تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

ومما ذكرا فيه سرى الإبل

قال أبو تمام:

لا تذيلن صغير همك وانظركم بذي الأثل دوحة من قضيب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أي مرعى عين ووادي نسيب»
رب خفض تحت السرى وغناءمن عناء ونضرة من شحوب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أي مرعى عين ووادي نسيب»
فاسأل العيس ما لديها وألفبين أشباحها وبين السهوب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أي مرعى عين ووادي نسيب»

وقال:

فتى النكبات من يأوي إذا ماقطفن به إلى خلق وساع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «خذي عبرات عينك عن زماعي»
يثير عجاجة في كل ثغريهيم بها عدي بن الرقاع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «خذي عبرات عينك عن زماعي»
أبن مع السباع الماء حتىلخالته السباع من السباع
فلب الحزم إن حاولت يوماًبأن تسطيع غير المستطاع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «خذي عبرات عينك عن زماعي»
فلم ترحل كناجية المهاريولم تركب همومك كالزماع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «خذي عبرات عينك عن زماعي»

قوله: «قطفن» أي أبطأ في الانصراف والانكشاف عنه، وتثاقلن في المضي، مأخوذ من قولهم: دابة قطوف، وهو الذي يقصر خطوه فيبطيء ذهابه.

يقول: فإنه مع هذه الحال يأوي إلى خلق واسع، وصبر على المحن حتى تنكشف.

وقوله: «يثير عجاجة في كل ثغر» أي يطأ كل بلدة مخوفة، وتثير مطيته غبار كل بقعة، ونسب العجاجة إلى عدي بن الرقاع لأن عدياً وصف العير والأتان وما يثيرانه من الغبار في السهل من الأرض، فإذا صارا إلى الحزن لم يوجد لها فيه نقع، فشبهه بملاءة ينشرانها مرة، ويطويانها أخرى فقال:

يتعاوران من الغبار ملاءةسوداء داجية هما نسجاها
تطوى إذا علوا مكاناً ناشراًوإذا السنابك أسهلت نشراها

وهذا من تشبيهات العرب الموصوفة، فجعل أبو تمام عدياً ممن هام بهذه العجاجة، أتى بوصفها إعجاباً بها، وأن ناقته أيضاً تثير عجاجة في كل ناحية كهذه العجاجة.

وهذا تمحل منه لمعنى غير لائق بما هو بسبيله من ذكره سيره؛ لأنه إن كان أراد أنه أيضاً يثير النقع في السهل، ولا يثيره في الحزن فكل سار فيهما هذه حاله، فما وجه ذكره عجاجة عدي، وإنما حسن من عدي، وصح التشبيه لأن الحمار إذا طلب الأتان فليس يجريان على استقامة بل تراهما بيناهما في الحزن صارا إلى السهل، ثم يعودان إلى الحزن، فتراهما مسهلين ومحزنين لجولانهما، فترى عجاجتهما تثور حيناً، وتلبد حيناً، فصح التشبيه وحسن، والمسافر إنما يمر على سنن واحد فليس يكاد يخرج من سهل إلى حزن؛ ومن حزن إلى سهل في وقت واحد تدركه

منه العيون فيكون الغبار مشبهاً لملاءة تنشر وتطوى، وإنما يقع ذلك في أوقات متراخية يسقط معها هذا المعنى.

وقال أبو تمام:

وركب يساقون الركاب زجاجةمن السير لم تقصد لها كف قاطب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»
فقد أكلت منها الغوارب بالسرىوصارت لها أشباحهم كالغوارب
يرى بالكعاب الرود طلعة ثائروبالعرمس الوجناء غرة آيب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»
كأن به ضغناً على كل جانبمن الأرض أو شوقاً إلى كل جانب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

قوله: «لم تقصد لها كف قاطب» أي سيراً لا يلين ولا يفتر، كما تقطب الراح أن تمزج وتكسر بالماء وتلين.

وقال:

فاطلب هدوءاً بالتقلل واستثربالعيس من تحت السهاد هجودا
من كل معطية على علل السرىوخداً يبيت النوم منه شريدا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»
يخدي بمنصلت يظل إذا ونىضرباؤه حلساً لها وقتودا
جعل الدجى جملاً وودع راضياًبالهون يتخذ القعود قعودا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»

وقال:

ورأيت ضيف الهم لا يرضى قرىإلا مداخلة القفار دلاثا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قف بالطلول الدارسات علاثا»
شجعاء جرتها الذميل تلوكهأصلاً إذا راح الغضا حثحاثا

مداخلة القفار: موثقة الخلق.

والدلاث: السريعة، والمندلث: المسرع، يقال: اندلث اندلاثاً.

و «شجعاء جرتها الذميل» مثل، أي إذا اجترت الإبل العلف من بطونها ولاكته فليس لهذه الناقة جرة إلا الذميل وهو ضرب من السير

كما قال في وصف الخيل:

تعليقها الإسراج والإلجام

جعل ذلك مكان الشعير في المخالي إذا علقت عليها.

يقول: إذا ونت الركاب وغرثت، أي احتاجت إلى العلف، فإن هذه الناقة لاقتدارها على السير وصبرها على الرمل تلوك الذميل كأنه طعامها.

وهذه القطع كلها جياد صحيحة المعاني والألفاظ.

وقال:

سأخرق الخرق يابن خرقاء كالــهيق إذا ما استجم من نجده
مقابل في الجديل صلب القرالوحك من عجبه إلى كنده
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما لكثيب الحمى إلى عقده»
تامكه نهده مداخلهملمومه محزله أجده
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما لكثيب الحمى إلى عقده»

«ابن خرقاء»: يريد بعيراً.

والهيق: الظليم، شبهه به لنشاطه وسرعته.

والنجد: العرق، أي هو كالهيق في هذه الحال التي يقدر فيها فتوره.

مقابل: كريم الآباء والأمهات، وفي الجديل: وهو فحل كريم.

لوحك: شد ووثق، والكتد: ما يتصل بالحارك من العنق.

والتامك: المرتفع، وكذلك النهد.

والملموم: الذي قد استوى لحمه وشحمه من سنمه، ولم يبق له عظم شاخص.

والمحزئل: المرتفع، احزأل أي ارتفع في السير.

وهذه معان صحيحة، ولكن النسج لا حلاوة له، ولا طلاوة عليه.

وقال:

وإلى جناب أبي الحسين تشنعتبزمامها كالمصعب المخطوم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا ربع لو ربعوا على ابن هموم»
جاءتك من معج خوانق في الرىوعوارف بالمعلم المأموم
من كل ناجية كأن أديمهاحيصت ظهارته بجلد أطوم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا ربع لو ربعوا على ابن هموم»
تثني ملاطيها إذا ما استكرهتسعدانة كإدارة القرزوم
طلبتك من نسل الجديل وشدقمكوم عقائل من عقائل كوم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا ربع لو ربعوا على ابن هموم»
ينسين أصوات الحداة ونبرهاطرباً لأصوات الصدى والبوم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا ربع لو ربعوا على ابن هموم»
فأصبن بحر نداك غير مصردورداً وأم نداك غير عقيم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا ربع لو ربعوا على ابن هموم»
لما وردن حياض سيبك طلحاخيمن ثم شربن شرب الهيم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا ربع لو ربعوا على ابن هموم»

قوله: «تشنعت»: أي أخذت أهبتها للسير، وشمرت، من قولهم: تشنع الفارس، إذا لبس سلاحه.

ومعج: جمع معجة، والمعج: التغلب في الجري، يقال: مر الحمار يمعج معجاً، إذا جرى في كل وجه بسرعة، وحمار معاج.

والخوانق: جمع خنوق، وهي الناقة التي تضرب بيدها في السير من نشاطها وفيه بعض الميل.

والمعلم: الطريق، والمأموم: الذي يؤتم، عارفة بالطريق الذي يجب أن تؤمه لطول دأبها، وكثرة سيرها في الطرق المختلفة.

وقوله: «حبصت» خيطت بجلد أطوم، يقال: إن الأطوم: السلحفاء البحري الذي يجعل من جلده الذبل، ويشبه جلد البعير الأملس به، ويقال: الأطوم: سمكة في البحر غليظة، وقيل بل هي بقرة يتخذ من جلدها الخفاف للحمالين، قال الشماخ يصف الناقة:

وجلدها من أطوم ما يؤيسهطلح كضاحية الصيداء مهزول
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «بانت سعاد فنوم العين مملول»

قيل في تفسيره: الأطوم: سمكة بحرية تخصف الخفاف والنعال بجلدها.

ويؤيسه: يذلله، والتأييس: التذليل.

والطلح: والقراد ها هنا، والطلح: الضئيل المهزول.

والصيداء: حصى، والصيدان: حجارة.

وضاحية: ما ضحا للشمس منها وظهر.

وقال الأخفش في تفسير هذا البيت: الأطوم: طي البئر بالصخر الأسود، ويقال: الأطوم: الصدف.

وقوله: «تثنى ملاطيها» أي تباعد بينهما.

وملاطاها: وعضداها.

سعدانة: والسعدانة من البعير: هي البلدة، أي تباعد بين عضديها كركرة، أو بلدة مستديرة كإدارة الفرزوم، وهي الخشبة المدورة التي يحذو عليها الحذاء، وذلك محمود في الإبل أن يتباعد عضد البعير من زوره في السير.

والكوم: العظام الأسنمة، واحدتها كوماء.

وقوله:

ينسين أصوات الحداة ونبرهاطرباً لأصوات الصدى والبوم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا ربع لو ربعوا على ابن هموم»

أي ألفت صوت الصدى والبوم لكثرة سيرها في الفيافي، حتى صارت تطرب لذلك وتنسى أصوات الحداة.

وهذا من مبالغاته البعيدة الباطلة.

ولو قال: إلفاً لأصوات الصدى كان أشبه بالصواب قليلاً من الطرب.

وهذه أبيات صالحة على ما فيها من التكلف.

وقال:

الهم والعيس والليل التمام معاًثلاثة أبداً يقرن في قرن
حوباً حلاً قاسميني الهم يا ابنتهفقد خلقت لغير الحوض والعطن

قوله: «حوباً حلا» زجر من زجر الإبل، كأنه زجر ناقته، وقال لها: قاسميني الهم يا ابنته: يا بنت الهم، سيري وانطلقي فقد خلقت لغير الحوض والعطن، أي خلقت لقطع الأسفار لا للإقامة.

ولفظ هذا الأخير رديء، ونسجه قبيح.

وأخذ البحتري معنى الأول فقال:

يا خليلي بالسواجير من ودبــن معن وبختر بن عتود
أطلبا ثالثاً سواي فإنيرابع العيس والدجى والبيد
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أطلبا ثالثا سواي فإني»

وقال البحتري:

بنات العيد تعتاد الفيافيإذا شئنا استمر بها الذميل
للشاعر البحتري، من قصيدة «بمثل لقائها شفي الغليل»
وما طرفا زمان المرء إلامقام يرتضيه أو رحيل
للشاعر البحتري، من قصيدة «بمثل لقائها شفي الغليل»

وقال:

وإذا ما تنكرت لي بلادأو خليل فإنني بالخيار
للشاعر البحتري، من قصيدة «أبكاء في الدار بعد الدار»
وخدان القلاص حولاً إذا قابلن حولاً من أنجم الأسحار
للشاعر البحتري، من قصيدة «أبكاء في الدار بعد الدار»
يترقرقن كالسراب وقد خضــن غماراً من السراب الجاري
للشاعر البحتري، من قصيدة «أبكاء في الدار بعد الدار»
كالقسي المعطفات بل الأســهم مبرية بل الأوتار
للشاعر البحتري، من قصيدة «أبكاء في الدار بعد الدار»

وهذا من أوصاف الإبل إذا أضمرها السير وهي في غاية الحسن والصحة والحلاوة في اللفظ والنسج.

ومثله في الجودة والحسن قوله:

وهي العيس دهرها في ارتحالمن حلول أو فرقة من جميع
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنزاعا في الحب بعد نزوع»
رب مرت مرت تجاذب قطريــه سراباً كالمنهل المشروع
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنزاعا في الحب بعد نزوع»
وسرى تنتحيه بالوخد حتىتصدع الليل عن بياض الصديع
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنزاعا في الحب بعد نزوع»
كالبري في البرى ويحسبن أحياناً نسوعاً مجدولة من نسوع
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنزاعا في الحب بعد نزوع»

وقال:

سوف أعطي السلو والصبر ما أمـنع من طارف الهوى أو تليد
للشاعر البحتري، من قصيدة «بعض هذا الملام والتفنيد»
بالمهارى يلبسن لوناً جديداًمستفاداً في كل وقت جديد
فهي طول النهار بيض وطول الــليل في أقمص من الليل سود
للشاعر البحتري، من قصيدة «بعض هذا الملام والتفنيد»
طالبات في الغوث غوثاً سكوباًوحميداً في آل عبد الحميد
للشاعر البحتري، من قصيدة «بعض هذا الملام والتفنيد»

وهذا كل جيد بالغن وعذب حلو، ومعان لطيفة لائقة.

وقد أجاد كل واحد منهما وصف إبله على الطريقة التي قصدها واعتمدها، وإن كانت معاني البحتري فيما ذهب إليه من الضمر حلوة جداً.

فأقول: إنهما في البابين متكافئين.

. ولأبي تمام في وصف الإبل أشياء رديئة لم أكتبها، وفيها قصيدة يصف فيها ناقة حج عليها رديئة جداً أولها:

لعلك ذاكر الطلل القديموموف بالعهود على الرسوم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لعلك ذاكر الطلل القديم»

له فيها ألفاظ مختلفة، ومعان من معاني السوق، وقد تقدم في الباب قوله:

وركب كأطراف الأسنة عرسواعلى مثلها والليل تسطو غياهبه
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهن عوادي يوسف وصواحبه»
لأمر عليهم أن يتم صدورهوليس عليهم أن يتم عواقبه

في أبيات ما هي من ذلك الباب، ثم قال بعدها ما هو من هذا الباب في وصف الإبل، وسبيلها أن تثبت في هذا الباب في أوله:

على كل موار الملاط تهدمتعريكته العلياء وانضم حالبه
رعته الفيافي بعدما كان حقبةرعاها وماء الروض ينهل ساكبه
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهن عوادي يوسف وصواحبه»
فأضحى الفلا قد جد في بري نحضهوكان زماناً قبل ذاك يلاعبه
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهن عوادي يوسف وصواحبه»
فكم جزع واد جب ذروة غاربومن قبل كانت أتمكته مذانبه

قوله: «موار الملاط» فالملاط: عضد البعير، وموار: يريد حركته في السير.

وعريكته العلياء: يعني سنامه، تهدمت من طول السفر، وكذا انضم حالبه.

وقوله: «يلاعبه»: لفظة ضعيفة المعنى، وإنما جاء بها من أجل قوله: جد في بري نحضه؛ ليطابق بين الجد واللعب.

أي إن الفلا جد في أخذ لحمه في سيرنا هذا السير، فجعل مكان هذا القول: «وكان زماناً قبل ذاك يلاعبه» على مذهبه في عشق الطباق الذي لا بد له من أن يأتي به وإن حصل المعنى ضعيفاً ركيكاً، وربما كان محالاً.

وقوله: «أتمكنه» أي أسمنت تامكه، وهو سنامه.

والمذانب: مجاري الماء، وهي أبداً معشبة.

ولئن كانا جميعاً أحسنا في هذا الباب فما وصفا مطيهما بالسرعة وصف مسلم بن الوليد إذ يقول:

إلى الأمام تهادانا بأرحلناخلق من الريح في أشياخ ظلمان
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «قد اطلعت على سري وإعلاني»
كأن إفلاتها والفجر يأخذهاأفلات صادرة عن صوت مرنان
تنساب في الليل لا ترعى لهاجسةكأنني راكب في رأس ثعبان

وقد أفرط الذي يقول، وقد أحسن في إفراطه:

مروح برجليها إذا هي هجرتويمنعها من أن تطير زمامها

وقال الشماخ:

تكاد تطير من رأي القطيع

وقال الحطيئة:

وإن نظرت يوماً بموخر عينهاإلى علم بالغور قلت له ابعد
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «آثرت إدلاجي على ليل حرة»

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.