تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

نزول الشيب قبل حينه

قال أبو تمام:

أبدت أسى أن رأتني مخلس القصبوآل ما كان من عجب إلى عجب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أبدت أسى أن رأتني مخلس القصب»
ست وعشرون تدعوني فأتبعهاإلى المشيب فلم تظلم ولم تحب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أبدت أسى أن رأتني مخلس القصب»
فلا يؤرقك إيماض القتير بهفإن ذاك ابتسام الرأي والأدب

يقال: رأس مخلس وخليس: إذا اختلط به الشيب.

والقصب جمع قصبة وهي خصلة الشعر، «وآل ما كان من عجب» بي ومحبة «إلى عجب» أي تعجب من شيبي.

وقال:

شاب رأسي وما رأيت مشيب الــرأس إلا من فضل شيب الفؤاد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سعدت غربة النوى بسعاد»
وكذاك القلوب في كل بؤسونعيم طلائع الأجساد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سعدت غربة النوى بسعاد»
طال إنكاري البياض وإن عمــرت شيئاً أنكرت لون السواد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سعدت غربة النوى بسعاد»
زارني شخصه بطلعة ضيمعمرت مجلسي من العواد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سعدت غربة النوى بسعاد»
نال رأسي من ثغرة الهم لمالم ينله من ثغرة الميلاد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سعدت غربة النوى بسعاد»

فالأبيات الثلاثة الأولى من فلسفته الحسنة الصحيحة المستقيمة، ومن مشهور أحسانه، وقد عابه قوم بقوله: «شيب الفؤاد»، وليس عندي بعيب؛ لأنه لما كان الجالب للشيب القلب المهموم نسب الشيب إليه على الاستعارة، وقد أحسن عندي، ولم يسيء.

وقوله: «عمرت مجلسي من العواد» معنى لا حقيقة له؛ لأنا ما رأينا ولا سمعنا أحداً جاءه عواد يعودونه من الشيب، ولا أن أحداً أمرضه الشيب، ولا عزاه المعزون عن الشباب.

وقال ابن حازم الباهلي:

أليس عجيباً بأن الفتىيصاب ببعض الذي في يديه
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «أليس عجيبا بأن الفتى»
فمن بين باك له موجعوبين معز مغذ إليه
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «أليس عجيبا بأن الفتى»
ويسلبه الشيب شرخ الشبابفليس يعزيه خلق عليه
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «أليس عجيبا بأن الفتى»

فأحب أبو تمام أن يخرج عن عادات بني آدم، ويكون أمة وحده.

وقوله: «نال رأسي من ثغرة الهم...» بيت رديء، بعيد المعنى.

ولكنه يقرب ويتخلص إذا وقع التأني للعبارة عنه، فأقول: إن الثغرة هي: الفرجة والثلمة تكون في الشيء؛ ولذلك سمي كل بلد جاور عدواً ثغرا، كأن معناه أنه مكشوف للعدو فلذلك قيل: قد سد الثغر بالرجال، وأصله -والله أعلم- من ثغر الإنسان؛ لأنه أول ما يقابلك من أسنانه، وأول ما يظهر عند الكلام، وأول ما يسقط فيرى موضعه مثلوماً، فشبه الثغر الذي هو البلد به، وقالوا: قد أثغر الصبي واثغر، وسميت تلك الثغرة فرجة في موضع السن وفي كل موضع منفرج، ومنه ثغرة النحر.

فأراد بقوله: «نال رأسي من ثغرة الهم»، أي وجد الشيب من الهم فرجة دخل على رأسي منها، جاء به على مذهبه في الاستعارة، والهم يشيب لا محالة.

وقوله: «لما لم ينله من ثغرة الميلاد»، يذهب في ثغرة الميلاد إلى الوقت الذي يهجم عليه فيه الشيب من عمره؛ لأنه يجد السبيل في ذلك الوقت إلى الحلول برأسه، فجعله ثغرة حينئذ، فيقول: إن المشيب حل برأسه من جهة همومه وأحزانه لما لم يبلغ السن الذي يوجب حلوله به من جهة كبره.

وكان وجه الكلام أن يقول: من ثغرة الكبر، أو من ثغرة السن، لا من ثغرة الميلا.

وكان يجب أيضاً أن يقول: حل برأسي، أو نزل؛ فإن هذه اللفظة هي المستعملة في مثل هذا دون قوله: «نال»، كأنه يجعل الشيب لم يزل يترصده، ويتطلب فرصة منه ينتهزها في الدخول عليه وذلك لبعده كان عن الأفراح والمسار، وكثرة أحزانه وهمومه، وليس لثغرة الصبي وهو إثغاره إذا سقط سنه ها هنا وجه؛ لأن الإنسان قد يشيب وهو حديث السن فأما في ذلك الوقت فلا.

وقال:

نسج المشيب له قناعاً مفدفايققاً فقنع مذرويه ونصفا
نظر الزمان إليه قطع دونهنظر الشفيق تحسراً وتلهفا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نسج المشيب له لفاعا مغدفا»
ما اسود حتى ابيض كالكرم الذيلم يأن حتى جيء كيما يقطفا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نسج المشيب له لفاعا مغدفا»
لما تفونت الخطوب سوادهاببياضها عبثت به فتفوفا
ما كان يخطر قبل ذا في فكرةفي البدر قبل تمامه أن يكسفا

قوله: نظر الزمان إليه، أي نظره بالشيب قطع دونه نظر الشفيق عن أن ينظر إليه فيتحسر عليه ويتلهف، وإنما أراد «قطع دونه» خفيفة فثقلها ليستوي له الوزن، وقد يجوز أن يكون أراد التثقيل، أي أن الشفيق الذي كان يديم النظر إليه ويواصله إعجاباً به صار لا يملأ طرفه لما شاب

تحسراً وتأسفاً، كلما نظر إليه أعرض عنه إعراض آسف عليه، لا إعراض بغضة وشناءة، فجعل ذلك الإعراض عنه في أوقاته تقطيعاً للنظر إليه.

وقوله: «ما اسود حتى ابيض»، يريد سرعة مشيبه.

وقوله: «كالكرم الذي لم يأن جتى جيء كيما يقطفا» كلام في غاية القبح والغثاثة والبرد، كأنه جعل مجيء القاطف إلى الكرم الذي لم يدرك ليقطفه كحلول الشيب برأسه قبل أوانه ليفنى عمره.

وقوله: «لما تفرقت الخطوب سوادها ببياضها»، أذى لما اختلفت عليه بالخير والشر فوفت رأسه أي خلطت سواده ببياض الشيب.

وقوله: «ما كان يخطر قبل ذا في فكرة...» بيت لفظه ومعناه في غاية الاضطراب والسخافة.

وقال البحتري:

أقول للمتي إذ أسرعت بيإلى الشيب اخسري فيه وخيبي
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمنك تأوب الطيف الطروب»
مخالفة بضرب بعد ضربوما أنا واختلافات الضروب
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمنك تأوب الطيف الطروب»
وكان جديدها فيها غريباًفصار قديمها حق الغريب

قوله: وكان جديدها فيها غريباً من قول أبي تمام:

طال إنكاري البياض وإن عمــرت شيئاً أنكرت لون السواد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سعدت غربة النوى بسعاد»

وبيت أبي تمام أجود.

وقول البحتري: «مخالفة بضرب بعد ضرب» في غاية الحسن والصحة والبراعة.

وقال البحتري:

هل أنت صارف شيبة إن غلستفي الوقت أو عجلت عن الميعاد
للشاعر البحتري، من قصيدة «حقا أقول لقد تبلت فؤادي»
جاءت مقدمة أمام طوالعهذي تراوحني وتلك تغادي
للشاعر البحتري، من قصيدة «حقا أقول لقد تبلت فؤادي»
وأخو الغبينة تاجر في لمةيشري جديد بياضها بسواد
للشاعر البحتري، من قصيدة «حقا أقول لقد تبلت فؤادي»
لا تكذبن فما الصبا بمخلفلهواً ولا زمن الصبا بمعاد
وأرى الشباب على غضارة حسنهوجماله عدداً من الأعداد
للشاعر البحتري، من قصيدة «حقا أقول لقد تبلت فؤادي»

قوله: «يشري» أي يبيع «جديد بياضها بسواد» يريد الخضاب؛ لأنه قال: «لا تكذبن فما الصبا بمخلف».

وقوله: «عدداً من الأعداد»، أي عدداً قليلاً يسيراً.

وقال:

ما كان شوقي ببدع يوم ذاك ولادمعي بأول دمع في الهوى سفحا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أطاع عاذله في الحب إذ نصحا»
ولمة كنت مشغوفاً بجدتهافما عفا الشيب لي عنها ولا صفحا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أطاع عاذله في الحب إذ نصحا»

وهذا من إحسانه المشهور:

ووجدت في ديوان أبي تمام في الخضاب، وهو يشبه كلامه، وأظنه منحولا:

فإن يكن المشيب طرا عليناوأودى بالبشاشة والشباب
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «فإن يكن المشيب طرا علينا»
فإني لست أدفعه بشيءيكون عليه أثقل من خضاب
أراد بأن ذاك وذا عذابفينتقم العذاب من العذاب

وقال البحتري:

لو رأت حادث الخضاب لأنتوأرنت من احمرار اليرنا
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما تقضى لبانة عند لبنى»

وقال:

قالت الشيب أتى قلت أجلسبق الوقت ضراراً وعجل
ومع الشيب على علاتهمهلة للمرء حيناً والغزل
خليت أن التصابي خرقبعد خمسين ومن يسمع يخل

وقال:

تزيدني الأيام مغبوط عيشةفينقضي نقص الليالي مرورها
للشاعر البحتري، من قصيدة «مغاني سليمى بالعقيق ودورها»
وألحقني بالشيب في عقر دارهمناقل في عرض الشباب أسيرها
للشاعر البحتري، من قصيدة «مغاني سليمى بالعقيق ودورها»
مضت لي سواد الليل أولى بطالتيفدعني يصاحب وخط شيبي أخيرها

يقول: إذا زادتني الأيام شيئاً من غبطة العيش اجتمعت مع الليالي على انتقاصه، أي ارتجاعه، والمناقل: جمع منقلة، وهي المرحلة من مراحل السفر.

وعقر الدار، وعقرها -بالفتح والضم- أصلها.

وهذا من بارع لفظه وفصيحه وبليغه.

ومن هذا الباب، ويصلح أن يثبت في الباب الذي بعده قول آخر:

نزل المشيب بعارضيــي وضقت ذرعاً بالمشيب
وبكيت إذ رحل الشباب بكا المحب على الحبيب
داء عياء ليس ممــما ما أشتكيه إلى الطبيب
ما للمشيب بكيت لــكن خشية الأجل القريب

وما أحسن ما قال عمرو بن المبارك الخزاعي في هذا:

من لأذني بملامولكفي بمدام
للشاعر عمرو بن المبارك مولى خزاعة، من قصيدة «من لأذني بملام»
رق عظم الجهل منيوانحنى متن عرامي
وتمشى السيف من شيبــبي إلى شيبي التوام
نظمك الدر إلى الدررة في سلك النظام
للشاعر عمرو بن المبارك مولى خزاعة، من قصيدة «من لأذني بملام»

ومما لا شيء أجود منه في معناه قول الآخر، ولا تشينه شهرته:

ألقى عصاه وأرخى من عمامتهوقال ضيف فقلت الشيب قال أجل
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «ألقى عصاه وأرخى من عمامته»
فقلت أخطأت دار الحي قال لقدتمتلك الأربعون الوفر ثم نزل
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «ألقى عصاه وأرخى من عمامته»
فما شجيت بشيء ما شجيت بهكأنما اعتم منه مفرقي بحبل
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «ألقى عصاه وأرخى من عمامته»

وقد تصرف البحتري في هذا الباب تصرفاً حسناً.

ولولا قول أبي تمام: «فلا يؤرقك إيماض القتير به».

وقوله: «شاب رأسي»، والبيتان بعده لفضلت البحتري عليه في افتنانه، وبراعة لفظه، وسلامة، لكني أجعلهما متكافئين.

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.