من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما قالاه من هذه المعاني في وسط الكلام في ذم الزمان ومجاهدته والصبر على نوبه
قال أبو تمام:
أسيء على دهري الثناء فقد قضىعلي بجور صرفه المتتابع
أيرضخنا رضخ النوى وهو مصمتويأكلنا أكل الدبا وهو جائع
وإني إذا ألقى بربعي رحلهلأزعره في سربه وهو راتع
أخو منزل الهم الذي لو بغى القرىلدى حاتم لم يقره وهو طائع
إذا شرعت فيه الليالي بنكبةتمزقن عنه وهو في الصبر دارع
[له همم ما إن تزال سيوفهاقواطع لو كانت لهن مقاطع]
قد روى: «ويأكلنا أكل الدبا وهو جائع» وهو عندي أشبه وأصح إن شاء الله، و «يأكلنا أكل الربا» لأن الربا يأكل النعم، ويمحق المال.
وقوله: «لو كانت لهن مقاطع»: أي شيء يقطعه.
وقال:
لقد ساسنا هذا الزمان سياسةسدى لم يسسها قط عبد مجدع
تروح علينا كل يوم وتغتديخطوب كأن الدهر منهن يصرع
حلت نطف منها لنكس وذو الحجايداف له سم من العيش منقع
قد عاب الناس عليه قوله: «كأن الدهر منهن يصرع» وهو -لعمري- قبيح.
وقال:
كم فتى للزمان وقدألقى مقاليده إليه القبيض
لوذعي يهلل المشرفي الــعضب عنه والزاعبي النحيض
أتأرتني الأيام بالنظر الشزر وكانت وطرفها لي غضيض
كيف يمسي برأس علياء ممسوجناح السمو منه مهيض
همة تنطح النجوم وجدآلف للحضيض فهو حضيض
قوله: «أتأرتني الأيام» أي أدامت نظرها إلي؛ يقال: أتأرت إليه النظر: إذا أحددته.
والقبيض: اسم لجلة الخلق، واللوذعي الحديد الفؤاد.
والمشرفي: السيف منسوب إلى المشارف، قرى تعمل فيها السيوف.
والنحيض: الذي قد ذهب نحضه أي لحمه، وإنما يعني سنان الرمح أنه قد دقق وحدد.
والزاعبي: الرمح، قيل: هو منسوب إلى رجل كان يقوم الرماح يقال له زاعب، وقال قوم زاعب: موضع لا تعرف حقيقته، ويقال: التزعب: السرعة والنشاط فيجوز أن يكون قيل زاعبي لحركته وتثنية.
وقال البحتري:
وما جزع الجزوع من اللياليبمحرزه ولا جلد الجليد
جحدنت سهمة الحدثان فينالو أن الحق يبطل بالجحود
فيا ويح الحوادث كيف تعطيشقي القوم من حظ السعيد
وكيف تجوز إن حكمت بحكمفتحمل للغوي على الرشيد
وما براحت صروف الدهر حتىأرتنا الأسد قتلى للقرود
وهذا مما مزيد على حسنه وجودته لفظاً ومعنى.
وقال:
يغتر بالدهر ذو الإضاعة والدهر عدو مطلوبة إحنة
في زمن رنقت حوادثهأشبه شيء بحادث زمنه
رضيت من سيء الزمان بأنيعشره غير زائد حسنه
رنقت حوادثه: دنت ورفرفت كما يرنق النسر.
وهذا أيضاً حسن.
وقال:
أرانا عناة في يد الدهر نشتكيتأكد عقد من عراه وثيق
وليس طليق اليوم إن رجعت لهصروف الليالي في غد بطليق
تفاوتت الأيام فينا فأفرطتبظمآن باد لوحه وغريق
وكنت إذا ما الحادثات أصببنيبهايضة صم العظام دقوق
شمخت فلم أبد اختشاعاً لشامتولم أبتعث شكوى لغير شقيق
أرى كل مؤذ عاجزاً عن أذيتيإذا هو لم ينصر علي بموق
فقد ترى هذه الفصاحة والبلاغة، والألفاظ الحلوة المتمكنة، والمعاني القريبة العجيبة.
وأجود من قوله: «وكنت إذا ما الحادثات أصببني...» والبيت بعده قول العكوك:
ألا رب هم يمنع النوم دونهأقام كقبض الراحتين على الجمر
بسطت له وجهي لأكبت حاسداًوأبديت عن ناب ضحوك وعن ثغر
وشوق كأطراف الأسنة في الحشاملكت عليه طاعة الدمع أن يجري
وقال البحتري:
أطل جفوة وتهوين شأنهافما العاقل المغرور فيها بعاقل
يرجي الخلود معشر ضل رأيهمودون الذي يرجون غول الغوائل
وليس الأماني في البقاء وإن مضتبها عادة إلا أحاديث باطل
إذا ما حريز القوم بات ومالهمن الله واق فهو بادي المقاتل
وما المفلتون أجمل الدهر فيهمبأكثر من أعداد من في الحبائل
يسار بنا قصد المنون وإننالنشغف أحياناً بطي المراحل
عجالاً عن الدنيا بأسرع سعيناإلى آجل منها شبيه بعاجل
أواخر من عيش إذا ما امتحنتهاتأملت أمثالاً لها في الأوائل
وما عامك الماضي وإن أفرطت بهعجائبه إلا أخو عام قابل
غفلنا عن الأيام أطول غفلةوما خوفها المخشي عنا بغافل
تغلغل رواد الفناء ونقبتدواعي المنون عن جواد وباخل
وقال:
إذا عاجل الدنيا ألم بمفرحفمن خلفه فجع سيتلوه آجل
وكانت حياة الحي سوقاً إلى الردىوأيامه دون الممات مراحل
وما لبث من يغدو وفي كل لحظةله أجل في مدة العمر قاتل
وللمرء يوم لا محالة ما لهغد وسط عام ماله الدهر قابل
كفانا اعترافاً بالفناء ورقبةلمكروهه أن ليس للخلد آمل
وقال:
أناه أيها الفلك المدارأنهب ما تطوف أم خيار
ستفنى مثل ما تفنى وتبلىكما تبلى فيدرك منك ثار
تناب النائبات إذا تناهتويدمر في تصرفه الدمار
وما أهل المنازل غير ركبمناياهم رواح وابتكار
لنا في الدهر آمال طوالترجيها وأعمار قصار
وقال:
أخي متى خاصمت نفسك فاحتشدلها ومتى حدثت نفسك فاصدق
أرى علل الأشياء شتى ولا أرى التــتجمع إلا علة للتفرق
أرى العيش ظلاً توشك الشمس نقلهفكس في ابتغاء العيش كيسك أومق
أرى الدهر غولاً للنفوس وإنمايقي الله في بعض المواطن من يقي
ولم أر كالدنيا حليلة وامقمب متى تحسن بعينيه تطلق
تراها عياناً وهي صنعة واحدفتحسبها صنعي لطيف وأخرق
فانظر أشعار أهل الزهد وتأملها، هل ترى فيها من هذا النحو شيئاً؟ هيهات؛ هذا مذهب يتقدم كل مذهب.
وقال:
أرى غفلة الأيام إعطاء مانعنصيبك أحياناً وحلم سفيه
إذا ما نسبت الحادثات وجدتهابنات الزمان أرضعت لبنيه
متى أرت الدنيا نباهة خاملفلا تنتظر إلا خمول نبيه
وقال:
أغشى الخطوب فإما جئن مأربتيفيما أسير أو أحكمن تأديبي
إن تلتمس تمر أخلاف الخطوب وإنتلبث مع الدهر تسمع بالأعاجيب
وما أحسن ما قال ابن عيينة:
ما راح يوم على حي ولا ابتكراإلا رأى عبرة فيه إن اعتبرا
ولا أتت ساعة في الدهر فاننصرمتحتى تؤثر في قوم لها أثرا
إن الليالي والأيام أنفسهاعن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا
أنشد المبرد هذه الأبيات، وذكر أن الطائي أخذ هذا المعنى وجمعه في ألفاظ يسيرة فقال:
عمري لقد نصح الزمان وإنهلمن العجائب ناصح لا يشفق
أراد أن قوله: «عمري لقد نصح الزمان» من قوله: «إلا رأي عبرة فيه إن اعتبرا»، كأنه أراد أن ما يأتي فيه من العبر كأنه نصح منه وتنبيه.
وكذلك قوله: «ولا أتت ساعة» وقوله: «إن الليالي والأيام»، فجعل هذا كله كنصح من الزمان لما يريناه من العبر.
قال أبو العباس: وزاد عليه بقوله: «ناصح لا يشفق».
وما قاله الناس في هذا المعنى أكثر من أن يحتاج الطائي إلى أن يأخذه من وهذه الأبيات.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع