من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما جاء عنهما في وسط كلامهما من هذا الباب
قال أبو تمام:
أأيامنا ما كنت إلا مواهباوكنت بإسعاف الحبيب حبائبا
سنغرب تجديداً لعهدك في البكافما كنت في الأيام إلا غرائبا
ومعترك للشوق أهدى به الهوىإلى ذي الهوى نجل العيون ربائبا
كواعب زارت في ليال قصيرةتخيان لي من حسنهن كواعبا
قوله: «ومعترك للشوق» يريد موضعاً زاره فيه الكواعب اللاتي ذكرهن؛ فإن ذلك الموضع يسقط فيه الشوق فلأن يكون معتركاً للوصل أولى، والعذر له أن يقال: إنه إنما كان معتركاً للشوق بعد تلك الحال التي تقصت فهو أبداً مشتاق إلى ذلك الموضع إذا ذكر له.
وقال:
أحسن بأيام العقيق وأطيبوالعيش في أظلالهن المعجب
ومصيفهن المستظل بظلهسرب المها، وربيعهن الصيب
أصل كبرد العصب نيط إلى ضحىعبق بريحان الرياض مطيب
وظلالهن المشرقات بخردبيض كواعب غامضات الأكعب
وهذا لعمري حسن معجب.
وقال أيضاً أبو تمام:
ولقد أراك فهل أراك بغبطةوالعيش غض والزمان غلام
أعوام وصل كان ينسي طولهاذكر النوى فكأنها أيام
ثم انبرت أيام هجر أعقبتبجوى أسى فكأنها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلهافكأنها وكأنهم أحلام
فقوله: «كان ينسي طولها ذكر النوى»، أي إنا كنا نذكر الفراق فنبادر السرور واللذات فكان ذلك يقصر من طولها، وأيام السرور على كل حال قصار، اعترض فيها خوف الزوال أو لم يعترض.
وهذا من مشهور إحسان أبي تمام لفظاً ومعنى.
وقال البحتري:
عيش لنا بالأبرقين تأيدتأيامه وتجددت ذكراه
والعيش ما فارقته فذكرتهلهفاً وليس العيش ما تنساه
وهذا إحسان يزيد على كل إحسان.
وقال البحتري:
سقى الله أخلاقاً من الدهر رطبةسقتنا الجوى إذ أبرق الحزن أبرق
ليال سرقناها من الدهر بعدماأضاء بمصباح من الشيب مفرق
تداويت من ليلى بليلى فما شفىبماء الزبى من بات بالماء يشرق
وهذا من أحسن معنى وأحلاه، وقوله: «إذ أبرق الحزن أبرق»، أي كما عدناه، لا كما هو في الوقت من الخراب.
وقوله: «تداويت من ليلى بليلى» أي فلم أبرأ من الداء كما أن من شرق بالماء لم يدفع شرقه الماء ولو تناهى في الكثرة حتى يبلغ الزبى وهو من قولهم: بلغ الماء الزبى: جمع زبية، وهي حفرة تحفر للأسد في أعلى ما يمكن من المواضع فلهذا ضرب [بها] المثل في كثرة الماء فقيل: بلغ الماء الزبى.
فالشرق بالماء لا يزيله الماء كما قال عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرقكنت كالغصان بالماء اعتصاري
فقال البحتري ليؤكد ذلك بقاء حبه، أي لا يكون برئي من حبها أن تداوي منها بها كما لا يدفع الماء شرق من شرق بالماء.
وقال البحتري:
فسقى الغضا والنازليه وإن همشبوه بين جوانح وقلوب
وقصار أيام به سرقت لناحسناتها من كاشح ورقيب
خضراً تساقطها الصبا فكأنهاورق يساقطه اهتزاز قضيب
كانت فنون بطالة فتقطعتعن هجر غانية ووخط مشيب
فقوله: «خضر تساقطها الصبا» معنى في غاية الحسن، وتمثيل في نهاية اللطف.
ومن حلو معانيه، ومشهور إحسانه قوله:
بعض هذا العتاب والتفنيد ليس ذم الوفاء بالمحمود
ما بكينا على زرود ولكنـنا بكينا أيامنا في زرود
وقال أيضاً:
ليالينا بين اللوى فمحجرسقيت الحيا من صيب المزن ممطر
مضى بك وصل الغانيات ونشوة الشــباب ومعروف الهوى المتنكر
فإن أتذكر حسن ما فات لم أجدرجوعاً لما فارقته بالتذكر
نضوت الأسى عني اصطباراً وربماأسيت فكم أصبر ولم أتصبر
وقال أيضاً:
عهد لعلوة باللوى قد أشكلاما كان أحسن مبتداه وأجملا
أنسى ليالينا هناك وقد حلامن لهونا في ظلها ما قد حلا
عيش غرير لو ملكت لما مضىرداً إذاً لرددته مستقبلا
قوله: «عيش غرير» أي رقيق ناعم، قال جرير:
بيض ترببها النعيم وخالطتعيشاً كحاشية الفرند غريرا
الفرند: الحرير، والفرند: ماء السيف والحاشية: جانب الثوب، وإنما أراد الفرند نفسه.
وقال أبو تمام:
ليالينا بالرقتين وأهلهاسقى العهد منك العهد والعهد والعهد
سحاب متى على النبت ذيلهفلا رجل ينبو عليه ولا جعد
ضربت لها بطن الزمان وظهرهفلم ألق من أيامها عوضاً بعد
قوله: «العهد والعهد والعهد»، فالعهد جمع عهدة، وجمع عهد: عهاد، وهو المطر يأتي إثر مطر، فأراد سقي العهد الذي عهدناك هذا المطر بأسره: أوله، ووسطه، وآخره، وأراد سقتك العهاد كلها، ومثله قوله:
سقى عهد الصبا سيل العهاد
وهذا مستقيم، والأول ليس بالجيد.
وقد فسر هذا قوم بما يبعد عن المعنى، ولا يليق به، وخلطوا فيه.
قال أبو تمام:
سلام ترجف الأحشاء منهعلى الحسن بن وهب والعراق
على البلد الحبيب إلي غوراًونجداً والأخ العذب المذاق
ليالي نحن في وسنات عيشكأن الدهر عنها في وثاق
وأياماً لنا وله ولداناًغنينا في حواشيها الرقاق
كأن العهد عن عفر لديناوإن كان التلاقي عن تلاق
وهذا كلام حلو عذب.
وقوله: «سلام ترجف الأحشاء منه»، لأنه فارق العراق وهو كاره، فسلم سلام مودع متأسف، شديد النفس للشوق والأسف؛ فلذلك قال: «ترجف الأحشاء منه».
بيت أبي تمام النادر في هذا الباب قوله:
ثم انقضت تلك السنون وأهلهافكأنها وكأنهم أحلام
وبيت البحتري قوله:
والعيش ما فارقته فذكرتهلهفاً وليس ما تنساه
وبيت أبي تمام أسير، وبيت البحتري ألطف معنى.
وهما في سائر ما مر لهما في هذا الباب متكافئان.
ومن حلو كلام البحتري في معنى الأيام قوله:
ما أحسن الأيام إلا أنهايا صاحبي إذا مضت لم ترجع
وأحلى منه وأبدع قول أبي حية النميري:
إذ الأيام مقبلة إليناوظل أراكه الدنيا ظليل
وفي هذا الباب لأبي تمام إساءة في قصيدته التي أولها:
أما إنه لولا اللوى ومعاهده
وذلك قوله:
فيا مشهداً يستهزم البين باسمهإذا عد أيام الهوى ومشاهده
ويا ليلة لو يعرف الدهر طيبهالصيرها ثغراً تناغى مراصده
وهذا من أقبح ما يكون من الكلام، وأهجن ما يكون من المعاني، وأبعد ما تكلفه أهل الاستعارة من الأغراض.
يقول: ولو علم الدهر طيب هذه الليلة لجعلها ثغراً له مراصد.
والمراصد: مواضع الحرس.
وقوله: تناغى، يريد حراس المراصد، يخاطب بعضهم بعضا، وينذر واحد آخر، وأصل المناغاة: الكلام الرخيم الخفي، مثل مناغاة الصبي.
وربما فعل ذلك أهل المراصد المتقاربة: يوحي بعضهم إلى بعض، وينبه بعضهم بعضاً على ما يتخوفونه ويتوقعونه، يقول: فلو علم الدهر طيب هذه الليلة لجعلها ثغراً يحرسه من أن تلحقه آفة أو جائحة تزيله وتبطله.
وهذا مما ينبغي أن تسمعه وتضحك منه، كما أن جيده يسمع ويعجب منه، ومن أجل هذا التفاوت العظيم في شعره تفاوت الناس في التعصب له والتعصب عليه، فما ينبغي أن يقبح إحسانه، ولا أن تحسن إساءاته.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع