من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
وجه آخر من خروجهما إلى المدح
منه قول أبي تمام:
صب الفراق علينا صب من كثبعليه إسحاق يوم الروع منتقما
وهذا خروج حسن
وقال أيضاً:
فليبلغ الفتيان عني مألكاًأني متى يتثلموا أتهدم
ولتعلم الأيام أني فتهابأبي الحسين محمد بن الهيثم
قوله: «مألكاً»: جمع مألكة، وهي الرسالة، ونصبها على الحال.
وقال أبو تمام أيضاً:
وعاذل هاج لي باللوم مأربةباتت عليها هموم الصدر تصطخب
لما أطال ارتجال العذل قلت لهالحزم يثني خطوب الدهر لا الخطب
لم يجتمع قط في مصر ولا طرفمحمد بن أبي مروان والنوب
قوله: «الحزم يثني خطوب الدهر» ليس بواجب قاطع على كل حال، ولو كان ذلك كذلك لما رأيت حازماً قط يصيبه خطب من الدهر يكرهه، ولكنه لما كان الحزم قد يفعل ذلك صلح أن يذكره.
وقال أبو تمام:
يا أيهذا السائلي أنا شارحلك غائبي حتى كأنك حاضره
إني ونصراً والرضا بجوارهكالبحر لا يبغي سواه مجاوره
ما إن يخاف الخذل من أيامهأحد تيقن أن نصراً ناصره
قوله: «أنا شارح لك غائبي» لست أراه شرح شيئاً، وإنما ذكر أن رضاه بجوار نصر كالبحر لا يبغي سواه مجاوره، وهذا خبر مختصر؛ والشرح لا يكون في نصف البيت.
فأما قوله: «ما إن يخاف الخذل» فليس يتعلق بقوله: «أنا شارح لك غائبي حتى كأنك حاضره».
وقد أخبر البحتري بخبر حسن هو أولى بالشرح من أبي تمام فقال:
ومن غرائب ما تأتي الخطوب بهفي أول من صروف الدهر أوتال
أحدوثة عجب أنبيك عن خبريفيها وعن خبر الشاه بن ميكال
فررت منه حياء من قصوري عنجزاء ما زاد في جاهي وفي مالي
لو لم أعوضه شكراً عن تطولهإذ لم أقابله إفضالاً بإفضال
وقد ذكر هذا المعنى في غير موضع، وإنما أذكره في أبوابه إذا جاءت بإذن الله.
وقال البحتري:
لعمر أبي الأيام ما جار حكمهاعلي ولا أعطيته ثنى مقودي
وكيف أخاف الحادثات وصرفهاعلي ودوني أحمد بن محمد
وقال:
فإن أراب صديقي في الوداد فكمأمسيت أحذر ما قد كنت آمله
يكفيك من عدة في الدهر تجعلهاذخراً سماع أبي بكر ونائله
وقال:
لا أمدح المرء أقصى ما يجود بهنيل يكسر من حافات جلمود
حسبي بأحمد إحساناً يبلغنيمدى الغنى وبفعل منه محمود
قوله: «وبفعل منه محمود»، يريد معونته إياه على أموره، وبذله جاهه له:
ومن طريف خروج البحتري وعجيبه قوله:
إذا الرجال اعتمت أجوادهمفاسم إلى الأشرف ما فالأشرف
ادفع بأمثال أبي غالبعادية العدم أو استعفف
ومن جيد ذلك ونادره أيضاً قوله:
يرجو البخيل اغتراري أو مخادعتيحتى أسوق إليه المدح مجاناً
لأكسون بني الفياض من مدحيما بات منه لئيم الناس عريانا
وهذا في غاية الحسن.
وقال:
هل الشباب ملم بي فراجعةأيامه لي في أعقاب أيامي
لو أنه نائل غمر يجاد بهلقد تطلبته عند ابن بسطام
وهذا أيضاً خروج حسن طريف.
ومن جيد خروجه أيضاً قوله:
لتسرين قوافي الشعر معجلةما بين سيره المثلى وشرده
جوازياً حسناً من حسن أنعمهوعن بواديه في الجدوى وعوده
ومن طريفات الخروج أيضاً قول أبي تمام:
تداو من شوقك الأقصى بما فعلتخيل ابن يوسف والأبطال تطرد
ذاك السرور الذي آلت بشاشتهأن لا يجاورها في مهجة كمد
وهذا -لعمري- معنى في غاية الحسن والحلاوة.
وقال أبو تمام:
تواترت نكبات العسر ترشقنيبكل صائبة عن قوس عضبان
مدت عنان رجائي فاستقدت لهاحتى رمتني في بحر ابن حسان
بحر من الجود يرمي موجه زبداًحبابه الودق مقرون بعقيان
وهذا من لفظ العوام وأشعار الصبيان.
ومن رديء خروجه أيضاً قوله:
ودع فؤادك توديع الفراق فماأراه من سفر التوديع منصرفا
يجاهد الشوق طوراً ثم يجذبهجهاده القوافي في أبي دلفا
وقد أصلحه الناس: «مجاهدات القوافي»، وبقي ما لا يمكن إصلاحه وهو قبح قوله: «يجذبه»، فإنها لفظة بشعة.
ومجاهدته للقوافي أيضاً معنى رديء، وإنما كان ينبغي أن يقول:
إن الشعر ييسر فيه، وتطرد قوافيه بمدحه لكثرة فضائله، ويأتي فيه عفواً، ولا يتعذر، كما قال:
تغاير الشعر فيه إذ سهرت لهحتى ظننت قوافيه ستقتتل
ومن رديء خروجه أيضاً قوله:
يعجبن مني أن سمحت بمهجتيوكذاك أعجب من سماحة جعفر
ملك إذا الحاجات لذن بحقوهصافحن كف نواله المتيسر
فلم عجب من سماحة جعفر؟، وإنما العجب من سماحة البخلاء، فأما
الكرماء الذين من عاداتهم البذل فما وجه التعجب من سماحتهم؟
وليس في البيت الثاني ما يوجب التعجب، وإنما ذكر فيه أن نواله متيسر، وهو بيت رديء.
ومن رديء خروجه أيضاً لفظاً ومعنى قوله:
يقول أناس في جبيناء عاينواعمارة رحلي من طريف وتالد
أأظهرت كنزاً أم صبحت بغارةذوي غرة حاميهم غير شاهد
فقلت لهم لاذا وذاك ديدنيولكنني أقبلت من عند خالد
وهذا من معاني العوام أن يقولوا لمن رأوا حاله قد حسنت على من أغرت أو أي كنز وجدت، وما ظننت مثل هذا ينظم في شعر.
وقوله: «أقبلت من عند خالد» كلام الفارغ، وإنما كان ينبغي لمن ابتلاه الله بهذا المعنى أن يقول في جوابهم: نعم كنز خالد، وأغار على ندى خالد، ولكنه -لعمري- بين المعنى في البيت الثاني، وعرفهم سبب عمارة رحله بأن قال:
جذبت نداه غدوة السبت جذبةفخر صريعاً بين أيدي القصائد
وهذا وأبيه معنى متناه في برده وغثاثته وركاكته، ولشتيمة الممدوح عندي بالزنى أحسن وأجمل من جذب نداه حتى يخر صريعاً!!!
ولو لم يعلمنا أن ذلك كان غدوة السبت كيف كان يتم برد المعنى.
و «حبيناء»: اسم موضع، في غاية القبح والهجانة، فإنهم وإن كانوا
قالوا ما قالوا له في هذا الموضع فإنه لم يكن مضطراً إلى ذكره، كما أنه لم يك مضطراً إلى ذكر غدوة السبت.
ومن سبيل الشاعر أن لا يذكر إلا ما حسن من أسماء المواضع، وأن يعتمد أسماء المواضع الغريبة المتكررة في أشعار الفصحاء؛ ألا ترى أن الفرزدق أنكر على مالك بن أسماء بن خارجة وقد أنشده:
حبذا ليلتي بتل بونا
فقال: وأفسدت أبياتك بذكر بوناً، فقال له: ففي: «بوناً» كان ذلك، قال: وإن كان.
ومن خروجه الرديء قوله:
يد الشكوى أتتك على البريدتمد بها القصائد من نشيد
تقلب بينها أملاً جديداًتدرع حلتي طمع جديد
شكوت إلى الزمان نحول جسميفأرشدني إلى عبد الحميد
فقوله: «تقلب بينها» يعني القصائد.
وقوله: «أملاً جديداً حلتي طمع جديد» لفظ رديء جداً؛ لأن معنى الطمع والأمل والرجاء معنى واحد في مقاصد الناس واستعمالهم،
تقول: أنا آمل من الله تعالى الفرج، كما تقول: أطمع وأرجو، وإنما ينسق بعضها على بعض لاختلاف اللفظ.
وتقول: قد انقطع من فلان الطمع، وانقطع الأمل، وانقطع الرجاء.
وكذلك خاب.
فإن كان بين هذه الألفاظ فرق في أصل وضع الكلام [فقد أجريت] مجرى واحداً فلا فائدة إذاً في قوله: «أملاً جديداً تدرع حلتي طمع جديد».
ولو كان قال: تدرع حلتي عزم جديد كان أولى بالصواب، إن شاء الله.
قوله:
شكوت إلى الزمان نحول جسميفأرشدني إلى عبد الحميد
لو كان عبد الحميد طبيباً كان يكون معنى البيت مستقيماً؛ لأن الرجل المعتر الطالب الجدوى لا يشكو نحول جسمه إلى ممدوحه الذي يلتمس الفضل منه، وإنما يشكو إليه اختلال الحال، وقصور اليد، فأما أن يشكو إليه نحول الجسم فإن ذلك غاية الخناعة والنذالة والانحطاط في المسألة.
إنه يخبره بشدة جوعه وأن ذلك هو الذي أذاب لحمه، وهذا لا يقوله شاعر على هذا الوجه، بل إنما يذكر المص بوجه حسن، ولفظ معتاد.
ونحول الجسم فإنما يشتكي إلى الحبيب إذا كان من غلة أو عشق.
ولو كان قال: شكوت إلى الزمان قصور حال، كان أشبه من نحول الجسم الذي قد يكون من أشياء كثيرة.
أو لو كان هجر حبيب وما لحقه من الضنى والسقم لصلح أن يجعل شكواه إلى الممدوح كما قال أبو نواس:
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالدهواكم لعل الفضل يجمع بيننا
فقال الفضل: جعلني قواده، وإنما أراد أبو نواس لعل الفضل يثيبني بما أصل به إلى الاجتماع معكم.
وهذا الباب في الخروج من النسيب إلى المديح مما لا خفاء بفضل البحتري فيه على أبي تمام.
وللمتأخرين خروجات ظريفة حلوة نادرة
فمن ذلك قول ابن وهيب:
ربما أبيت معانقي قمرللحسن فيه مخايل تضح
نثر الجمان على محاسنهبدعاً وأذهب همه الفرح
يختال في ودق الشباب بهمرح وداؤك أنه مرح
ما زال يلثمني مراشفهويعلني الإبريق والقدح
حتى استرد الليل خلعتهونشا خلال سواده وضح
وبدا الصباح كأن غرتهوجه الخليفة حين يمتدح
وحسبك بهذاحسناً يزيد عل كل ما تقدم للطائيين.
ومن المذاهب الطريفة في باب الخروج قول بكر بن النطاح الحنفي في قصيدة يمدح فيها مالكاً الخزاعي:
عرضت عليها ما أرادت من المنىلترضى فقالت قم جئني بكوكب
فقلت لها هذا التعنت كلهكمن يتشهى لحم عنقاء مغرب
فلو أنني أصبحت في جود خالدوعزته ما نال ذلك مطلبي
فتى شقيت آماله بسماحهكما شقيت قيس بأرماح تغلب
ونحوه قول الخليع في كلمة يمدح فيها عاصماً الغساني:
أقول ونفسي بين شوق وحسرةوقد شخصت عيني ودمعي على خدي
أريحي بقتل من تركت فؤادهبلحظته بين التأسف والجهد
فقالت عذاب بالهوى قبل ميتةوموت إذا أقرحت قلبك من بعدي
لقد فطنت بالجود فطنة عاصملصنع الأيادي الغر في طلب الحمد
وهذا يسميه قوم الاستطراد، وهو حسن جداً.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع