تخاضعت الوجوه لحسن وجهيدل على خلائقه الحسان
وقال في مثل ذلك:
حسن الوجه والرواء وكم دل على سؤدد الشريف رواؤه
ماء وجه إذا تبلج أعطاك أمانًا من نبوة الدهر ماؤه
يتعالى ضياؤه فيجليطخية الحادث المضب ضياؤه
وقد غلط بعض المتأخرين في هذا الباب - ممن ألف في «نقد الشعر» كتابًا- غلطاً فاحشاً، فذكر أن المدح بالحسن والجمال، والذم بالقبح والدمامة ليس بمدح على الحقيقة، ولا ذم على الصحة، وخطأ كل من يمدح بهذا أو يذم بذاك،
فعدل بهذا المعنى عن مذاهب الأمم كلها عربيها وعجميّها، وأسقط أكثر مدح العرب وهجائها، وقد بينت قبح غلطه في هذا تبيينًا شافيًا مستقصى في كتاب منفرد.
وقال البحتري يمدح المعتز ويذكر ابنه عبد الله:
عليه من المعتز بالله بهجةأضاءت فلو يسري بها الركب لاهتدى
يروق العيون الناظرات بطلعةمن الحسن لو وافى بها البدر ما عدا
تأمل أمين الله فرط جلالةوأبهة تبدو عليه إذا بدا
وقد تصرف البحتري في المدح بالجمال والهيبة والجلال تصرفًا كثيرًا في غير مدح الخلفاء، فقال في الفضل بن إسماعيل الهاشمي:
لا تطلبن له الشبيه فإنهقمر التأمل مزنة التأميل
وقال في الفتح بن خاقان:
تكشف الليل من لألاء غرتهعن بدر داجية أو شمس إصباح
وقال يمدحه:
ويبتدر الراءون منه إذا بداسنا قمر من سدة الملك مطلع
يقومون من بعد إذا بصروا بهلأبلج من نور الجلالة أروع
ويدعون بالأسماء مثنى وموحدًاإذا حضروا باب الرواق المرفع
إذا سار كف اللحظ عن كل مبصرسواه وغض الصوت عن كل مسمع
فلست ترى إلا إفاضة شاخصإليه بعين أو مشير بإصبع
الإفاضة: الدفع، يريد أنه يدفع ببصره إليه وينجو به نحوه.
والإفاضة في الكلام: أن يدفعوا أيضًا القول، ويبعثوا الكلام، وهذه هيبة وجلال ما وراءهما غاية.
وكان المتوكل أولى بهذا الوصف من الفتح أوقر وأهيب.
وقال البحتري في دخوله إلى الفتح:
ولما حضرنا سدة الإذن أخرترجال عن الباب الذي أنا داخله
فأفضيت من قرب إلى ذي مهابةأقابل بدر الأفق حين أقابله
فسلمت وأعتاقت جناني هيبةتنازعني القول الذي أنا قائله
فلما تأملت الطلاقة وأنثنىإلى ببشر آنستني مخايله
دنوت فقبلت الندى في يد امريءجميل محياه سباط أنامله
صفت مثل ما تصفو المدام خلالهورقت كما رق النسيم شمائله
هكذا - لعمري- تمدح الملوك.
وقال فيه:
مهيب يعظم العلماء منهجلالة أروع واري الزناد
يؤدون التحية من بعيدإلى قمر من الإيوان باد
قيام في المراتب أو قعودسكون من أناة واتئاد
فليس اللحظ بالمكرر شزرًاإليه ولا الحديث بمستعاد
وقال فيه أيضاً لما دخلت إليه بنو تغلب بعدما أصلح بينهم حتى سكنت حربهم، يقول ذلك في قصيدته المنصفة:
تراءوك من أقصى السماط فقصرواخطاهم وقد جازوا الستور وهم عجل
إذا قلبوا أبصارهم من مهابةومالوا بلحظ خلت أنهم قبل
وهذا من فاخر المدح، ومصيب الوصفن وفي اقتصاص مثل هذه الأحوال التي تشاهد يظهر حذق الشاعر وبراعته.
وقال البحتري في الفتح:
تلفت فوق العالمين فطالهمتشوف بسام إلى الوفد قاعد
جهير الخطاب يخفض القوم عندهمعاريض قول كالرياح الرواكد
يخصون بالتبجيل أطولهم يدًاوأظهرهم أكرومة في المشاهد
ولم أر أمثال الرجال تفاوتتإلى الفضل حتى قيس ألف بواحد
وقال في عبيد الله بن عبد الله بن طاهر حين قدم بغداد:
وتعطف أثناء السرداق حولهعلى قمر تنجاب عنه سدولها
إذا القوم قاموا يرقبون بدوهبدا حسن الأخلاق فيهم جميلها
كأنهم عند استلام ركابهغضائب عند البيت حان قفولها
إذا ازدحموا قدامه ووراءهمشوا مشية يأبى الأناة عجولها
وقال أبو عمرو والمفضل: كثير أشعر الناس في وصف الهيبة إذ يقول:
شهدت ابن ليلى في مواطن قد خلتيزيد بها ذا الحلم حلمًا حضورها
فلا هاجرات القول يورثن عندهولا كلمات النصح ملقى مشيرها
ترى القوم يخفون المواعظ عندهوينذرهم عور الكلام نذيرها
وقد أحسن ذو الرمة كل الإحسان إذ يقول في مدح بلال بن أبي بردة:
من آل أبي موسى ترى القوم حولهكأنهم الخربان أبصرن بازيا
مرمين من ليث عليه مهابةتفادى الأسود الغلب منه تفاديا
فما يغربون الضحك إلا تبسمًاولا ينسبون القول إلا تناجيا
لدى ملك يعلو الرجال بضوئهكما بهر البدر النجوم السواريا
ولا الفحش فيه يرهبون ولا الخناعليهم ولكن هيبة هي ما هيا
«المرم»: الساكت المطرق، وقوله: «يغربون» من أغرب في الضحك واستغرب إذا أكثر، و «وينسبون»: يتكلمون كلامًا خفيًا، وهذا مثل قول كثير:
ترى القوم يخفون المواعظ عنده
وليس هذا ولا قول كثير بأجود ولا أبلغ من قول البحتري في الفتح بن خاقان.
وقال أبو العتاهية في الهادي:
يضطرب الخوف والرجاء إذاحرك موسى القضيب أو فكر
وإنما حذاه على قول ابن هرمة في المنصور:
له لحظات عن حفافي سريرهإذا كرها منها عقاب ونائل
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع