تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

من باب السؤدد والشرف ذكر علو القدر وعظيم الفضل

قال أبو تمام:

الله أكبر جاء أكبر من جرتفتعثرت في كنهه الأوهام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»
من لا يحيط الواصفون بقدرهحتى يقولوا قدره إلهام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»

قوله: «الله أكبر»، يقول فيما أظنه عند قدوم المأمون من خراسان، أي الله أكبر من كل أحد، قد جاء أكبر من جرت فتعثرت في كنهه الأوهام.

وكنه الشيء: غاية صفته.

وقوله: «حتى يقولوا قدره إلهام» من جنونه؛ لأن الإلهام هو ما يلقيه الله، ﷿، في قلب الإنسان حتى يعرفه بغير تعرف، ويعلمه من غير تعلم، فيقول: لا يحاط بقدره إلا أن يكون ذلك إلهاماً من الله، جل وعز، فيعرف.

وقدر كل شيء: هو مبلغه، فيقول: سرنا قدر ميل، وقدر فرسخ، وأخذت منه قدر عشرين درهماً، أي مبلغ عشرين.

وإنما سمع الناس يقولون هذا أمر لا يقدر قدره، وسمع قول الله ﷿: «وما قدروا الله حق قدره»، قيل في التفسير: ما عرفوه حق معرفته، فأراد أن ينجو بقدر المأمون هذا النحو فأخرجه بهذه العبارة المستكرهة.

يريد أن قدره لا يعرف إلا بالإلهام من الله ﷻ.

وقد كان يكفي من هذا العويص الذي جاء به أن يقول كما قال البحتري في المتوكل:

وأنت أمين الله بالموضع الذيأبي الله أن يسمو إلى قدره قدر

فجعل قدره فوق قدر كل ذي قدر، ومثل هذا لا يقال إلا لخليفة أو لأفضل الناس من أهل بيت النبوة.

وقد أفرط البحتري في مدح إبراهيم بن المدبر، وإن كان لم يصرح في تفضيل قدره، وذلك قوله:

دنوت تواضعاً وعلوت قدراًفشأنك انحدار وارتفاع
كذاك الشمس يبعد أن تسامىويدنو الضوء منها والشعاع

وما قيل في التواضع ألطف من هذا ولا أحسن، ولو مدح خليفة بالتواضع لما وجد شيئاً يليق به غير هذا الوصف أو معناه.

وقال أبو تمام في المعتصم مادة (؟) فضل على فضله كل أحد من الناس.

إلى قطب الدنيا الذي لو بفضلهمدحت بني الدنيا كفتهم فضائله
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أجل أيها الربع الذي خف آهله»

وهذا تفضيل في غاية الاستقصاء والجودة والحسن والصحة، ولا يقال مثله إلا لخليفة من أفضل الخلفاء؛ لقوله: مدحت بني الدنيا.

ومثله في الجودة بل يزيد عليه قول البحتري في المتوكل:

يابن عم النبي حقاً، ويا أزكى قريش نفساً وديناً وعرضاً
بنت بالفضل والعلو فأصبحــت سماء وأصبح الناس أرضا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أيها العاتب الذي ليس يرضى»

ولو قال قائل مثل هذا لغير خليفة لكان قد تجشم أعظم الخطأ إذ ليس أحد من الناس يطالبه بأن يمدحه هذا المدح، ولا أن يفضله هذا التفضيل.

وقال البحتري أيضاً في المهدي:

أقرت له بالفضل أمة أحمدفدان له معوجها وقويمها
للشاعر البحتري، من قصيدة «سقى دار ليلى حيث حلت رسومها»

والتفضيل الحسن الذي لا غلو فيه وكأن قائله قد غلا قول البحتري أيضاً في أبي ليلى الحارث بن عبد العزيز بن دلف:

يبين بالفضل أقوام فيفضلهمموحد بغريب الذكر منفرد
توحد القمر الساري بشهرتهوأنجم الليل نثر حوله بدد
للشاعر البحتري، من قصيدة «يكاد يبدي لسعدى غيب ما أجد»

ومثله في الحسن قوله في الفتح:

ولما جرى في المجد والقوم خلفهتغول أقصى جهدهم وهو وادع
وهل يتكافا الناس شتى خلالهموما تتكافا في اليدين الأصابع
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألمت وهل إلمامها لك نافيع»

وهذا كله عجيب في معانيه ولكنهما في معانيهما حذو على قول معن بن أوس:

وما بلغت كف امريء متطاوليد المجد إلا حيث ما نلت أطول
وما بلغ المهدون في القول مدحةولو أكثروا إلا الذي فيك أفضل

و

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.